Quantcast
2026 أغسطس 14 - تم تعديله في [التاريخ]

متى يُسمح بتكريم موتى المسلمين بمدينة المونديال؟

مقبرة قديمة أُغلقت بدعوى الامتلاء لكنها تُفتح استثنائيا أمام البعض.. ومقبرة جديدة بلا طريق تجعل مواكب الجنائز تعبر الحفر والغبار صيفاً والوحل شتاءً..



*بقلم: بوشعيب حمراوي*

من حق بنسليمان أن تحلم بالمونديال، ومن حقها أن تنتظر ملعباً عملاقاً ومشاريع كبرى وطرقا وتجهيزات تليق بمدينة يراد لها أن تصبح إحدى الواجهات الرياضية والعمرانية للمغرب، لكن من حق أهلها أيضاً أن يطرحوا سؤالاً بسيطاً ومؤلماً: متى يصبح تكريم موتى المسلمين جزءاً من هذا الحلم التنموي؟ ومتى يدرك المسؤولون أن الطريق إلى المقبرة لا تقل أهمية إنسانية عن الطرق المؤدية إلى الملاعب والمشاريع الكبرى؟

بمحيط ضريح الولي الصالح سيدي امحمد بنسليمان توجد المقبرة القديمة التي احتضنت على مدى عقود موتى المدينة وعائلاتها، قبل أن يتم إغلاقها في وجه العموم بدعوى امتلائها وعدم قدرتها على استقبال قبور جديدة، وهو تعليل يمكن تفهمه إذا كان القرار عاماً ونهائياً ويسري على الجميع دون استثناء.

لكن ما يثير استغراب عدد من السكان هو الحديث المتكرر عن استمرار عمليات دفن استثنائية داخل هذه المقبرة لفائدة أشخاص بعينهم، رغم أنها مغلقة رسمياً أمام باقي المواطنين. وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل امتلاء المقبرة مسألة جغرافية وتقنية أم قرار يتغير بحسب اسم المتوفى ومكانة أسرته وعلاقاتها؟

فالموت، الذي يسوي في النهاية بين الغني والفقير والمسؤول والمواطن البسيط، لا ينبغي أن تتحول مقبرته إلى فضاء للاستثناءات والامتيازات، ولا أن يشعر أهل متوفى بسيط بأن مكان دفن قريبهم تحدده اعتبارات لا علاقة لها بالقواعد المعلنة.

أما المقبرة الجديدة، التي يفترض أنها جاءت حلاً لمشكل امتلاء المقبرة القديمة، فقد ولدت بدورها بمشكل لا يقل إيلاماً: غياب طريق لائق يؤدي إليها.

وهكذا تتحول جنازة المسلم، في لحظات يفترض أن يسودها الخشوع والسكينة واحترام مشاعر الأسرة المكلومة، إلى رحلة شاقة عبر مسالك تعاني الحفر والغبار في فصل الصيف، ويتحول جزء منها إلى أوحال ومعاناة خلال فصل الشتاء، بينما تتعذب السيارات ويجد المشيعون، ومن بينهم الشيوخ والنساء وكبار السن، أنفسهم أمام مسار لا يليق لا بحرمة الموت ولا بكرامة الأحياء الذين يرافقون موتاهم إلى مثواهم الأخير.

والسؤال هنا ليس عن مشروع بمئات الملايين ولا عن تجهيز معقد يحتاج سنوات من الدراسات والصفقات، بل عن طريق سالكة ومحترمة إلى مقبرة المسلمين، وعن تهيئة محيطها بما يضمن وصول سيارات الإسعاف ونقل الجنائز والمشيعين في ظروف تحفظ كرامتهم.

إن مدينة تستعد لاستقبال العالم مطالبة قبل ذلك بأن تحترم سكانها، أحياءً وأمواتاً.

فلا يستقيم أن نتحدث عن مدينة المونديال، وعن منشآت رياضية ضخمة وطرق ومحاور ومشاريع استثمارية، ثم يظل أهل بنسليمان يحملون موتاهم عبر الحفر والتراب والوحل للوصول إلى المقبرة.

ولا يستقيم أن تكون هناك مقبرة أغلقت في وجه عامة المواطنين لأنها «ممتلئة»، ثم تثار بين الحين والآخر أسئلة حول استثناءات تسمح بدفن أشخاص دون غيرهم داخلها، من دون توضيح رسمي للمعايير التي تبرر ذلك.

ولهذا فإن المطلوب من السلطات والجماعة والجهات المعنية واضح: توضيح وضعية المقبرة القديمة ومعايير أي دفن استثنائي يتم داخلها، وتهيئة الطريق المؤدية إلى المقبرة الجديدة ومحيطها وتجهيزها بما يليق بحرمة المسلمين وكرامة أسرهم.

فالمدينة لا تقاس فقط بحجم ملاعبها وعرض شوارعها وجمال حدائقها . و إنما كذلك بالطريقة التي تعالج بها أبسط حقوق سكانها وأكثرها إنسانية. علما ان المدينة تعاني أساسا من ضعف بنيتها التحتية وتدهور حدائقها وغياب اسواق حضرية. وإهمال لتجارها وباعتها الجائلين. 

نريد المونديال في بنسليمان، ونريد التنمية والاستثمار والطرق والمنشآت الكبرى، لكننا نريد أيضاً طريقاً لتنمية المدينة والاهتمام بمواردها البشرية وساكنتها . وحفظ كرامة آخر رحلة يقوم بها المواطن فوق أرض مدينته. 

أكرموا موتانا قبل أن تستقبلوا ضيوف العالم.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار