حدث استقبال الرئيس الجزائري السيد عبدالمجيد تبون لوزير الخارجية الإسباني السيد خوسي مانويل ألباريس يوم الخميس الماضي بالقصر الرئاسي بالجزائر العاصمة، لم يكن حدثا عاديا عابرا، بل و بالنظر إلى المعطيات المحيطة به، يعتبر حدثا بارزا يعيد ترتيب العلاقات الجزائرية الإسبانية، بعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها طوال أربع سنوات خلت.
نشير في البداية إلى أن حرص الرئيس الجزائري على استقبال الوزير الإسباني شخصيا، عوض الاقتصار على استقباله من طرف نظيره الجزائري كما تجري العادة بذلك، يعطي وزنا خاصا واستثنائيا لهذا الحدث، ويؤشر على أن أعلى سلطة في البلاد، مبدئيا على الأقل ، حرصت على أن يحظى الضيف الإسباني بأعلى درجات الاهتمام والعناية في إشارة واضحة إلى حسن النية .
قبل حوالي أربع سنوات من اليوم، وتحديدا في بحر شهر أكتوبر من سنة 2022 ، أعلنت الحكومة الجزائرية عن استدعاء سفيرها في مدريد قصد التشاور، وزادت في حدة غضبها تجاه حكومة مدريد بأن أعلنت عن إلغاء معاهدة الصداقة وحسن الجوار و التعاون التي تجمعها بإسبانيا، و السبب في ردة الفعل القوية والعنيفة هذه ، لم يكن يتعلق بالمصالح الجزائرية المباشرة ، و لا بتصرف من طرف الحكومة الإسبانية أساء إلى سمعة الجزائر و لا إلى صورتها ، و لا إلى سلوك إسباني مخل بالأعراف و التقاليد و البروتوكولات الدبلوماسية ، بل أن الحكومة الجزائرية اتخذت كل تلك القرارات العاصفة بسبب موقف مدريد إزاء قضية ،لا تتردد الجزائر في التأكيد في كل مناسبة و بدونها أنها ليست طرفا فيها.
قامت بكل ذلك لأن رئيس الحكومة الإسبانية السيد بيدرو سانشيز أعلن عن موقف إسباني سيادي يقضي باعتراف إسبانيا بمشروعية الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب للتوصل إلى تسوية سلمية عادلة للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية.
اليوم، يحرص الرئيس الجزائري على أن يستقبل شخصيا رئيس الدبلوماسية الإسبانية في الجزائر ، ويعلن قرار إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي قامت الحكومة الجزائرية عن إلغائها من جانب واحد ، دون أن تزول الأسباب التي كانت وراء التصعيد في الأزمة بين البلدين.
بمعنى أن موقف الحكومة الإسبانية في ما يتعلق بمشروع الحكم الذاتي وبمغربية الصحراء بقي على حاله ، بما يؤكد أن خيار الضغط و الابتزاز الذي مارسته الحكومة الجزائرية تجاه مدريد لإجبارها على التراجع عن موقفها، ليس لم يعط أكله و لم يحقق أهدافه فحسب ، بل إنه يؤكد اعتراف النظام الجزائري بخطيئته تجاه مدريد و يعلن طلب العفو عما اقترفه بسلوك انفعالي أساء إلى الجزائر قبل أن يسيء إلى إسبانيا. وبذلك يمكن القول إن النظام الجزائري قرر بنفسه و عن طواعية دخول بيت الطاعة في علاقته مع مدريد .
سبق للنظام الجزائري أن جرّب نفس الأسلوب مع فرنسا وانتهى تهوره بالعودة إلى بيت الطاعة أيضا ، وهذا السلوك يفقد هذا النطام ما تبقى له من مصداقية، إن تبقى فعلا ، في علاقاته الدولية ، لأن الجميع يرى و يعاين كيف تتراجع الجزائر عن انفعالاتها ويفتر حماسها، لتعدل في الأخير عما اقترفته وتطلب العفو عما صدر عنها من سلوك متهور، والواضح أنها بمثل هذه التصرفات تفرغ مواقفها من أية مصداقية. وتقدم نفسها في علاقات دولية معقدة و متشابكة على أنها لا تحسن تقدير التطورات والأوضاع، وأن مواقفها لا تتخذ على أسس مدروسة ومحسوبة المنافع والأضرار ، وبذلك فهي مواقف لا يعتد بها ولا قوة لها في نسيج هذه العلاقات.
على كل حال نهنئ النظام الجزائري على قدرته على استعادة الرشد المفاجئ في كل مرة يتأكد فيها أن حساباته الضيقة في علاقات الجوار تقوده إلى اقتراف حماقات ، و ما أن يعود له الرشد الظرفي حتى يعلن التوبة و العودة إلى بيت الطاعة .
عبد الله البقالي
للتواصل مع الكاتب:
bakkali_alam@hotmail.com
رئيسية 








الرئيسية






