*العلم الإلكترونية: لحسن الياسميني*
لم تكن أحداث سبتة المحتلة مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية استدعت اجتماعاً طارئاً لوزراء الاتحاد الأوروبي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة التي تربط بروكسيل بالمغرب، وإلى مناسبة كشفت عن حدود المقاربة الأوروبية في التوفيق بين التضامن مع إسبانيا والحفاظ على شراكة استراتيجية مع الرباط. ففي الوقت الذي سعت فيه مدريد إلى تقديم ما جرى باعتباره مساساً بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، اتجهت غالبية المواقف الأوروبية إلى التركيز على قضية أكثر إلحاحاً، وهي ضرورة صون التعاون مع المغرب بوصفه شريكاً محورياً في تدبير الهجرة غير النظامية وحماية الأمن الإقليمي.
ومن هنا، اكتسب الاجتماع الأخير لوزراء الاتحاد الأوروبي أهمية سياسية خاصة، إذ لم يقتصر على تقييم تداعيات الأزمة، بل أفرز رسائل واضحة تؤكد أن الاتحاد الأوروبي، رغم تضامنه مع إسبانيا، لا ينظر إلى المغرب باعتباره جزءاً من المشكلة، وإنما يعده جزءاً أساسياً من الحل. فقد أجمعت مواقف الوزراء على الإشادة بالتعاون الأمني المغربي، والدعوة إلى تعزيزه وتوسيعه، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن أمن الضفة الجنوبية للمتوسط لا يمكن فصله عن متانة الشراكة مع المملكة المغربية.
ولعل أبرز ما ميز النقاش الأوروبي هو غياب أي نزعة إلى تحميل المغرب مسؤولية ما وقع، مقابل حضور قوي لخطاب يدعو إلى تعميق التعاون مع الرباط. فقد أكد عدد من الوزراء أن المملكة تضطلع بدور أساسي في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وأنها تبذل جهوداً كبيرة في مراقبة حدودها، بما ينعكس إيجاباً على أمن الفضاء الأوروبي بأكمله. كما شددوا على أن مواجهة التحديات المرتبطة بالهجرة لا يمكن أن تقوم على إجراءات أمنية معزولة، وإنما على شراكات متوازنة مع دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب.
وكشفت هذه المواقف عن تطور مهم في الرؤية الأوروبية للهجرة. فبعد أن كان التركيز ينصب، خلال السنوات الماضية، على حماية الحدود الأوروبية، باتت المقاربة الجديدة تنظر إلى الأمن باعتباره مسؤولية مشتركة تتطلب الاستثمار في التنمية، وتعزيز التعاون الأمني، وتبادل المعلومات، وتقديم الدعم للدول التي تتحمل العبء الأكبر في الحد من تدفقات الهجرة. وفي هذا السياق، يبرز المغرب باعتباره أحد أهم الشركاء الذين تعتمد عليهم أوروبا في تنفيذ هذه الاستراتيجية.
وفي مقابل هذا التوجه الأوروبي، حاولت الحكومة الإسبانية استثمار الأزمة سياسياً. فقد سارع رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، إلى زيارة سبتة المحتلة، معتبراً أن ما جرى يشكل اعتداءً على السيادة الإسبانية، وأن الدفاع عن المدينتين هو دفاع عن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا الخطاب في سياق سياسة دأبت مدريد على انتهاجها، تقوم على إضفاء طابع أوروبي على قضية سبتة ا ومليلية المحتلتين، بما يعزز موقعهما داخل المنظومة الأوروبية ويمنحهما بعداً يتجاوز كونهما مدينتين خاضعتين للاحتلال على التراب المغربي.
غير أن هذا المسعى الإسباني اصطدم بواقعية الموقف الأوروبي. فالعواصم الأوروبية، رغم تضامنها الطبيعي مع دولة عضو، تدرك أن مصالحها الاستراتيجية مع المغرب تتجاوز بكثير الاعتبارات الظرفية المرتبطة بأي أزمة حدودية. ولذلك، لم يطغ خطاب السيادة الذي تبنته مدريد على النقاش الأوروبي، بل ظل الحديث منصباً على أهمية الحفاظ على قنوات الحوار مع الرباط، وتعزيز التعاون معها في مختلف الملفات الأمنية والاستراتيجية.
ولم يلبث هذا الإدراك أن انعكس على الخطاب الرسمي الإسباني نفسه. فبعد انتهاء ذروة الأزمة، عاد وزير الداخلية الإسباني إلى الإشادة بالتنسيق الأمني الوثيق مع المغرب، مؤكداً أن التعاون بين البلدين كان حاسماً في احتواء الوضع وإعادة الهدوء إلى الحدود. كما أكد وزير الخارجية الإسباني أن العلاقات مع المغرب تظل أولوية بالنسبة لإسبانيا، وأن التنسيق الثنائي يمثل شرطاً أساسياً لمواجهة التحديات المشتركة.
أما داخل الساحة السياسية الإسبانية، فقد شكلت الأزمة مادة جديدة للصراع بين الحكومة والمعارضة. فقد رأى الحزب الشعبي وحزب فوكس اليميني المتطرف في الأحداث دليلاً على فشل الحكومة في حماية الحدود، وطالبا بتشديد الإجراءات الأمنية وتعزيز الحضور العسكري في سبتة المحتلة، مع اعتماد سياسة أكثر تشدداً تجاه المغرب. وفي المقابل، دعت أصوات سياسية أخرى إلى عدم التضحية بالشراكة مع الرباط تحت ضغط التجاذبات الداخلية، معتبرة أن التعاون مع المغرب يمثل الضمانة الحقيقية لاستقرار الحدود الجنوبية.
وانعكس هذا الانقسام أيضاً في وسائل الإعلام الإسبانية. فبينما ركزت بعض الصحف على البعد السيادي للأزمة، شددت أخرى على أن ما وقع يؤكد مرة أخرى أن أمن إسبانيا وأوروبا مرتبط بدرجة كبيرة بمستوى التعاون مع المغرب. أما صحيفة إل فارو دي سبتة، القريبة من واقع المدينة، فقد دعت إلى إدارة الأزمة بعيداً عن المزايدات السياسية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق بين مدريد والرباط بدعم من الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد خلاصات اجتماع وزراء الاتحاد الأوروبي أن أوروبا اختارت في نهاية المطاف نهج البراغماتية السياسية. فهي من جهة عبرت عن تضامنها مع إسبانيا بوصفها دولة عضواً، لكنها من جهة أخرى حرصت على عدم الإضرار بعلاقاتها مع المغرب، إدراكاً منها أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط، ومكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، كلها رهانات تجعل من المملكة شريكاً لا غنى عنه.
ولذلك، فإن الرسالة الأهم التي حملتها هذه الأزمة لا تتعلق فقط بإدارة موجة هجرة عابرة، وإنما تكمن في تأكيد تحول عميق داخل التفكير الأوروبي، قوامه أن أمن أوروبا لم يعد يبدأ عند حدودها، بل يبدأ أيضاً من قوة شراكاتها مع دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب، الذي رسخ خلال السنوات الأخيرة مكانته كشريك استراتيجي يحظى بثقة متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي، رغم استمرار بعض الخلافات السياسية المرتبطة بقضايا السيادة والحدود.
رئيسية 








الرئيسية



