خارطة تبدأ من غزة لكنها تضع القضية الفلسطينية كلها أمام لحظة سياسية قد تكون مختلفة عما سبق
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
ليس من السهل، بعد عقود طويلة من الحروب والانتفاضات والمفاوضات والاتفاقيات والمبادرات والوساطات والقرارات الأممية التي ولدت كبيرة ثم تقلصت على أرض الواقع، أن يندفع المرء إلى التفاؤل كلما ظهرت مبادرة جديدة تتحدث عن السلام الفلسطيني الإسرائيلي، ولا أن يعتبر كل وثيقة دولية تحمل كلمات من قبيل الانسحاب وتقرير المصير والدولة الفلسطينية إعلانًا مبكرًا عن نهاية واحدة من أطول القضايا السياسية والإنسانية تعقيدًا في التاريخ المعاصر، لكن خارطة الطريق ذات البنود الخمسة عشر التي أعلن عنها مجلس السلام تستحق، رغم كل هذا الحذر المشروع، أن تقرأ بجدية وبعين سياسية تتجاوز العناوين المباشرة التي اختزلتها في ملف سلاح حركة حماس، لأنها تطرح في حقيقة الأمر تصورًا أوسع بكثير يتعلق بمستقبل قطاع غزة، وبشكل السلطة الفلسطينية التي ستديره، وبمصير السلاح والفصائل والأجهزة الأمنية، وبالوجود العسكري الإسرائيلي، وبالقوة الدولية التي يفترض أن تواكب المرحلة الانتقالية، وبإعادة إعمار القطاع، ثم، وهذا هو الأهم، بالأفق الذي ينبغي أن تنتهي إليه العملية برمتها والمتمثل في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من وقف إطلاق النار، وأكبر من حماس وإسرائيل، وأكبر حتى من قطاع غزة نفسه، لأن ما ينبغي أن يشغل الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي ليس فقط معرفة ما إذا كانت هذه الخارطة ستنجح في إنهاء الحرب الحالية، وإنما معرفة ما إذا كان مجلس السلام قادرًا على الانتقال من إدارة نتائج الحروب المتكررة إلى معالجة أسبابها السياسية والتاريخية، وهل يستطيع تحويل غزة من ساحة تتكرر فيها المآسي كل بضع سنوات إلى بوابة تفتح الطريق أمام حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية، أم أننا سنكون مرة أخرى أمام هدنة طويلة نسبيًا، يعاد خلالها ترتيب المواقع وترميم ما دمرته الحرب، قبل أن تنفجر جولة جديدة لأن جذور النزاع ظلت كما كانت.
خمسة عشر بندًا لا تعالج وقف الحرب فقط... بل تحاول رسم هندسة سياسية وأمنية جديدة لغزة ما بعد الحرب
من الخطأ قراءة البنود الخمسة عشر باعتبارها مجموعة إجراءات منفصلة، لأن أهميتها الحقيقية توجد في العلاقة التي تربط بينها، حيث نجد وقف العمليات العسكرية مرتبطًا بجدول للتنفيذ، ونجد إنهاء الإدارة المباشرة للفصائل مرتبطًا بتولي لجنة وطنية فلسطينية إدارة القطاع، ونجد إعادة تنظيم الشرطة مرتبطة بمبدأ توحيد السلطة والسلاح، ونجد معالجة السلاح الثقيل والمنشآت العسكرية والأنفاق مرتبطة بانتشار قوة دولية وبمراحل من الانسحاب الإسرائيلي، ثم نجد كل ذلك موضوعًا داخل إطار أوسع يشمل منع التهجير وإعادة الإعمار والسلم الأهلي وفتح أفق سياسي يقود إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، بما يجعلنا أمام محاولة لإعادة بناء النظام السياسي والأمني والإداري للقطاع أكثر مما نحن أمام مجرد اتفاق تقني لوقف إطلاق النار.
ولهذا فإن الخارطة تبدأ جغرافيًا من غزة، لكنها تفتح سياسيًا الباب على فلسطين كلها، وتبدأ من سؤال من يحمل السلاح داخل القطاع، لكنها تنتهي عند سؤال من يمتلك السيادة فوق الأرض الفلسطينية، وتبدأ من كيفية إنهاء حرب قائمة، لكنها تقترب في نهايتها من سؤال أكثر عمقًا يتعلق بكيفية منع الحرب المقبلة، وهو ما يجعل نجاحها أو فشلها مرتبطًا أساسًا بقدرة مجلس السلام والضامنين على التعامل مع البنود الخمسة عشر باعتبارها وحدة متكاملة لا يجوز تنفيذ الجزء الأمني منها وترك الجزء السياسي رهينة مستقبل غير محدد.
سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد ... هل نحن أمام نزع سلاح الفصائل أم أمام أولى لبنات الدولة الفلسطينية؟
ربما تكون عبارة «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد» أكثر العبارات كثافة من الناحية السياسية داخل الخارطة، لأنها تختصر نموذج الدولة الحديثة التي لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد مراكز القرار العسكري والأمني، ولا يمكن أن تستقر إذا كان لكل تنظيم جهاز أمني وسلاح وقرار مستقل بشأن الحرب والسلم، ولذلك فإن الانتقال من سلاح الفصائل إلى سلاح المؤسسة يمكن، من حيث المبدأ، أن يكون خطوة طبيعية وضرورية إذا كان الهدف النهائي هو بناء دولة فلسطينية موحدة ذات مؤسسات شرعية تحتكر ممارسة السلطة وفق القانون.
لكن هذا المبدأ نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر قلق كبير إذا جرى قلب ترتيب الأولويات، بحيث يطلب من الفلسطينيين أولًا تفكيك البنية العسكرية للفصائل وتسليم القرار الأمني لسلطة جديدة، بينما تبقى قضايا الانسحاب الإسرائيلي والسيادة والحدود والدولة مؤجلة إلى مراحل لاحقة وغير مضمونة، لأن توحيد السلاح داخل دولة مستقلة شيء، ونزع عناصر القوة من شعب لا يزال ينتظر دولته شيء آخر تمامًا، ولهذا فإن المعيار الذي سيحدد المعنى الحقيقي لهذا البند هو معرفة ما إذا كانت عملية توحيد السلاح ستسير بالتوازي مع إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وبناء السيادة الفلسطينية، أم أنها ستتحول إلى شرط يسبق كل شيء بينما تظل الالتزامات المقابلة معلقة.
سلاح حماس والفصائل... الفرق كبير بين تسليم السلاح لإسرائيل وانتقاله إلى مؤسسة فلسطينية شرعية
من أهم التفاصيل التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل الكبير حول «نزع سلاح حماس» أن التصور المعلن لا يقوم، بحسب الخارطة، على تسليم السلاح الفلسطيني إلى إسرائيل، وإنما على إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة ووضعها ضمن ترتيبات للتخزين والسيطرة تنتهي بأن تصبح الجهة الفلسطينية المخولة هي صاحبة الاختصاص في السلاح والأمن، وهو فرق سياسي ورمزي عميق، لأن مشهد تسليم حركة مقاومة سلاحها إلى الجيش الإسرائيلي يمكن أن يقرأ باعتباره مشهد استسلام، بينما انتقال السلاح من الفصيل إلى المؤسسة الفلسطينية يمكن أن يقدم باعتباره جزءًا من عملية بناء الدولة وتوحيد القرار الوطني.
غير أن هذا الفرق الإيجابي في الصياغة لا يكفي وحده لضمان عدالة التنفيذ، لأن الفلسطينيين يحتاجون إلى ضمانات واضحة بأن الانتقال من سلاح الفصيل إلى سلاح المؤسسة لن يؤدي في النهاية إلى وجود سلطة فلسطينية مسؤولة عن الأمن الداخلي بينما تحتفظ إسرائيل بحرية التدخل العسكري متى شاءت، فاحتكار السلاح لا يكتسب معناه الكامل إلا عندما يقترن باحتكار السيادة أيضًا، ولا يمكن مطالبة مؤسسة فلسطينية بأن تتحمل مسؤولية أمن القطاع بينما تبقى الأرض أو الحدود أو الأجواء أو نقاط استراتيجية خاضعة لسيطرة عسكرية خارجية.
السلاح مقابل الانسحاب... المعادلة التي يمكن أن تصنع السلام أو تفجر الخارطة من داخلها
هنا نصل إلى ما أعتبره العقدة المركزية في الوثيقة كلها، وهي ضرورة الربط الصارم والمتزامن بين الخطوات الفلسطينية المتعلقة بالسلاح والأمن وبين الخطوات الإسرائيلية المتعلقة بالانسحاب، بحيث لا تتحول الخارطة إلى مسار أحادي الاتجاه ينفذ فيه الفلسطينيون التزامات لا يمكن التراجع عنها، بينما تحتفظ إسرائيل بحق تأجيل التزاماتها أو ربطها بتقديرات أمنية متغيرة، لأن تجارب الفلسطينيين مع المفاوضات السابقة تجعل أي صيغة قائمة على «نفذوا أنتم أولًا ثم نقرر نحن لاحقًا» وصفة جاهزة لانهيار الثقة والعودة إلى نقطة الصفر.
ولهذا ينبغي أن تكون كل خطوة فلسطينية مرتبطة بخطوة إسرائيلية واضحة ومحددة جغرافيًا وزمنيًا وقابلة للتحقق، بحيث يقابل إخراج جزء من السلاح الثقيل من الخدمة انسحاب محدد من منطقة معلومة، وتقابل إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية الفلسطينية عملية تقليص مقابلة للوجود العسكري الإسرائيلي، ولا يتم الانتقال إلى أي مرحلة جديدة إلا بعد تحقق لجنة دولية مستقلة من أن الطرفين نفذا ما عليهما، لأن السلام الحقيقي لا يصنعه حسن النيات وحده، وإنما تصنعه كذلك آليات دقيقة تمنع الطرف الأقوى عسكريًا من إعادة تفسير الاتفاق كلما تغيرت حساباته السياسية.
الانسحاب الإسرائيلي الكامل... هنا ستعرف فلسطين إن كانت أمام سلام حقيقي أم مجرد إعادة انتشار جديدة
مهما كانت أهمية البنود المتعلقة بالحكم والسلاح والأمن والإعمار، فإن البند الذي سيحدد في النهاية القيمة التاريخية للخارطة هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، لأن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى انتقال القوات الإسرائيلية من نقطة إلى أخرى داخل القطاع، ولا إلى تغيير مواقع انتشارها مع الاحتفاظ بمناطق عازلة واسعة أو ممرات استراتيجية أو قدرة دائمة على التدخل، وإنما يحتاجون إلى نهاية واضحة للوجود العسكري الذي يجعل أي حديث عن السيادة الفلسطينية ناقصًا مهما كانت قوة المؤسسات التي سيتم إنشاؤها.
ولهذا فإن كلمة «الكامل» ينبغي أن تكون موضع التدقيق أكثر من كلمة «الانسحاب» نفسها، لأن التاريخ السياسي للنزاع عرف مرارًا عمليات إعادة انتشار قدمت باعتبارها انسحابات، ثم تبين أن أشكال السيطرة تغيرت دون أن تختفي، وإذا أراد مجلس السلام أن يثبت أن خارطته تختلف عما سبقها، فعليه أن يجعل نهاية المسار واضحة بحيث يعرف الفلسطيني والإسرائيلي والمجتمع الدولي متى وأين وكيف تنتهي السيطرة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة... جسر نحو المؤسسات المنتخبة أم إدارة انتقالية قد تتحول إلى واقع دائم؟
إن نقل إدارة قطاع غزة إلى لجنة وطنية فلسطينية مستقلة عن الفصائل قد يكون من أكثر الخطوات واقعية في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا في ظل الحاجة إلى جهاز إداري قادر على إعادة تشغيل المؤسسات والخدمات وتنظيم الشرطة والإشراف على الإعمار والتعامل مع المجتمع الدولي، لكن نجاح هذه اللجنة لن يقاس فقط بكفاءتها التقنية، وإنما أساسًا بشرعيتها السياسية وبطبيعة العلاقة التي ستربطها بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية وبالضفة الغربية وبمنظمة التحرير وبالسلطة الفلسطينية وبقية مكونات المشهد السياسي.
فالفلسطينيون لا يمكن أن ينتقلوا من حكم فصيل إلى حكم لجنة غير منتخبة إلى أجل غير محدد، لأن الإدارة الانتقالية ينبغي أن تكون جسرًا لا إقامة دائمة، وينبغي أن تنتهي إلى مؤسسات فلسطينية موحدة تستمد شرعيتها من الشعب الفلسطيني نفسه عبر انتخابات حرة ونزيهة، وإلا فإن المجتمع الدولي قد ينجح في صناعة إدارة جيدة لغزة لكنه يفشل في صناعة شرعية سياسية قادرة على حمل مشروع الدولة.
قوة الاستقرار الدولية... المطلوب ضمان الانتقال إلى السيادة لا استبدال احتلال بوصاية
وجود قوة دولية مؤقتة قد يكون ضروريًا في المرحلة الأولى من تنفيذ الخارطة، خصوصًا إذا كانت مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار، والفصل بين القوات، والمساعدة على تدريب الشرطة الفلسطينية، وتأمين وصول المساعدات، ومواكبة الانسحاب الإسرائيلي، لكن كلمة «مؤقتة» يجب أن تبقى حاضرة في كل مراحل العملية، لأن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى الخروج من واقع السيطرة العسكرية الإسرائيلية للدخول في واقع وصاية دولية غير محددة المدة.
المطلوب أن تساعد القوة الدولية على صناعة الظروف التي تجعل وجودها غير ضروري في المستقبل، وأن تنتقل المسؤوليات تدريجيًا إلى مؤسسات فلسطينية شرعية وقادرة على حماية السكان وضبط الأمن وإدارة الحدود، لأن الهدف النهائي لا يمكن أن يكون غزة محكومة إلى الأبد بقوة متعددة الجنسيات، وإنما فلسطين قادرة على حكم نفسها مثل باقي دول العالم.
منع التهجير وإعادة الإعمار... لا معنى لحق الفلسطيني في البقاء إذا جعلت أرضه غير قابلة للحياة
يحمل النص المتعلق بعدم إجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة أهمية استثنائية بعد كل المخاوف التي رافقت الحرب بشأن سيناريوهات التهجير والنزوح وإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية للقطاع، لكن ضمان بقاء الفلسطيني فوق أرضه لا يتحقق فقط بمنع ترحيله بالقوة، لأن هناك شكلًا آخر من التهجير يحدث عندما تدمر شروط الحياة نفسها، وحين لا يجد الإنسان بيتًا يأويه أو مستشفى يعالج فيه أبناءه أو مدرسة يتعلم فيها أطفاله أو ماء وكهرباء وفرصة عمل ومستقبلًا يمكن أن يبني عليه حياته.
ومن هنا تصبح إعادة إعمار غزة جزءًا من حماية الحق في الأرض وليست مجرد عملية اقتصادية، ويصبح بناء المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والمؤسسات فعلًا سياسيًا وإنسانيًا بقدر ما هو هندسي، ولذلك ينبغي ألا تستخدم أموال الإعمار وسيلة ضغط أو مكافأة مشروطة بالطاعة السياسية، لأن سكان غزة دفعوا ثمن الحرب بما يكفي، ولا ينبغي أن يدفعوا ثمن السلام أيضًا.
المصالحة والسلم الأهلي... لا يمكن بناء فلسطين موحدة فوق انقسام فلسطيني مزمن
من الحكمة أن تتضمن الخارطة ترتيبات تتعلق بالسلم الأهلي ومنع الانتقام والعنف الداخلي والمظاهر المسلحة، لأن انتهاء المواجهة العسكرية مع إسرائيل لا يعني تلقائيًا انتهاء الصراعات داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصًا بعد سنوات طويلة من الانقسام السياسي والمؤسساتي وتعدد مراكز القوة، وما خلفته الحرب من جراح واتهامات وخلافات ومصالح متناقضة يمكن أن تتحول، في غياب مشروع مصالحة حقيقي، إلى صراع داخلي ينسف كل ما تم بناؤه.
ولذلك فإن توحيد الفلسطينيين سياسيًا لا يقل أهمية عن توحيد السلاح أمنيًا، ولا يمكن أن يطلب من المجتمع الفلسطيني بناء دولة موحدة بينما تظل قواه السياسية منقسمة بين غزة والضفة وبين حماس وفتح وبين سلطات ومؤسسات متنافسة، لأن الدولة تحتاج قبل حدودها وجيشها ومؤسساتها إلى عقد وطني يجمع أبناءها حول قواعد مشتركة لإدارة الخلاف.
غزة ليست فلسطين كلها... وأي حل يتوقف عند حدود القطاع سيؤجل القضية بدل أن ينهيها
قد تنجح الخارطة في وقف الحرب، وقد تنجح في إعادة بناء غزة وإيجاد إدارة فلسطينية موحدة داخل القطاع، لكنها لن تكون حلًا نهائيًا للقضية الفلسطينية إذا توقفت عند حدود غزة، لأن فلسطين ليست القطاع وحده، والقضية الفلسطينية تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية والمستوطنات والحدود واللاجئين والسيادة والموارد وحرية الحركة ومجموعة من الملفات التي ظلت معلقة لعقود.
وهنا يوجد أخطر ما ينبغي الحذر منه: أن يصبح نجاح المشروع في غزة ذريعة لتجميد القضية الفلسطينية الأكبر، وأن يتحول القطاع إلى كيان مستقر اقتصاديًا وأمنيًا لكنه منفصل سياسيًا عن الضفة الغربية، لأن ذلك قد ينهي حرب غزة لكنه لن ينهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد يحول المشكلة من نزاع على الاحتلال والدولة إلى نزاع طويل حول كيانين فلسطينيين منفصلين.
تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية... العبارة التي تمنح الخارطة معناها التاريخي إن تحولت من وعد إلى التزام
كل البنود السابقة، على أهميتها، يمكن اعتبارها ترتيبات لإدارة مرحلة انتقالية، لكن الحديث عن تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية هو الذي يمنح الخارطة بعدها التاريخي المحتمل، لأن الفلسطينيين لا يخوضون صراعًا عمره عقود من أجل إدارة أفضل للقطاع أو شرطة أكثر تنظيمًا أو مساعدات أكثر انتظامًا، وإنما من أجل حقهم في وطن ودولة وسيادة وكرامة وقرار مستقل.
ولهذا فإن السؤال ليس ما إذا كانت الوثيقة تتضمن عبارة «الدولة الفلسطينية»، وإنما ما إذا كان هناك طريق محدد يقود إليها، بجدول سياسي واضح وضمانات دولية ومرجعيات متفق عليها، لأن الدولة التي تظل وعدًا مؤجلًا إلى ما بعد تنفيذ كل الالتزامات الأمنية قد تتحول مرة أخرى إلى أفق بعيد يتحرك كلما اقترب منه الفلسطينيون.
إسرائيل ليست مراقبًا للخارطة... وهي مطالبة بتغيير سياسي لا يقل عمقًا عما يطلب من الفلسطينيين
لا ينبغي أن تتحول المناقشات حول خارطة الطريق إلى محاكمة مستمرة للفلسطينيين وحدهم، وكأن السؤال الوحيد هو ما إذا كانت حماس ستتخلى عن الحكم والسلاح، لأن إسرائيل مطالبة هي الأخرى بتقديم تنازلات تاريخية إذا كان الهدف بالفعل هو صناعة سلام دائم، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل، واحترام الإدارة الفلسطينية، وعدم عرقلة الإعمار، والقبول بمسار سياسي يقود إلى دولة فلسطينية، والتعامل مع قضايا الضفة الغربية والقدس والاستيطان ضمن رؤية تنهي أصل النزاع بدل الاكتفاء بإدارة أعراضه.
فلا يمكن مطالبة الفلسطينيين بتغيير جذري في بنيتهم السياسية والأمنية بينما يبقى الموقف الإسرائيلي من الأرض والسيادة والدولة دون تغيير، لأن السلام ليس عملية يعيد فيها طرف واحد تشكيل نفسه لكي يصبح مقبولًا لدى الطرف الآخر، وإنما عقد تاريخي يغير الطرفان بموجبه طريقة تعاملهما مع بعضهما ومع المستقبل.
مجلس السلام أمام أصعب امتحاناته... هل يمتلك القدرة على إلزام الجميع أم سيكتفي بإدارة التوازنات؟
إعلان خمسة عشر بندًا شيء، وتحويلها إلى واقع شيء آخر تمامًا، وهنا سيظهر الوزن الحقيقي لمجلس السلام، لأن قيمته لن تقاس بعدد الاجتماعات والبيانات والتصريحات، وإنما بقدرته على منع الأطراف من انتقاء البنود التي تناسبها ورفض ما لا يناسبها، وعلى ضمان التزامن بين الانسحاب وترتيبات السلاح، وعلى توفير الموارد اللازمة للإعمار، وعلى حماية الإدارة الفلسطينية الانتقالية، ثم على إبقاء الهدف السياسي النهائي حاضرًا حتى لا تبتلع التفاصيل الأمنية مشروع الدولة.
فإذا استطاع المجلس أن يفعل ذلك، فإنه قد ينتقل من مجرد آلية لإدارة أزمة غزة إلى مؤسسة ساهمت في تغيير مسار القضية الفلسطينية، أما إذا نجح فقط في وقف إطلاق النار وترتيب الأمن وتجميد المواجهة، فإنه سيكون قد أدار الحرب بنجاح لكنه لم يصنع السلام.
الخلاص النهائي للقضية الفلسطينية... ليس إسكات البنادق وإنما إزالة الأسباب التي تجعلها تعود إلى إطلاق النار
إن الخلاص الذي نتحدث عنه في عنوان هذه المقالة لا يعني أن تختفي صور الحرب من شاشات التلفزيون، ولا أن تدخل المساعدات إلى غزة بانتظام، ولا أن تستبدل الفصائل بلجنة وطنية، ولا حتى أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من القطاع إذا ظلت بقية القضية بلا حل، وإنما يعني أن يصل الفلسطيني إلى اللحظة التي ينتقل فيها من شعب يدير قضية إلى شعب يدير دولة، وأن يصل الإسرائيلي إلى قناعة بأن أمنه لا يمكن أن يبقى قائمًا إلى الأبد على حرمان شعب آخر من السيادة والحقوق، وأن يفهم المجتمع الدولي أن كل هدنة لا تعالج جذور الصراع ليست إلا تأجيلًا للحرب المقبلة.
الخلاص الحقيقي يعني دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة، ومؤسسات فلسطينية شرعية وموحدة، وحدودًا وأمنًا وحقوقًا، وفي المقابل سلامًا يضمن للإسرائيليين الأمن والاستقرار، لأن السلام الذي يشعر فيه طرف أنه انتصر بينما يشعر الآخر أنه خسر كل شيء لا يمكن أن يدوم مهما بلغت قوة الضمانات.
إما أن يكون مجلس السلام جسرًا من حرب غزة إلى دولة فلسطين... أو تصبح الخارطة مجرد استراحة طويلة بين حربين
إن خارطة الطريق ذات البنود الخمسة عشر تملك من حيث مضمونها عناصر تسمح لها بأن تصبح أكثر من مجرد اتفاق لإنهاء الحرب، لأنها تجمع بين الأمن والسياسة والإدارة والانسحاب والإعمار والسلم الأهلي وتقرير المصير والدولة، لكن قيمتها التاريخية لن يحددها جمال الصياغات ولا قوة التصريحات التي سترافقها، وإنما ستحددها قدرة مجلس السلام على تحويل الكلمات إلى وقائع متزامنة وعادلة وغير قابلة للانتقاءز
سيعرف الفلسطيني أن الخارطة نجحت عندما يرى القوات الإسرائيلية تغادر أرضه فعلًا، وعندما يرى سلاح الفصيل يتحول إلى سلاح مؤسسة وطنية شرعية وليس إلى فراغ أمني، وعندما يرى منزله ومدرسته ومستشفاه يعاد بناؤها، وعندما يشعر أن اللجنة الانتقالية كانت طريقًا إلى مؤسسات منتخبة وليست بديلًا عنها، وعندما يكتشف أن عبارة «تقرير المصير» لم تكن مجرد جملة دبلوماسية أضيفت لتجميل الوثيقة، وإنما بداية طريق واضح نحو الدولة الفلسطينية.
وسيكون نجاح مجلس السلام أكبر من إنهاء حرب غزة إذا استطاع أن يجعل الفلسطيني والإسرائيلي يخرجان معًا من الحلقة المفرغة التي حكمت عقودًا من تاريخ المنطقة، حيث يولد العنف من الاحتلال والخوف، وتولد الحرب من غياب الحل، ثم تأتي هدنة مؤقتة قبل أن تعود الأسباب نفسها لإنتاج المأساة نفسها.
ولذلك فإن السؤال سيظل قائمًا حتى آخر مرحلة من التنفيذ: هل يأتي مجلس السلام بالخلاص النهائي للقضية الفلسطينية؟
قد يكون من المبكر أن نقول نعم، ومن غير المنصف أن نقول لا قبل أن تبدأ الخارطة امتحانها الحقيقي على الأرض، لكن المؤكد أن المجلس وضع نفسه أمام مسؤولية تاريخية لا تسمح بأنصاف الحلول؛ فإما أن تكون البنود الخمسة عشر بداية طريق ينتهي بانسحاب كامل، ووحدة فلسطينية، وإعمار حقيقي، وسيادة، وتقرير مصير، ودولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، وإما أن تتحول الخارطة إلى عملية ناجحة لتنظيم غزة ما بعد الحرب من دون إنهاء القضية التي صنعت الحرب.
وهنا يوجد الفارق بين أن يدير مجلس السلام غزة بعد الحرب، وبين أن يساهم في صناعة فلسطين بعد الاحتلال؛ وبين أن يمنح المنطقة هدنة أخرى، وبين أن يمنح الفلسطينيين والإسرائيليين فرصة حقيقية لكي تكون هذه الحرب، بكل مآسيها ودمائها ودمارها، آخر الحروب لا مجرد الحرب التي سبقت الحرب المقبلة.
رئيسية 








الرئيسية



