Quantcast
2026 يوليو 26 - تم تعديله في [التاريخ]

مؤسسة وسيط المملكة.. محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها


مع الوسيط فتحت أبواب الإنصاف

مؤسسة وسيط المملكة.. محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها
*العلم الإلكترونية:  بوشعيب حمراوي*

اختارت سياسة القرب والانفتاح بإحداث تمثيليات جهوية، سعيا منها لإقناع الإدارات بأن التجاوب معها هو واجب إداريً فحسب، كما هو واجب وطني وأخلاقي

ليست قوة الدول الحديثة في كثرة قوانينها، ولا في عدد محاكمها، ولا في حجم إداراتها، بل في قدرتها على حماية المواطن من أي تعسف أو تقصير قد يصدر عن الإدارة نفسها. فالإدارة، مهما بلغت كفاءتها، تظل عملاً بشرياً قد يصيب وقد يخطئ، وقد يلتزم بالقانون وقد يبتعد عنه، ولذلك كان لا بد من وجود مؤسسة مستقلة تعيد التوازن إلى العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وتنتصر للحق دون خصومة، وللقانون دون تحيز.
ومن هنا جاءت مؤسسة وسيط المملكة، التي أصبحت اليوم واحدة من أبرز مؤسسات الحكامة بالمغرب، ليس لأنها تنبه إلى الاختلالات والتجاوزات الإدارية، وإنما لأنها تدافع عن حق المواطن في إدارة عادلة، منصفة، ومتجاوبة. 

من ديوان المظالم إلى مؤسسة دستورية مستقلة

لم يكن إحداث ديوان المظالم سنة 2001 مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى المشهد الإداري، بل كان بداية تحول عميق في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن، ورسالة واضحة مفادها أن الإدارة ليست فوق المساءلة، وأن للمواطن الحق في أن يجد من ينصت إليه عندما يشعر بأن حقه ضاع أو أن الإدارة لم تؤد واجبها كما ينبغي.

ثم جاء دستور سنة 2011 ليمنح هذه المؤسسة نفساً جديداً ومكانة دستورية متقدمة، فتحول ديوان المظالم إلى مؤسسة وسيط المملكة، بصلاحيات أوسع، واختصاصات أشمل، واستقلالية أكبر، لتصبح إحدى ركائز الحكامة الجيدة، وحلقة وصل بين الإدارة والمرتفق، ومؤسسة تسعى إلى إصلاح الاختلالات قبل أن تتحول إلى نزاعات قضائيةز

ليست ضد الإدارة... وليست مع المواطن... بل مع الحق

يخطئ من يعتقد أن مؤسسة وسيط المملكة تقف ضد الإدارة، كما يخطئ من يظن أنها تمنح الحق تلقائياً لكل من يشتكي.
إن قوة هذه المؤسسة تكمن في حيادها واستقلاليتها. فهي لا تدافع عن الإدارة لأنها إدارة، ولا تنحاز إلى المواطن لأنه مواطن، وإنما تنحاز إلى القانون والإنصاف. فإذا كان الحق مع الإدارة دعمت موقفها، وإذا كان الحق مع المواطن ترافعَت من أجل إنصافه، ولذلك اكتسبت احترام الطرفين معاً.
وهذا الحياد هو الذي منحها مصداقيتها، وجعلها تكسب ثقة المغاربة سنة بعد أخرى.

محامي المواطن... عندما تُخل الإدارة بواجباتها

قد لا تكون مؤسسة وسيط المملكة مكتباً للمحاماة بالمعنى القانوني، لكنها أصبحت، في نظر آلاف المواطنين، أقرب إلى محاميهم عندما تتأخر الإدارة في الرد، أو تمتنع عن تنفيذ حكم قضائي، أو تعطل ملفاً إدارياً، أو تسيء تطبيق القانون، أو تخل بواجباتها تجاه المرتفقين.
إنها لا تترافع أمام المحاكم، بل تترافع أمام الضمير الإداري، وأمام القانون، وأمام مبادئ الحكامة الجيدة، من أجل إعادة الحقوق إلى أصحابها، وتصحيح الاختلالات، وتقريب وجهات النظر، وإعادة الثقة بين المواطن والإدارة.

مؤسسة خرجت من المكاتب إلى المواطنين

من أبرز مظاهر التطور الذي عرفته المؤسسة أنها لم تعد تكتفي باستقبال الشكايات داخل مقرها المركزي، بل اختارت سياسة القرب والانفتاح.
فأنشأت تمثيليات جهوية، ونظمت جولات ميدانية بمختلف العمالات والأقاليم، واستقبلت المواطنين في أماكن إقامتهم، ونظمت لقاءات تواصلية مع المنتخبين والإدارات، كما انفتحت على الجامعات والكليات والمعاهد العليا، ودور الشباب، والفضاءات الثقافية، وجمعيات المجتمع المدني، لنشر ثقافة الوساطة الإدارية، والتعريف بحقوق المرتفقين وواجبات الإدارة.
وهذا الانفتاح الميداني جعل المؤسسة أكثر قرباً من المواطن، وأكثر قدرة على فهم مشاكله، وأكثر حضوراً داخل المجتمع.

الثقة لا تُمنح... بل تُبنى

إن الارتفاع المتواصل في عدد المواطنين الذين يلجؤون إلى مؤسسة وسيط المملكة ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو دليل على أن المؤسسة استطاعت أن تبني جسوراً من الثقة مع المجتمع، بفضل استقلاليتها، وحيادها، وجدية تدخلاتها، ومصداقية توصياتها. ويؤكد التقرير السنوي لسنة 2025 هذا المنحى من خلال استمرار تزايد الإقبال على المؤسسة وتحسن وتيرة معالجة الملفات، مع إبراز التحديات المرتبطة بتجاوب بعض الإدارات مع مراسلاتها وتوصياتها.
 
عناية ملكية تؤكد المكانة الوطنية للمؤسسة

ولعل أكبر دليل على المكانة التي أصبحت تحتلها الوساطة المرفقية في المغرب، هو العناية الملكية المتواصلة بهذا الورش، بدءاً من إحداث ديوان المظالم، مروراً بإحداث مؤسسة وسيط المملكة، وصولاً إلى اعتماد 9 دجنبر يوماً وطنياً للوساطة المرفقية.
وهذا القرار ليس مجرد إضافة تاريخ إلى الروزنامة الوطنية، بل هو رسالة قوية تؤكد أن الإنصاف الإداري أصبح خياراً استراتيجياً للدولة، وأن الوساطة لم تعد إجراءً إدارياً، بل ثقافة مؤسساتية ينبغي أن تسود داخل جميع المرافق العمومية.

الإدارة... مطالبة بمواكبة تطور مؤسسة الوسيط

إذا كانت مؤسسة وسيط المملكة قد استطاعت أن تطور أساليب عملها، وأن تنفتح على المواطنين، وأن تكسب ثقتهم، فإن بعض الإدارات لا تزال مطالبة ببذل مجهود أكبر في التفاعل مع مراسلات المؤسسة، والالتزام بالآجال المعقولة للرد، وتنفيذ التوصيات التي تروم إنصاف المواطنين وتحسين أداء المرفق العمومي.
فنجاح مؤسسة الوسيط لا يقاس بعدد الشكايات التي تتوصل بها، وإنما بمدى تجاوب الإدارات مع رسالتها الإصلاحية.

الإنصاف هو الوجه الحقيقي للدولة

إن مؤسسة وسيط المملكة ليست خصماً للإدارة، بل شريكاً في إصلاحها، وليست بديلاً عن القضاء، بل جسراً للحلول قبل حتى الوصول إليه. وهي، في جوهرها، تعبير عن إرادة دولة اختارت أن تجعل المواطن في صلب اهتمامها، وأن تؤمن بأن الإدارة لا تكتسب هيبتها بالسلطة وحدها، بل بعدالتها، وسرعة تجاوبها، واحترامها لحقوق المرتفقين.

ولذلك، فإن مستقبل هذه المؤسسة لن يصنعه عدد التقارير التي تنشرها، ولا عدد الملفات التي تعالجها، بل سيصنعه اليوم الذي تصبح فيه كل إدارة مغربية مقتنعة بأن التجاوب مع مؤسسة وسيط المملكة ليس واجباً إدارياً فحسب، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن الدولة التي تحمي حق مواطنيها في مواجهة الإدارة، هي الدولة التي ترسخ الثقة في مؤسساتها، وتبني دولة الحق والقانون على أسس راسخة.

إكراهات تحد من فعالية المؤسسة

ورغم المكانة الدستورية التي أصبحت تحتلها مؤسسة وسيط المملكة، وما راكمته من مصداقية وثقة لدى المواطنين، فإنها ما تزال تواجه عدداً من الإكراهات التي تحد من تحقيق أهدافها بالسرعة والفعالية المطلوبة. وفي مقدمة هذه الإكراهات استمرار بعض الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في التأخر، بل أحياناً في التماطل، في الرد على مراسلات المؤسسة أو التفاعل مع توصياتها، رغم أن الغاية من الوساطة ليست معاقبة الإدارة، وإنما مساعدتها على تصحيح أخطائها وإنصاف المرتفقين.
ويزداد هذا الوضع تعقيداً عندما تمتد آجال الرد إلى أشهر طويلة، في حين يفترض أن يتم الحسم في هذه الملفات داخل آجال معقولة لا تتجاوز شهرين، حتى لا يتحول تأخير الإدارة إلى معاناة إضافية للمواطن. كما أن بعض التوصيات، رغم وجاهتها القانونية والإدارية، تظل معلقة بسبب بطء التنفيذ أو ضعف التجاوب، وهو ما يؤثر في نجاعة الوساطة ويؤخر إعادة الحقوق إلى أصحابها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط في تطوير أداء مؤسسة الوسيط، بل في ترسيخ ثقافة التعاون والتفاعل المسؤول داخل مختلف الإدارات، حتى تصبح توصيات المؤسسة جزءاً من دينامية إصلاح الإدارة، لا مجرد مراسلات تنتظر الرد أو الحفظ في الرفوف.

مؤسسة وسيط المملكة.. محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار