Quantcast
2026 أبريل 13 - تم تعديله في [التاريخ]

قانون يُكتب بلغة عالمية ويُطبَّق بلهجة انتقائية: القوى العظمى وتأثيراتها على تطبيق القانون الدولي


قانون يُكتب بلغة عالمية ويُطبَّق بلهجة انتقائية: القوى العظمى وتأثيراتها على تطبيق القانون الدولي
*العلم الإلكترونية: د. أسماء لمسردي*

في عالم يفترض أن تحكمه قواعد القانون الدولي، تبدو الصورة أقرب إلى مسرح عبثي تدار فيه العدالة بميزان مختل، تمسك به القوى العظمى وفق مصالحها لا وفق المبادئ التي تدعي حمايتها. إن الحديث عن "إلزامية" القانون الدولي يصبح، في هذا السياق، أقرب إلى نكتة ثقيلة، حين نرى كيف يطبق بصرامة على الضعفاء، بينما يعلق أو يعاد تفسيره عندما يتعلق الأمر بالأقوياء.

القانون الدولي، نظريا، منظومة ملزمة تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول، وضمان السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان. لكن عمليا، هو نص قابل للتأويل الانتقائي. القوى العظمى لا تتعامل معه كمرجعية ثابتة، بل كأداة مرنة تستخدم حين تخدم مصالحها، وتهمل حين تعيقها. وهنا يكمن جوهر الإشكال: ليس في القانون ذاته، بل في من يملك سلطة تفسيره وتنفيذه.

لننظر إلى نماذج من الواقع. حين تنتهك دولة ضعيفة قواعد القانون الدولي، تسارع المؤسسات الدولية إلى الإدانة، وتفرض العقوبات، وتفعل آليات المساءلة. أما حين تقوم قوة عظمى أو حليف استراتيجي لها بالانتهاك ذاته، فإن الخطاب يتغير: تستخدم عبارات فضفاضة مثل "القلق العميق" و"الدعوة إلى ضبط النفس"، وكأن القانون تحول فجأة إلى نص أخلاقي غير ملزم.

هذا التناقض يكشف بوضوح أن تطبيق القانون الدولي ليس مسألة قانونية بحتة، بل قرار سياسي بامتياز. مجلس الأمن، الذي يفترض أن يكون الحارس الأعلى لهذا القانون، يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع مصالح، حيث تستخدم حق النقض (الفيتو) لتعطيل أي قرار لا يتماشى مع أجندات القوى الكبرى. وهكذا، يصبح القانون رهينة لإرادة خمس دول، لا لضمير المجتمع الدولي.

في هذا السياق، تبرز حرب الشرق الأوسط، وبشكل خاص ما تتعرض له فلسطين، كنموذج صارخ لهذا الخلل البنيوي. الانتهاكات المتكررة، من استهداف المدنيين إلى الحصار والتوسع الاستيطاني، توثق وتدان في تقارير دولية لا تحصى. ومع ذلك، تبقى المساءلة غائبة، والقرارات الدولية إما معطلة أو غير منفذة. إلى جانب ذلك، يستخدم الإعدام غير المشروع أداة لزرع الخوف السياسي والقمع، في حين تبرر الانتهاكات بالضرورات الأمنية أو مبررات "الردع"، ما يظهر فجوة صارخة بين القانون المكتوب وبين ما يتم تنفيذه فعليا على الأرض. لماذا؟ لأن الفاعل محمي سياسيا من قبل قوى عظمى ترى في دعمه مصلحة استراتيجية، حتى وإن كان ذلك على حساب القانون الدولي نفسه.

ولا يتوقف الأمر عند فلسطين؛ فالشرق الأوسط برمته يعكس فوضى قانونية مستمرة، تتجسد في العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وردود الفعل العسكرية الإيرانية غير المبررة ولا المشروعة على دول الخليج، بالإضافة إلى التوترات والصراعات المستمرة في سوريا واليمن والعراق. هذه الأفعال، التي تؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين، تجرى تحت شعارات حماية الأمن الإقليمي أو مكافحة الإرهاب، بينما القانون الدولي، بما في ذلك قواعد الحرب وحقوق الإنسان، ينتقى ويطبق وفق ما يخدم مصالح القوى الكبرى، لا وفق العدالة أو مبدأ حماية المدنيين.

هذا الوضع لا يمر دون تداعيات. سياسيا، يؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسات الدولية، ويضعف الثقة في النظام العالمي. الدول الصغيرة تفقد الإيمان بجدوى الالتزام بالقانون، عندما ترى أن الالتزام لا يحميها، وأن الانتهاك قد يكون أكثر "فعالية" في تحقيق المصالح. اقتصاديا، تخلق هذه الازدواجية بيئة غير مستقرة، حيث تفرض العقوبات بشكل انتقائي، وتستخدم كأداة ضغط سياسي، لا كوسيلة لتحقيق العدالة. أما على مستوى العلاقات الدولية، فإنها تغذي مشاعر الغضب وعدم الثقة، وتعمق الانقسامات بين الدول.

الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يعيد تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي. لم تعد القوة فقط في الاقتصاد أو الجيش، بل في القدرة على الإفلات من العقاب. وهنا، يتحول القانون الدولي من أداة لضبط السلوك إلى غطاء يستخدم لتبرير انتهاكه.

إن الاستهجان لا يكفي لوصف هذا الواقع؛ نحن أمام مفارقة فاضحة: قانون يكتب بلغة عالمية، ويطبق بلهجة انتقائية. ما لم تفكك هذه الهيمنة، ويعاد الاعتبار لمبدأ المساواة بين الدول أمام القانون، فإن الحديث عن نظام دولي قائم على القواعد سيبقى مجرد شعار جميل، يخفي وراءه منظومة تدار بمنطق القوة لا بمنطق العدالة.

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار