الطيب حمضي: خطر تحول الفيروس إلى جائحة عالمية يظل منخفضا رغم عناصر القلق
العلم: ليلى فاكر
في ظل حالة الاستنفار الصحي الدولي التي أثارها تفشي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية الهولندية «MV Hondius»، بعد تسجيل ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة والمشتبه بها بين الركاب، سارعت منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية في عدة دول إلى احتواء الوضع، مؤكدة أن الخطر على الصحة العامة العالمية لا يزال منخفضا، رغم أن السلالة المكتشفة هي «أنديز»، الوحيدة المعروفة بقدرتها المحدودة على الانتقال بين البشر. وقد وصلت السفينة، الأحد، إلى جزيرة تينيريفي الإسبانية وسط إجراءات إجلاء وعزل صحي مشددة، بينما تتواصل التحقيقات لتحديد مصدر العدوى، وما إذا كان الانتقال حدث عبر القوارض أو بين بعض الركاب على متن الرحلة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية ثبوت إصابة خمس حالات بالفيروس من بين ثماني حالات مشتبه بها على متن السفينة الهولندية، مسجلة بذلك ثلاث وفيات حتى الآن.
وأوضح المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن الفحوصات الطبية أكدت طبيعة الفيروس المكتشف، محذرا من إمكانية ظهور إصابات جديدة نظرا لأن فترة حضانة «فيروس الأنديز» المرصود قد تمتد إلى ستة أسابيع.
فيما عبرت السلطات المغربية بشكل قاطع عن رفضها منح إذن الهبوط لطائرة طبية خاصة كانت تقل مصابين بالفيروس قادمة من الرأس الأخضر. ورغم طلب الطائرة التوقف الفني بمطار مراكش المنارة للتزود بالوقود، إلا أن الصرامة الوقائية للمغرب حالت دون ذلك، ما اضطر الطاقم لإطلاق نداء استغاثة استجابت له السلطات الإسبانية بتأمين هبوطها.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن فيروس «هانتا» لا يرجح أن يتحول إلى الجائحة القادمة رغم بعض عناصر القلق المرتبطة بالسلالة التي تسببت في بؤرة العدوى المسجلة على متن سفينة سياحية، موضحا أن هذه السلالة تعد الوحيدة من بين 38 سلالة معروفة القادرة على الانتقال بين البشر عبر الرذاذ التنفسي.
وقال حمضي، في تصريح لـ«العلم»، إن العوامل المطمئنة تظل هي الغالبة، إذ إن خطر حدوث جائحة عالمية يبقى منخفضا للغاية، بالنظر إلى أن انتقال الفيروس بين البشر يظل هامشيا جدا مقارنة بانتقاله الحيواني المنشأ من القوارض إلى الإنسان. مشيرا إلى أن انتقال العدوى بين الأشخاص يتطلب اتصالا وثيقا ومطولا، كما يحدث في الرحلات البحرية بسبب ضيق المساحات المشتركة واعتماد نظام تهوية موحد.
وأفاد بأن السلطات الصحية اتخذت جميع التدابير اللازمة على متن السفينة، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بإجلاء بعض الركاب، لافتا إلى أن التحقيقات الوبائية ما تزال جارية لتحديد ما إذا كانت العدوى انتقلت بين الأشخاص على متن السفينة أم أن الأمر مرتبط ببؤرة بيئية ناتجة عن وجود قوارض في مخازن السفينة.
وأوضح أن فيروس «هانتا» ينتمي إلى فصيلة Hantaviridae، ويعتبر القوارض، خاصة الفئران والجرذان، خزانه الطبيعي الرئيسي، مضيفا أن العدوى تنتقل غالبا عبر استنشاق رذاذ ملوث بفضلات القوارض، أو من خلال التماس المباشر مع جروح الجلد، وفي حالات نادرة عبر العض.
وأكد حمضي أن انتقال الفيروس بين البشر يكاد يكون منعدما باستثناء سلالة «الأنديز»، وهي السلالة التي تم رصدها في هذه الرحلة البحرية، معتبرا أن هذا المعطى يثير القلق في نطاق هذه البؤرة المحددة، لكنه لا يشكل مؤشرا على خطر وبائي عالمي في الوقت الراهن، ما لم تحدث طفرات مستقبلية تزيد من قدرة الفيروس على الانتشار بين الأشخاص.
وأشار إلى أن الحالات المسجلة على متن السفينة بلغت سبع إصابات، بينها حالتان مؤكدتان وخمس حالات مشتبه بها، إضافة إلى ثلاث وفيات وحالة حرجة، فيما توجد ثلاث حالات أخرى في وضع صحي مستقر، موضحا أن مصدر الإصابتين الأوليين قد يكون إحدى محطات توقف السفينة، غير أن التحقيق لا يزال مستمرا.
وأضاف أن أعراض الإصابة تبدأ عادة بالحمى وآلام عضلية حادة، خاصة في الظهر والفخذين، إلى جانب التعب والصداع، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى ضيق تنفس حاد فيما يعرف بـ«متلازمة هانتا الرئوية»، أو إلى فشل كلوي حاد في حالات «الحمى النزفية».
كما صرح بأن معدل الإماتة قد يصل إلى 50 في المائة من إجمالي الإصابات، غير أن محدودية انتقال العدوى بين البشر تقلل من خطورة هذا المؤشر.
وأكد أنه لا يوجد حاليا أي لقاح مرخص عالميا ضد فيروس «هانتا»، كما لا يتوفر علاج مضاد خاص بالفيروس، حيث يعتمد التكفل الطبي أساسا على دعم وظائف الرئة والكلى داخل أقسام العناية المركزة.
وفي ما يتعلق بالوقاية، أفاد حمضي بضرورة تجنب كنس فضلات القوارض وهي جافة لتفادي تطاير الفيروس في الهواء، مع اعتماد التنظيف الرطب باستخدام المطهرات السائلة مثل الكلور، وتهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها، إضافة إلى استعمال القفازات ووسائل الوقاية المناسبة.
وبخصوص المغرب، أكد أن المنظومة الصحية الوطنية تتوفر على نظام يقظة ورصد وبائي، إلى جانب مختبرات مرجعية قادرة على تشخيص الحالات الوافدة والتعامل معها، مشيرا إلى أن المعطيات التاريخية تفيد بأن أوصاف أمراض مشابهة لفيروس «هانتا» تعود إلى سنة 1000 ميلادية، بينما تم عزل الفيروس لأول مرة سنة 1976 بمنطقة نهر «هانتان» في كوريا الجنوبية، وهو الاسم الذي اشتق منه اسم الفيروس.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن التغيرات المناخية وتدمير النظم البيئية يؤثران بشكل مباشر على مواطن عيش القوارض، ما قد يزيد من فرص ظهور حالات جديدة مستقبلا.
رئيسية 








الرئيسية




