Quantcast
2026 أغسطس 28 - تم تعديله في [التاريخ]

عمر نجيب يكتب: نهاية حقبة أو بداية لمسلسل جديد لحروب بلا نهاية..

يرصد الكاتب "عمر نجيب" تحولات النظام العالمي ومأزق الهيمنة الأمريكية في ظل الحرب مع إيران، وتراجع الردع، واضطراب أسواق النفط، وتعافي القدرات الإيرانية وتصاعد خطاب الإمبراطورية.


رهان واشنطن الخطير للحفاظ على نظام القطب الواحد

الكاتب عمر نجيب
الكاتب عمر نجيب

*بقلم: عمر نجيب*

يمر العالم والشرق الأوسط بشكل خاص بمرحلة انتقالية تتأقلم مع آثار التعثر الأمريكي الإسرائيلي في الحرب ضد إيران وتراجع قدرة الردع الأمريكية سياسياً وعسكرياً، وتأزم الوضع الاقتصادي العالمي، حيث أصبح يتأرجح على حافة الهاوية، لا تمنعه من السقوط فيها سوى إجراءات ترقيعية لا يمكن الاستمرار في ممارستها سوى لفترة قصيرة قادمة.

الرأي ينقسم حول التطورات القادمة للمواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع طهران، فهناك جانب يقدر أنه لا مفر من استئنافها بعد أن تجدد واشنطن مخزوناتها من الأسلحة والذخائر، وبعد أن توفر واشنطن حماية كافية لإسرائيل من الصواريخ الإيرانية، وبعد أن تضمن تواصل تحالفها مع دول في الشرق الأوسط، خاصة تركيا، ذلك أن تل أبيب ترى في استمرار صمود إيران بمثابة حكم إعدام عليها. ويرى محللون أن التيار اليميني المسيطر حالياً في واشنطن لا يمكن أن يقبل باستمرار الانتكاسة في مواجهة إيران، لأن ذلك يسد الطريق على أحد أهداف واشنطن الرئيسية في تشديد الحصار على الصين والتحكم في طرق مدها بالنفط.

عدم قدرة البيت الأبيض على التعايش مع نظام عالمي متعدد الأقطاب يولد فوضى ومشاكل متداخلة، سواء عالمياً أو محلياً في التكتل الغربي، فأغلب الاختيارات ملغمة ولم يعثر أحد على مسلك سالم حتى الآن. وفي داخل الولايات المتحدة نفسها صراع خفي بين تيارات متباينة تواجه تراكم ضغوط في وسط الرأي العام، وخاصة الطبقة المتوسطة التي تواجه تقلص قدراتها المادية، في وقت تتراكم فيه ديون الدولة لتفوق 40 تريليون دولار.

الرئيس الأمريكي ترامب، وفي مواجهة هذه المتاهة من المشاكل، يتخذ قرارات ومواقف متناقضة، مما يزيد من مخاطر السقوط في فخ مواجهة عالمية. انتقال واشنطن من الهجوم العسكري إلى الضغط الاقتصادي لا يبدو مجدياً، خاصة بعد تجربته منذ أكثر من 40 سنة ضد طهران.

* أزمة تحتد

يوم الإثنين 17 أغسطس 2026، ارتفعت أسعار النفط، مع تبدد توقعات تحقيق انفراجة في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران وتباطؤ حركة مرور الناقلات عبر مضيق هرمز، الأمر الذي عزز المخاوف المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية في السوق.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت واحداً بالمئة إلى 89.40 دولاراً للبرميل، وكانت قد ارتفعت في أحدث تداول 72 سنتاً إلى 89.20 دولاراً بحلول الساعة 02:29 بتوقيت غرينتش. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 44 سنتاً إلى 82.83 دولاراً للبرميل.

وكان كلا العقدين قد ارتفع بأكثر من خمسة بالمئة الأسبوع الماضي في أعقاب الهجمات التي استهدفت ناقلات تشغلها شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» في مضيق هرمز، ومصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية.

وفي مطلع الأسبوع، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران لم تقرر بعد استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة، في حين حث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمريكيين على قبول ارتفاع طفيف في أسعار البنزين طالما استمر الصراع.

وصرح عراقجي، في مقابلة مع وسائل إعلام محلية يوم السبت، بأن على واشنطن تلبية شروط إيران بشأن المضيق حتى تستأنف حركة الشحن البحري.

وكان خُمس شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر عبر المضيق قبل الحرب.

وفي مضيق باب المندب، حيث أعلن الحوثيون في اليمن حصاراً بحرياً على السعودية في 20 يوليو، أظهرت بيانات شركة كبلر مرور 49 سفينة شحن في مطلع الأسبوع، بانخفاض عن 55 سفينة في الأسبوع السابق. ولم يتم رصد أي شحنات نفطية سعودية.

* اختبار الحرب

تواجه أسواق النفط العالمية اختباراً حاسماً مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تساؤلات حول قدرة المخزونات العالمية على تعويض نقص الإمدادات إذا استمرت الأزمة ستة أشهر.

وتشير تقديرات إلى أن العالم فقد نحو 2.6 مليار برميل من النفط منذ اندلاع الحرب، في واحدة من أكبر اضطرابات الإمدادات النفطية تاريخياً من حيث الخسائر التراكمية، باستثناء تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979. وتعادل هذه الكمية نحو 25 يوماً من الاستهلاك العالمي، استناداً إلى طلب بلغ قبل الحرب نحو 103 ملايين برميل يومياً.

وساهم تراجع الطلب الصيني خلال الأشهر الأخيرة في تخفيف الضغوط جزئياً، فيما يقدر معظم المحللين فجوة الإمدادات الحالية بنحو 5 ملايين برميل يومياً. وتقول أرامكو إن الأسواق تفقد نحو 11 مليون برميل يومياً من إمدادات الخليج العربي.

وأعلنت وكالة الطاقة الدولية في مارس الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، مؤكدة أن المخزونات العالمية لا تزال كبيرة. وتبلغ المخزونات الحكومية والتجارية لدى الدول الأعضاء نحو 1.5 مليار برميل، وهي تكفي نظرياً لتغطية فجوة قدرها 5 ملايين برميل يومياً لمدة 300 يوم.

لكن الوكالة لا تستطيع إجبار الشركات على الإفراج عن المخزونات التجارية، ما يجعل المخزونات الحكومية، البالغة نحو 900 مليون برميل، المصدر الأكثر قابلية للاستخدام. وهذه الكمية تكفي لتغطية فجوة الإمدادات الحالية لنحو 180 يوماً فقط.

وتواجه الولايات المتحدة قيوداً إضافية، بعدما تراجعت مخزونات الاحتياطي الاستراتيجي للنفط إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1983. كما حذر مكتب المساءلة الحكومية من تدهور البنية التحتية للاحتياطي، مشيراً إلى أن نحو ربع المخزونات لم يعد متاحاً. وإذا لم يتبق سوى 200 مليون برميل قابلة للاستخدام، فإنها ستغطي فجوة الإمدادات لنحو 40 يوماً فقط.

ويرى محللون أن استنزاف المخزونات يقلص هامش الأمان في السوق ويزيد مخاطر ارتفاع الأسعار، ما يجعل قدرة العالم على تجاوز ستة أشهر إضافية من الحرب مرتبطة ليس فقط بحجم النفط المخزن، بل بالكمية التي يمكن فعلياً طرحها في الأسواق وسرعة وصولها إلى المستهلكين.

* الطوق الاقتصادي

في هذه الأثناء، ينتقل الرئيس الأمريكي من تهديد إيران بتجدد العمليات العسكرية إلى التلويح بمزيد من إجراءات الحصار الاقتصادي. وقد نقلت محطة فوكس نيوز عن ترامب قوله إن الولايات المتحدة ستضرب إيران اقتصادياً بقوة.

وتأتي تصريحات ترامب بعد يوم من قول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستطبق إجراءات «لم يشهدها أحد من قبل» على طهران في وقت قريب.

جاء في تقرير نشر في واشنطن يوم 16 أغسطس 2026، حول خطط البيت الأبيض لخنق طهران اقتصادياً:

فرضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على إيران، وطبقت حظراً تجارياً عليها إلى جانب تجميد أصول لها منذ أواخر السبعينيات، بسبب برنامجها النووي وما وصف بانتهاكات لحقوق الإنسان ودعمها للمقاومة الفلسطينية وحركات أخرى.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، فرضت واشنطن على طهران عقوبات إضافية في قطاعات الملاحة البحرية والطاقة والمالية، وبدأت حصاراً بحرياً عليها.

وتظهر بيانات صادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أنه فرض عقوبات على أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة منذ أن بدأ ترامب ولايته الثانية.

واستهدفت الإجراءات الأحدث أسطول الظل للنفط الإيراني، وعدداً من شركات التأمين على الشحن، والكيانات والأفراد الذين يسهلون حصول طهران على الأسلحة، وبورصات رقمية، مما أدى إلى تجميد ما يقدر بنحو 500 مليار دولار من العملات المشفرة المرتبطة بإيران.

وفيما يلي تفاصيل عن خيارات أخرى يقول الخبراء إن إدارة ترامب يمكنها أيضاً تجربتها:

* عقوبات على «أباريق الشاي» الصينية

تمثل مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح محدودة، بل وسلبية في بعض الأحيان.

وتظهر بيانات لعام 2025 من شركة كبلر للتحليلات أن الصين تشتري أكثر من 80 بالمئة من صادرات النفط الإيراني. وتستحوذ مصافي التكرير المستقلة على جزء كبير من هذه التجارة، مما يعرضها لما يسمى بتدابير ثانوية لمعاقبة الكيانات التي تساعد جهة مستهدفة بالعقوبات الأساسية.

وأدت العقوبات الأمريكية السابقة إلى عزوف شركات التكرير المستقلة الأكبر حجماً عن شراء النفط الإيراني. لكن خبراء العقوبات يقولون إن المصافي المستقلة تتمتع بحصانة نسبية نظراً لقلة ارتباطها بالنظام المالي الأمريكي.

* عقوبات على بنوك صينية

فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي عقوبات ثانوية على كيانات أصغر حجماً مقرها الصين وهونغ كونغ، بسبب اتهامها بإجراء معاملات لمليارات من الدولارات مرتبطة بالنفط الإيراني والمساعدة في تمويل شراء الأسلحة.

وحذرت وزارة الخزانة الأمريكية بنكين صينيين كبيرين من أنهما قد يواجهان عقوبات ثانوية إذا تم العثور على أموال إيرانية تمر عبر أنظمتهما، لكنها لم تصل إلى حد إدراجهما على قائمة العقوبات.

وذكر خبراء في العقوبات أن استهداف هذين البنكين، اللذين لم يكشف المسؤولون الأمريكيون عن اسميهما، أو فرض عقوبات أخرى، قد يكون له تأثير مروع على المؤسسات المالية الأكبر. ولكن الخبراء حذروا أيضاً من أن هذا الاستهداف قد يؤدي إلى اتخاذ بكين إجراءات للرد.

وسعى مسؤولون في إدارة ترامب إلى التهوين من حدة التوترات بين واشنطن وبكين قبيل اجتماع مرتقب بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق من هذا العام. ويخشون أن تقلص الصين صادرات المعادن الحرجة الضرورية لإنتاج التكنولوجيا المتقدمة، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يسعون لتطوير إمداداتهم الخاصة.

* لعبة «ضرب الخلد»

يمكن للولايات المتحدة أن تواصل استهداف أفراد وكيانات إيرانية، فضلاً عن جهات أخرى في الصين ومنطقة الخليج، تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات لجمع إيرادات تمول جهودها الحربية.

وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً عقوبات على شركات تنشأ لتسهيل مبادلة إيران إيرادات النفط بالواردات. لكن بريت إريكسون، المدير في شركة أوبسيديان ريسك أدفايزرز للاستشارات، قال إن مثل هذه الإجراءات تمثل نهجاً يشبه لعبة «ضرب الخلد»، ولم يغير سلوك إيران، مشيراً إلى أن طهران تنشئ ببساطة كيانات جديدة لتحل محل تلك التي تتعرض للعقوبات.

ولعبة «ضرب الخلد» هي لعبة شهيرة تظهر فيها دمى خلد بشكل عشوائي من فتحات، ويجب على اللاعب ضربها بمطرقة بسرعة قبل أن تختفي.

وقال مياد مالكي، الخبير في شؤون العقوبات لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن بيسنت كان على الأرجح يلمح إلى تشديد تنفيذ العقوبات على شركات شحن النفط والمشترين ومتعهدي تحويل العملات الذين يساعدون إيران في سداد قيمة وارداتها.

وأضاف أن فرض مزيد من العقوبات على قطاع الطيران يظل ممكناً أيضاً، بهدف إضعاف قدرة إيران على نقل التجارة بعد أن فرضت الولايات المتحدة حصاراً على حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

* حصار بري

طرح بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين احتمال فرض حصار بري، وهو ما سيتطلب مساعدة جيران إيران، وهم العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا.

وتتمتع إدارة ترامب بدرجات متفاوتة من العلاقات الوثيقة مع جميع تلك الدول باستثناء أفغانستان، لكن الحدود معها جبلية ويصعب للغاية مراقبتها على أي حال.

وقد يمتلك ترامب أوراق ضغط على باكستان، التي سعت مؤخراً للحصول على خط لمبادلة العملات بقيمة 10 مليارات دولار من وزارة الخزانة الأمريكية، وعلى تركيا التي تسعى للعودة إلى برنامج المقاتلات الأمريكية إف-35.

ومن شأن الحصار البري أن يزيد الضغوط على الشعب الإيراني من خلال وقف وارداته من الغذاء والطاقة والمنسوجات، لكن خبراء يقولون إن تنفيذ هذه الخطوة سيكون صعباً وقد لا يؤدي إلى احتجاجات أو ضغوط داخلية.

* رسوم جمركية ثانوية

هدد ترامب مراراً بفرض رسوم جمركية على السلع القادمة من الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، رغم أن المحكمة العليا أبطلت الأساس القانوني لهذه الرسوم.

وأقر مجلس الشيوخ الأمريكي في شهر أغسطس مشروع قانون واسع النطاق لفرض عقوبات على روسيا، تضمن عقوبات جديدة على إيران، ومن شأنه أن يمنح ترامب صلاحيات جديدة في مجال الرسوم الجمركية يمكن أن يستخدمها ضد الدول التي تساعد التجارة الإيرانية وعمليات شرائها للأسلحة.

ولا يزال مشروع القانون بحاجة إلى موافقة مجلس النواب الأمريكي، وهو ما قد يواجه صعوبات في ظل المخاوف الواسعة لدى الديمقراطيين وبعض الجمهوريين بشأن إجراءات فرض رسوم جمركية.

* صدمة ورعب

كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» يوم 13 أغسطس 2026 أن مسؤولين في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية فوجئوا بسرعة تعافي القدرات العسكرية الإيرانية، بعد أشهر من الحرب التي شهدتها المنطقة.

وأشارت الصحيفة، نقلاً عن مصادر، إلى أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد باتا يواجهان للمرة الثانية خلال عامين تقديرات مغايرة لتوقعاتهما بشأن قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها العسكرية.

وبحسب تقرير للصحيفة، فإن المفاجأة الأبرز تتمثل في سرعة تعافي القدرات المرتبطة بالصواريخ الباليستية، إلى جانب مجالات أخرى من الصناعات العسكرية. وأشارت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي كان يعتقد، عقب الحرب، أن الضربات الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية والصناعات الدفاعية الإيرانية ستؤدي إلى إضعاف قدرات طهران لسنوات، إلا أن التقييمات الجديدة تشير إلى قدرة إيرانية على إعادة بناء بعض القدرات بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً.

ولفت التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية سبق أن فوجئت بقدرة إيران على التعافي السريع بعد ضربات عامي 2024 و2025.

ففي أكتوبر 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف 20 موقعاً اعتبرها حيوية لإنتاج الصواريخ الباليستية والصناعات العسكرية الإيرانية، وقال آنذاك إن الضربات أخرت إنتاج الصواريخ الإيرانية لمدة عام أو أكثر.

لكن مع بداية عام 2025، وفق الصحيفة، تبين للجيش الإسرائيلي أن إيران تمكنت من استعادة وتيرة إنتاج الصواريخ الباليستية عالية السرعة، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى تقديم موعد هجوم محتمل إلى يونيو من العام نفسه.

وخلال يونيو 2025، استهدفت إسرائيل نحو 100 موقع للصواريخ والصناعات العسكرية الإيرانية، وقال الجيش الإسرائيلي حينها إنه توصل إلى صيغة قادرة على إبطاء إنتاج الصواريخ الإيرانية لعدة سنوات.

غير أن التقديرات الإسرائيلية تعرضت لانتكاسة جديدة بعدما تمكنت إيران مجدداً من استعادة جزء من قدراتها الإنتاجية. ووفق التقرير، ارتفع عدد الصواريخ الإيرانية، المقدر بنحو 1300 صاروخ في يونيو 2025، إلى نحو 2500 صاروخ بحلول فبراير 2026.

وخلال الحرب التي استمرت نحو 40 يوماً في عام 2026، قالت إسرائيل والولايات المتحدة إنهما نجحتا في تحقيق هدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بعد تنفيذ آلاف الضربات واستهداف أكثر من 2600 موقع مرتبط بالصواريخ والصناعات العسكرية، فيما تحدثت التقديرات الإسرائيلية والأمريكية عن نحو 30 ألف عملية استهداف مشتركة.

وكان مسؤولون في الجيش الإسرائيلي قد أكدوا عقب الحرب أن أجزاء واسعة من الصناعات العسكرية الإيرانية تعرضت لدمار كبير، وأن الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية قدرت بنحو 300 مليار دولار، وفق ما أورده التقرير.

* العيش وسط السراب

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بحسب الصحيفة، هو كيف تمكنت إيران، رغم حجم الدمار، من إعادة إنتاج كميات كبيرة من الصواريخ وإعادة بناء قدرات عسكرية محددة بسرعة.

وتقول الصحيفة إن التقييم الإسرائيلي بدأ يتحول من الاعتقاد بأن إيران تحتاج إلى استعادة واسعة للبنية التحتية العسكرية، إلى إدراك أن طهران تمكنت من ابتكار أساليب مركزة وسريعة لإعادة بناء القدرات الأكثر أهمية بالنسبة إليها، حتى مع بقاء أجزاء كبيرة من البلاد في حالة دمار.

وأشارت الصحيفة إلى أن صحيفة «نيويورك تايمز» سبق أن تحدثت عن استخدام إيران جرافات لإزالة الأنقاض وفتح مداخل مدن صاروخية تحت الأرض بوتيرة أسرع مما توقعته إسرائيل.

لكن التقرير يذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن إسرائيل باتت تملك مؤشرات على أن إيران لا تكتفي بإعادة الوصول إلى الأسلحة التي نجت من الضربات، وإنما بدأت أيضاً إنتاج أسلحة جديدة بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة.

وبحسب «جيروزاليم بوست»، كان النقاش داخل إسرائيل بعد الحرب يدور حول ما إذا كانت إيران احتفظت بنحو 500 صاروخ بعيد المدى أو ما يصل إلى ألف صاروخ قادر على ضرب إسرائيل.

إلا أن أهمية هذا النقاش تراجعت، وفق التقرير، بعدما باتت سرعة إعادة الإنتاج الإيرانية هي العامل الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ووفق تقدير أوردته الصحيفة، فإنه إذا تمكنت إيران من استعادة قدرة إنتاج تتراوح بين 100 و300 صاروخ باليستي شهرياً، فقد تتمكن من العودة إلى مستويات ترسانتها في يونيو 2025 بحلول أوائل أو منتصف عام 2027.

وتحذر الصحيفة من أن استمرار هذا المسار قد يعيد ما وصفته بـ«التهديد الوجودي» للصواريخ الباليستية الإيرانية إلى الواجهة خلال عامين أو بضعة أعوام، حتى في حال بقيت وتيرة الإنتاج أقل من المستويات السابقة.

ويرى التقرير أن هذه المعطيات قد تؤثر بصورة مباشرة على الحسابات الإسرائيلية بشأن احتمال شن هجوم جديد على إيران، وتوقيته، ومدى ارتباطه بالمفاوضات الجارية بشأن الملف النووي الإيراني ومضيق هرمز.

وفي المقابل، قد تختار إسرائيل، بحسب التقرير، عدم جعل الملف الصاروخي أولوية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تقول الصحيفة إنه لا يعطي مسألة الصواريخ الباليستية الأهمية نفسها التي يعطيها للملف النووي.

ورد الجيش الإسرائيلي على التقرير بالقول إنه ألحق خلال الحرب «أضراراً كبيرة بمجموعة واسعة من المكونات المركزية المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية»، بما أثر في قدرة النظام الإيراني على استخدام بعض قدراته وعلى إعادة تأهيلها بالمستوى والوتيرة اللذين كانا قائمين قبل الحرب.

وأضاف الجيش أنه يتابع «بشكل وثيق ومستمر» الجهود الإيرانية لإعادة تأهيل وإعادة بناء قدراتها، وأن تقييماته تُحدَّث باستمرار بما يتلاءم مع التطورات الفعلية.

وأكد الجيش أنه لا يستطيع تقديم تقديرات محددة بشأن سرعة إعادة بناء القدرات الإيرانية، بحجة أن الكشف عن هذه التفاصيل قد يؤدي إلى كشف مصادره وأساليب عمله، مشدداً في الوقت نفسه على أنه سيواصل متابعة التطورات والاستعداد وفقاً لها.

وتكشف هذه المعطيات، وفق التقرير الإسرائيلي، عن مأزق جديد أمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فكل جولة من الضربات التي أعلنت إسرائيل أنها أضعفت إيران لسنوات، أعقبتها قدرة إيرانية على التعافي بوتيرة فاقت التوقعات، ما يجعل الحرب المقبلة، إن وقعت، أمام معادلة مختلفة تماماً عن الحسابات الإسرائيلية السابقة.

* الهجرة المعاكسة

تشهد إسرائيل تصاعداً ملحوظاً في معدلات الهجرة العكسية، إذ غادر مئات آلاف الإسرائيليين فلسطين المحتلة خلال السنوات الثلاث الماضية (2023–2025). المعدلات ارتفعت مع الحرب ضد إيران. تعود هذه الظاهرة إلى تداعيات الحروب المستمرة، والاستقطاب السياسي الحاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، مما أثار مخاوف استراتيجية بشأن هجرة الكفاءات وأصحاب الدخل المرتفع.

وتنقل فايننشال تايمز عن الأستاذ الفخري في الجامعة العبرية بالقدس سيرجيو ديلا بيرغولا أن هذه هي المرة الأولى خلال قرن التي تسجل فيها إسرائيل رصيداً سلبياً مستمراً للهجرة في سنوات متتالية، واصفاً الوضع بأنه «استثنائي تماماً».

وبحسب تقرير إسرائيلي، فإن هذه الظاهرة تكتسب أهمية أكبر بالنظر إلى التاريخ الديموغرافي لإسرائيل، فبين عامي 1948 و1960 شكلت الهجرة 65 في المئة من نمو السكان، بينما ظلت مساهمتها قريبة من 20 في المئة خلال العقدين السابقين لجائحة كورونا.

ولسنوات طويلة، كانت مغادرة إسرائيل تحمل وصمة اجتماعية، حتى إن رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين استخدم أوصافاً قاسية بحق المهاجرين في سبعينيات القرن الماضي، لكن هذه النظرة تراجعت تدريجياً، في وقت أصبح فيه الانتقال إلى الخارج خياراً أكثر حضوراً في المجتمع الإسرائيلي.

* تدهور الوضع المالي

كشف استطلاع للرأي نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» يوم 16 أغسطس 2026 أن أكثر من نصف الناخبين الأمريكيين يعتبرون أن أوضاعهم المالية تدهورت منذ عودة دونالد ترامب للسلطة.

وأظهرت نتائج الاستطلاع، الذي أجرته شركة «فوكال داتا» البريطانية لصالح الصحيفة، أن 53 في المئة من المستطلعين قالوا إن وضعهم المالي ساء، بينما لم يلحظ 26 في المئة أي تغيير، ورأى 21 في المئة أن أوضاعهم تحسنت.

وبشكل عام، يعتقد 64 في المئة من الناخبين المسجلين أن الاقتصاد الأمريكي يسير في الاتجاه الخاطئ، مقابل 25 في المئة يرون العكس.

كما أظهر الاستطلاع أن 55 في المئة من الناخبين المسجلين لا يوافقون على أداء ترامب الرئاسي، مقابل 36 في المئة يوافقون. وسجل الرئيس أدنى تقييماته في مجال مكافحة التضخم وغلاء المعيشة، حيث رفض 64 في المئة سياسته في هذا الملف، مقابل 21 في المئة أيدوها. وفي ملف الصراع الإيراني، حصل على 54 في المئة رفضاً و27 في المئة تأييداً.

أُجري الاستطلاع في الفترة من 7 إلى 10 أغسطس على عينة من 1913 ناخباً مسجلاً، بهامش خطأ 2.9 نقطة مئوية.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه النتائج تحمل دلالة خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر 2026، والتي سيعاد فيها انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب بأكمله، علماً أن كلا المجلسين يخضعان حالياً لسيطرة الجمهوريين.

* المدافعون عن الإمبراطورية

سلط موقع «Antiwar» الأمريكي يوم 13 أغسطس 2026 الضوء على تحول لافت في خطاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بات يمجد علناً فكرة «الإمبراطورية الأمريكية»، حيث إن إدارة ترامب أعادت تقديم مفاهيم مثل «إمبراطورية الحرية» وربطتها بتاريخ التوسع والغزو الأمريكي، في تناقض مع شعارات سابقة لترامب ترفض الحروب المفتوحة. وهذا يؤسس عملياً لسياسة تقوم على شرعنة التدخلات والتوسع واستخدام القوة بوصفها امتداداً لتاريخ الولايات المتحدة ودورها العالمي.

احتفلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بذكرى 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة بسلسلة من البيانات والتصريحات تحتفي بالإمبراطورية الأمريكية. وعلى الرغم من أن ترامب خاض حملته الانتخابية تحت شعار «ضد الحروب التي لا نهاية لها»، وقدم من البيت الأبيض بعد وصوله استراتيجية للأمن القومي ترفض «الهيمنة العالمية»، احتفلت إدارته بذكرى تأسيس الولايات المتحدة بتمجيد الإمبراطورية باعتبارها أحد أعظم الإنجازات، بينما أشاد مسؤولو الإدارة بأوقات في تاريخ الولايات المتحدة تبنى فيها القادة الأمريكيون مفهوم الإمبراطورية، مثل خطاب توماس جيفرسون وجون آدامز لترسيخ «إمبراطورية الحرية»، وتدخل ثيودور روزفلت الحربي للاستيلاء على بنما.

وفي الوقت الذي كان فيه الكثير من الناس في البلاد يفكرون في الحرية والمساواة التي أكدها جيفرسون في إعلان الاستقلال، قامت إدارة ترامب بتمجيد التاريخ الإمبراطوري للبلاد، ما يتيح له تبريراً لسياسة «الإمبراطورية أولاً». وقد قال ترامب في خطاب ألقاه من ساحة «ناشيونال مول» في الشهر الماضي: «لقد روضنا البرية وغزونا الحدود، وبنينا إمبراطورية الحرية».

* الدفاع الإمبراطوري

في العقود الأخيرة، دافع العديد من المفكرين عن فكرة الإمبراطورية الأمريكية، خلافاً للتعميم المنكر وجودها، ويرى أن الولايات المتحدة ليست إمبراطورية، فقد وصفوها بأنها كذلك، ودعوها إلى تأدية دور إمبراطوري في العالم.

لقد اكتسب أنصار الإمبراطورية زخماً خلال السنوات التي سبقت أحداث 11 أيلول/سبتمبر والتي تلتها، وأنتجوا سيلاً من الأعمال التي دفعت بالنقاش حول مفهوم الإمبراطورية إلى صلب الخطاب السياسي الأمريكي. وقد عزز الكاتب ماكس بوت هذا الزخم بمقالات مثل «قضية الإمبراطورية الأمريكية» و«لا داعي للتهرب من تسمية الإمبريالية الأمريكية»، ثم إنجاز الكاتب نيال فيرغسون البارز في تبرير الإمبراطورية، حيث قدم دفاعاً مطولاً عن الإمبراطورية الأمريكية في كتابه «كولوسوس».

قال فيرغسون في عام 2003: «دعوني أقدم لكم الاستنتاج المباشر الآتي: الولايات المتحدة إمبراطورية، ولقد كانت كذلك لفترة طويلة، ويجب أن تكون إمبراطورية». كذلك، تحدث العديد من الاستراتيجيين والدبلوماسيين أيضاً من مؤيدي فكرة الإمبراطورية، وإن كان ذلك في الغالب من خلال مواقف غير رسمية. وقبل انضمامه إلى إدارة بوش كأول مدير لتخطيط السياسات، دافع ريتشارد هاس عن فكرة «أمريكا الإمبريالية»، وعلى منواله، قبل أن يصبح سفيراً لدى حلف «الناتو» في إدارة أوباما، أصر إيفو دالدر على أن الولايات المتحدة إمبراطورية.

ربما كان أقرب ما وصل إليه مسؤول رفيع المستوى لوصف الولايات المتحدة بالإمبراطورية هو ما حدث في عام 2004، عندما قال مستشار كبير لبوش لصحيفة «نيويورك تايمز»: «نحن إمبراطورية الآن». وقد تكهن العديد من المراقبين بأن هذا الكلام هو للمستشار كارل روف الحريص على عدم الدعوة علناً إلى الإمبراطورية، كما هي إدارة بوش التي كانت حريصة على إنكار وجود الإمبراطورية. وقد كرر الرئيس دائماً وقال: «ليست لدينا رغبة في الهيمنة، ولا طموحات إمبراطورية، وهدفنا هو سلام ديمقراطي، قائم على كرامة وحقوق كل رجل وامرأة».

* أحدث تحول إمبراطوري

رغم أن المدافعين عن فكرة الإمبراطورية الأمريكية صمتوا مع تحول العمليات العسكرية لإدارة بوش إلى حروب لا نهاية لها ولا تحظى بشعبية، فإن إدارة ترامب تعيد الآن الخطاب الإمبريالي إلى صلب الخطاب السياسي الأمريكي. وبعد أن أمضت معظم فترة حكمها الأولى تدعو إلى ضم أراض ودول أخرى، تتحدث الآن علناً عن الإمبراطورية، وهو أمر تجنبته الإدارات السابقة.

كما شهدت البلاد محطة تحول رئيسية خلال احتفالاتها بذكرى 250 عاماً على تأسيسها. فبدلاً من الاكتفاء بإلقاء عبارات عامة تمجد الحرية والديمقراطية، كما فعل العديد من القادة الأمريكيين، أضافت إدارة ترامب بعداً آخر من خلال تمجيد الإمبراطورية علناً. وخلال زيارته لمكتبة ثيودور روزفلت الرئاسية في الشهر الماضي، أشاد ترامب بشكل متكرر بتاريخ البلاد الإمبراطوري، وأثنى على روزفلت لدوره في الاستيلاء على المستعمرات من إسبانيا خلال حرب 1898.

قال ترامب: «لقد حصلنا عليها كلها»، مشيراً إلى غوام وبورتوريكو الواقعة تحت الاستعمار الأمريكي حتى اليوم. كما أشار إلى كوبا، وهي دولة يريد ضمها إلى الولايات المتحدة، وقال: «بعد عقود طويلة، ها هي مقبلة إلينا». كما أشاد ترامب بروزفلت لاتخاذه إجراء للاستيلاء على بنما، التي كانت جزءاً من كولومبيا، وأشار إلى أن ضم منطقة قناة بنما قد يكون أعظم إنجازات الرئيس السابق.

قال ترامب إن روزفلت جعل الولايات المتحدة «إحدى أعظم الإمبراطوريات»، مؤكداً هذه المسألة في خطاب وبيان نشرا على موقع البيت الأبيض الإلكتروني. وبعد عودته إلى واشنطن، ألقى ترامب خطاباً مهماً احتفى فيه علناً بالإمبراطورية الأمريكية، وأشاد بغزو القارة، وأعلن أن الولايات المتحدة هي «إمبراطورية الحرية». ورغم أن العديد من المعلقين استخفوا بتصريحات الرئيس، ووصفتها مجلة «رولينغ ستون» بأنها «غريبة»، إلا أن ترامب لم يكن الوحيد الذي تفاخر بالإمبراطورية، فقد أدلى مسؤول في وزارة الحرب هو إلبريدج كولبي بتصريحات مماثلة تباهى فيها بأن الولايات المتحدة إمبراطورية.

وقال كولبي في مؤتمر لوزارة الدفاع في الشهر الماضي: «نحن بالفعل، كما قال مؤسسونا، إمبراطورية حرية خاصة بنا، وأقول هذا بفخر بالطبع، وليس بغرور». كذلك، سعى كولبي من خلال تصريحاته إلى إعادة صياغة بعض تعليقات الرئيس، وقدم سياقاً لمفهوم «إمبراطورية الحرية»، وربطه بأصول البلاد، عندما استخدم مؤسسوها، مثل توماس جيفرسون وجون آدامز، هذا المصطلح.

إضافة إلى ذلك، حاول كولبي فصل الإمبراطورية الأمريكية عن الإمبريالية. فبينما مجد ترامب الغزو والتوسع الأمريكي، أصر كولبي على أننا «لسنا بحاجة إلى ممتلكات أو تبعيات إمبريالية». فلطالما اتسمت الإمبراطورية الأمريكية، منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، بالسيطرة على أراضي وممتلكات الغير. ومن خلال استحضار مفهوم إمبراطورية الحرية، استغل كل من ترامب وكولبي فكرة الإمبراطورية التي تقوم على الغزو والتوسع.

حين تخيل مؤسسو البلاد الولايات المتحدة كإمبراطورية للحرية، كانوا يفكرون في المستوطنين البيض الذين ينتقلون إلى أراض جديدة، ويهجرون السكان الأصليين، ويستولون على ممتلكاتهم، وينشئون ولايات جديدة للانضمام إلى الولايات المتحدة. ربما ادعى المؤسسون أن التوسع سيوفر الحرية للمستوطنين البيض، لكنهم كانوا يدركون أيضاً أنه سيعني تجريد السكان الأصليين من أراضيهم واستئصالهم.

لقد كتب الرئيس جيفرسون آنذاك: «إذا اضطررنا يوماً إلى رفع الفأس ضد أي قبيلة، فلن نضعها حتى تتم إبادة تلك القبيلة أو طردها إلى ما وراء نهر المسيسيبي. في الحرب سيقتل بعضنا، لكن سندمرهم جميعاً».

* أساس للإمبراطورية أولاً

ربما لم يكن تبرير الإمبراطورية الأمريكية موضوعاً رئيسياً لاحتفالات معظم الناس في ذكرى الاستقلال، لكن إدارة ترامب قدمت رؤيتها الخاصة في المناسبة، بدلاً من التمسك بالمبادئ الليبرالية لإعلان الاستقلال، بما في ذلك رمزيته القوية لمعارضة الإمبراطورية، وقد أشادت إدارة ترامب بالولايات المتحدة باعتبارها قوة إمبريالية، ومثلت إجراءات الإدارة تحولاً مهماً في السياسة الأمريكية الحديثة.

لقد كانت الإدارات السابقة تترك للمحللين والاستراتيجيين مهمة الترويج للإمبراطورية، بينما إدارة ترامب تقدم حججها الخاصة لذلك، وتمضي بخطاب حول الإمبراطورية يعزز القيم الإمبريالية. ومع تجاهل الرئيس للقانون الدولي وتهديده الدول بارتكاب جرائم حرب بحقها، ترسخ الإدارة ثقافة إمبريالية تفتخر بارتكاب القوات العسكرية الأمريكية عمليات قتل خارج نطاق القانون في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

«الجيش الأمريكي يقتل الناس ويتباهى بذلك»، هذا ما لاحظه السيناتور «الديمقراطي» تيم كين عن ولاية فرجينيا في الشهر الماضي، في حين يمتنع فيه قادة الكونغرس عن إدانة الإمبراطورية الأمريكية، لكن قد لا يكون بإمكانهم تجاهل هذه القضية لفترة أطول الآن، بعد أن بدأت إدارة ترامب تمجد الإمبراطورية كمثال يحتذى به ويستحق الثناء والاحتفاء بدلاً من تجنبه وإدانته.

في الواقع، تقدم إدارة ترامب تبريرها الخاص للإمبراطورية الأمريكية، مما يخلق أساساً لسياسة «الإمبراطورية أولاً»، حيث يرسخ الرئيس دوره القيادي.
 
عمر نجيب

omar_najib2003@yahoo.fr


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار