الدبلوماسية لا تقاس بضجيج التصريحات... بل بحجم ما تغير على أرض الواقع
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لا تُختبر قوة الدول في الفترات الهادئة، حين تكون العلاقات مستقرة، والمصالح متوازنة، والحدود السياسية والدبلوماسية واضحة، بل تظهر حقيقتها عندما تتعرض للضغط، وحين تتشابك الأزمات، وتتغير التحالفات، وتصبح القرارات السيادية موضوع مساومة أو ابتزاز، ويتحول الصديق التقليدي إلى شريك متردد، أو إلى طرف يحاول فرض تصوراته ومصالحه على حساب المصالح العليا للدولة. ففي مثل هذه اللحظات، يصبح الفرق واضحاً بين دولة تنفعل بالأزمة وتستهلك طاقتها في الرد عليها، ودولة تديرها بعقل استراتيجي، تستوعب أسبابها، وتحدد أطرافها، وتضبط إيقاع مواجهتها، ثم تنتظر اللحظة المناسبة لتحويلها من عنصر ضغط إلى نقطة قوة ومكسب سياسي ودبلوماسي.
وإذا كان مسار الدول يُقرأ عادة من خلال الحروب التي خاضتها، أو الاتفاقيات التي أبرمتها، أو التحولات الاقتصادية التي أنجزتها، فإن قراءة سبعة وعشرين عاماً من حكم الملك محمد السادس تستدعي، إلى جانب كل ذلك، التوقف عند منهج خاص في تدبير الأزمات الداخلية والخارجية؛ منهج لم يتأسس على الانفعال، ولم يختر الردود المتسرعة، ولم يجعل من رفع الصوت بديلاً عن قوة القرار، بل قام على الصبر الاستراتيجي، ووضوح الأولويات، وتنويع الشراكات، والعمل الميداني المتواصل، وربط التحرك الدبلوماسي بالمشاريع الاقتصادية والتنموية والأمنية، وعدم الفصل بين الدفاع عن السيادة الوطنية وبين بناء دولة تتوافر لها أسباب القوة والمصداقية.
لقد عرف العالم، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، تحولات عميقة ومتسارعة: انهارت توازنات سياسية، واندلعت حروب، وظهرت تهديدات إرهابية عابرة للحدود، وانتشرت أوبئة عالمية، وتصاعدت أزمات الهجرة والطاقة والغذاء والمناخ، وأصبح التنافس الدولي أكثر شراسة على إفريقيا ومواردها وممراتها الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، واجه المغرب توترات مع دول جارة وشريكة، وحملات سياسية وإعلامية، وضغوطاً داخل بعض المؤسسات القارية والدولية، ومحاولات لإعاقة مسار قضيته الوطنية الأولى. ومع ذلك لم تكن السياسة الملكية الخارجية قائمة على الانغلاق أو الخوف من التحولات، بل على الدخول فيها بفاعلية، والاستفادة من فرصها، وإعادة بناء موقع المملكة داخل محيطها الإفريقي والعربي والمتوسطي والأطلسي.
لم يكن الهدوء الذي طبع الدبلوماسية الملكية، في هذا السياق، صمتاً أو تردداً، كما حاول البعض تفسيره في محطات معينة، بل كان جزءاً من عملية دقيقة لتقدير المواقف، وتحديد ما ينبغي قوله، ومتى يجب قوله، وما يمكن تجاوزه، وما لا يقبل التنازل أو المساومة. فالدبلوماسية التي تتحدث كل يوم قد تستهلك حججها سريعاً، أما الدبلوماسية التي تختار توقيت رسائلها وتربطها بقرارات عملية، فإنها تجعل للكلمة قيمة وللموقف وزناً. ولذلك لم تكن الخطب والرسائل الملكية مجرد تعبيرات سياسية ظرفية، بل كانت في كثير من المحطات إعلاناً عن تحول في قواعد التعامل مع الشركاء، أو إعادة تعريف لموقع المغرب، أو وضعاً لحدود فاصلة بين التعاون الحقيقي وبين العلاقات التي تريد الاستفادة من المغرب دون احترام مصالحه السيادية.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول أن المغرب لم يعد يقبل بعلاقات دبلوماسية تقوم على تجزئة المصالح؛ أي أن تستفيد دولة من التعاون الأمني أو الاقتصادي أو الهجري مع المملكة، ثم تتبنى في القضية الوطنية موقفاً غامضاً أو متناقضاً. وقد جسد الخطاب الملكي بوضوح هذه الرؤية عندما اعتبر أن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. لم يكن ذلك الخطاب مجرد عبارة قوية، بل إعلاناً عن عقيدة دبلوماسية جديدة جعلت السيادة والوحدة الترابية في صلب جميع العلاقات الدولية للمملكة، لا ملفاً جانبياً يخضع للمجاملة أو التأجيل.
ومن هنا، فإن الحديث عن الأزمات الخارجية التي واجهها المغرب لا ينبغي أن يقدم على أنه استعراض لسلسلة من الخلافات العابرة، بل بوصفه قراءة في فلسفة ملكية متكاملة أعادت تشكيل السياسة الخارجية للمملكة. فلسفة تقوم على أن احترام المغرب لا يتحقق بطلب الاعتراف من الآخرين فقط، بل ببناء القوة التي تجعل احترامه ضرورة؛ وأن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يتم داخل القاعات الأممية وحدها، بل كذلك عبر التنمية، والاستثمار، والبنيات التحتية، والامتداد الإفريقي، والمصداقية الأمنية، والتعاون الاقتصادي، والحضور الإنساني، والقدرة على أن يكون المغرب شريكاً يحتاج إليه الآخرون، لا مجرد دولة تنتظر مواقفهم.
ولعل القضية الوطنية الأولى هي المثال الأكثر وضوحاً على هذا الانتقال. ففي بداية عهد الملك محمد السادس، كان المغرب يواجه ملفاً ورث تراكمات الحرب الباردة، وشبكة من المواقف القديمة داخل إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخطاباً انفصالياً ظل يستفيد من الدعم السياسي والمالي والعسكري الجزائري، فضلاً عن وجود كيان انفصالي داخل الاتحاد الإفريقي، وصعوبات في إقناع جزء من الرأي العام الدولي بعدالة الموقف المغربي. لكن بعد سبعة وعشرين عاماً، تغيرت معادلات كثيرة، وتوسعت قاعدة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتحت دول قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه، ثم رسخت فرنسا موقفاً يعتبر حاضر الصحراء ومستقبلها في إطار السيادة المغربية. كما أصبح المقترح المغربي للحكم الذاتي يحتل موقعاً مركزياً في النقاش الأممي والسياسي الدولي باعتباره أساساً واقعياً وجاداً للتوصل إلى حل سياسي.
هذه النتائج لم تظهر فجأة، ولم تكن حصيلة صفقة عابرة أو ظرف دولي مؤقت، بل ثمرة مسار طويل من التراكم والصبر وتغيير أدوات المواجهة. ومن هنا يبدأ فهم الدبلوماسية الملكية: إنها لا تُعلن الانتصار قبل اكتمال شروطه، ولا تدخل معركة دون أن تبني عناصر قوتها، ولا تحصر الدفاع عن قضية المغرب في ردود الفعل، بل تجعل من الزمن نفسه حليفاً، ومن التنمية حجة، ومن الشراكات الاقتصادية والسياسية جسوراً لإعادة بناء المواقف.
الصحراء المغربية... من دبلوماسية الدفاع عن الحق إلى دبلوماسية فرض الواقع السياسي والتنموي
كانت قضية الصحراء المغربية، ولا تزال، القضية الوطنية الأولى، لكنها تحولت خلال عهد الملك محمد السادس من ملف كان المغرب يضطر فيه باستمرار إلى تفنيد الدعاية الانفصالية والدفاع عن شرعية حقوقه، إلى محور يعيد من خلاله صياغة علاقاته الدولية، ويميز به بين المواقف الصادقة والمواقف الملتبسة، ويفرض على شركائه وضوحاً لم يكن متاحاً في مراحل سابقة. وهذا التحول لم يكن لغوياً أو شكلياً؛ بل نقل المغرب من موقع الدولة التي تنتظر مواقف الآخرين إلى موقع الدولة التي تحدد طبيعة العلاقة بناء على تلك المواقف.
كانت أولى ملامح الرؤية الجديدة هي الانتقال من الاكتفاء بالدفاع عن مغربية الصحراء إلى تقديم حل سياسي عملي وواقعي، تمثل في مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007. هذه المبادرة لم تُطرح بوصفها تنازلاً عن السيادة، بل باعتبارها تصوراً متقدماً لتدبير السكان المحليين لشؤونهم، في إطار الوحدة الترابية والسيادة المغربية. وقد أتاحت للمغرب أن ينتقل من مواجهة مشروع انفصالي يقوم على أطروحات تعود إلى زمن الحرب الباردة، إلى عرض سياسي قابل للنقاش والتنفيذ، يوازن بين ممارسة السكان لصلاحيات واسعة وبين الحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح المغرب يتحرك على جبهتين متوازيتين: جبهة سياسية ودبلوماسية هدفها توسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وجبهة تنموية هدفها إثبات أن الأقاليم الجنوبية ليست مجالاً متنازعاً عليه ينتظر مستقبلاً مجهولاً، بل جزء فاعل من الدولة المغربية، تنجز فيه المشاريع، وتُبنى الموانئ والطرق والمؤسسات، وتُعزز فيه المشاركة السياسية والجهوية. وهكذا لم تعد حجة المغرب قائمة على التاريخ والقانون وحدهما، على أهميتهما، بل أصبحت قائمة أيضاً على واقع اقتصادي واجتماعي ومؤسساتي يتطور باستمرار.
وتجسدت قوة هذه المقاربة في أن المملكة لم تدخل في سباق شعارات مع خصومها، بل اختارت بناء الوقائع. فبينما ظل الخطاب الانفصالي يكرر المفردات نفسها، كان المغرب يفتح الأقاليم الجنوبية أمام الاستثمار، ويطور بنياتها، ويربطها بامتداداتها الإفريقية والأطلسية، ويمنحها موقعاً مركزياً داخل رؤيته الاستراتيجية للقارة. ولم يعد الحديث عن العيون والداخلة مرتبطاً فقط بالنزاع، بل أصبح مرتبطاً بالموانئ والطاقة المتجددة والاستثمار والصيد البحري والسياحة والربط التجاري مع العمق الإفريقي.
ومن أهم التحولات التي عرفها الملف عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعد غياب دام عقوداً. لم تكن العودة تراجعاً عن الموقف المغربي، بل قراراً استراتيجياً يقوم على مواجهة الخصوم من داخل المؤسسة القارية بدل ترك المجال مفتوحاً أمامهم. فقد أدركت الرؤية الملكية أن الكرسي الفارغ لا يحمي الحقوق، وأن إفريقيا التي تغيرت اقتصادياً وسياسياً لا يمكن التعامل معها بأدوات الماضي، وأن الدفاع عن الوحدة الترابية يقتضي الحضور اليومي، وبناء التحالفات، وإقامة المشاريع، وتوسيع التعاون مع الدول الإفريقية في مجالات الفلاحة والتكوين والبنوك والأسمدة والطاقة والأمن الديني.
وقد ساعد هذا الحضور القاري في إضعاف المساحات التي كانت تتحرك فيها الدبلوماسية الجزائرية والانفصالية دون مواجهة فعالة، كما مكن المغرب من تعزيز علاقاته بدول عديدة، وسحب أو تجميد عدد من الاعترافات بالكيان الانفصالي، وتثبيت صورة المملكة باعتبارها شريكاً تنموياً وليس مجرد طرف في نزاع إقليمي. ولم تكن الزيارات الملكية المتعددة إلى البلدان الإفريقية مجرد نشاط بروتوكولي؛ فقد رافقتها اتفاقيات ومشاريع وشراكات جعلت العلاقة مع المغرب مرتبطة بمصالح تنموية ملموسة، وهو ما منح الدبلوماسية المغربية عمقاً يتجاوز البيانات والمواقف الموسمية.
ثم جاءت موجة افتتاح القنصليات العامة في العيون والداخلة (29 قنصلية) لتشكل تحولاً نوعياً في طبيعة الدعم الدولي. فالقنصلية ليست تصريحاً دبلوماسياً عابراً، وإنما حضور رسمي فوق الأرض، بما يحمله ذلك من دلالة سياسية وقانونية واضحة.
أما التحول الأكبر، فقد جاء في العاشر من دجنبر 2020، حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بسيادة المملكة المغربية على كامل منطقة الصحراء. وقد نص الإعلان الأمريكي على الاعتراف بالسيادة المغربية، وجدد دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره جاداً وذا مصداقية وواقعياً. لم تكن أهمية القرار نابعة فقط من كون الولايات المتحدة قوة دولية وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ولا لأن المغرب أو دولة اعترفت بها. بل من كون القرار كسر حاجزاً سياسياً ظلت القوى الكبرى تتحاشى الاقتراب منه، ونقل الملف من دعم حل سياسي إلى الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية.
وقد أثبتت السنوات اللاحقة أن القرار لم يكن مجرد موقف مرتبط بلحظة سياسية عابرة؛ إذ جددت الإدارة الأمريكية في أبريل 2025 الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، ثم أعيد تأكيد الموقف الأمريكي رسمياً في أبريل 2026. وبذلك تحولت محاولة خصوم المغرب الرهان على تغير الإدارات الأمريكية إلى حساب خاسر، لأن الاعتراف رسخ نفسه داخل السياسة الأمريكية وأصبح مرتبطاً برؤية استراتيجية تتجاوز شخص الرئيس أو ظرف الإعلان الأول.
ولم تتوقف النتائج عند الموقف الأمريكي، بل عرف الموقف الفرنسي بدوره تحولاً حاسماً، عندما أعلنت فرنسا أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن مخطط الحكم الذاتي يشكل الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي. وقد وصف الملك محمد السادس هذا الموقف بالدعم الصريح لمغربية الصحراء، وعبر أمام البرلمان في أكتوبر 2024 عن تقديره لفرنسا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
تكمن أهمية هذا التحول في أن فرنسا لم تكن دولة عادية في معادلة النزاع، بل قوة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وشريكاً تاريخياً للمغرب، ودولة ذات تأثير داخل الاتحاد الأوروبي وإفريقيا. ولذلك فإن انتقالها من الدعم التقليدي لمبادرة الحكم الذاتي إلى موقف أكثر وضوحاً بشأن السيادة المغربية شكل مكسباً استراتيجياً، كما كشف أن الأزمات التي مرت بها العلاقات المغربية الفرنسية لم تنته بعودة شكلية إلى الدفء، بل انتهت بإعادة صياغة العلاقة على أسس أكثر وضوحاً واحتراماً للمصالح العليا للمملكة.
كما أعادت إسبانيا، التي تتحمل مسؤولية تاريخية بوصفها القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء، صياغة موقفها عندما اعتبرت المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع. ورغم أن هذا التحول جاء بعد أزمة دبلوماسية حادة ارتبطت باستقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي بهوية مزورة و جواز جزائري ، فإن المغرب لم يكتفِ بالحصول على اعتذار أو إنهاء ظرفي للأزمة، بل دفع نحو تغيير جوهري في الموقف الإسباني نفسه. وهنا يظهر الفرق بين إدارة أزمة بهدف إغلاقها، وإدارتها بهدف تغيير القواعد التي أدت إليها.
ولم يكن المغرب، في كل هذه المحطات، يسعى إلى تجميع مواقف شكلية، بل إلى بناء اتجاه دولي جديد يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو مركز أي حل سياسي مقبل. وحتى داخل الأمم المتحدة، تطور موقع المبادرة المغربية وأصبحت أساساً متزايد الحضور في النقاشات والمفاوضات. و جاء قرار مجلس الأمن، رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي أكد على أن التفاوض المستقبلي بخصوص ملف الصحراء المغربية لن يتم إلا تحت السيادة المغربية وحول المقترح المغربي (الحكم الذاتي). باعتباره الحل الحقيقي القابل للتنفيذ . كما مدد ولاية بعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026.
لقد نجحت الدبلوماسية الملكية في إعادة تعريف القضية نفسها. لم تعد الصحراء في الرؤية المغربية مجرد أرض ينبغي إثبات السيادة عليها، بل تحولت إلى مركز للمشروع الأطلسي المغربي، وإلى بوابة نحو إفريقيا، ومجال لاستثمارات استراتيجية، ومحرك للتنمية الإقليمية. وهذا التحول هو ما يجعل المكسب أعمق من الاعترافات السياسية؛ لأن الاعتراف قد يتأثر بالظروف، أما حين ترتبط المنطقة بمصالح اقتصادية وتجارية وأمنية دولية، فإن مغربيتها تتحول إلى جزء من استقرار إقليمي تحتاج إليه الدول والشركات والمؤسسات.
هكذا أدار الملك محمد السادس أصعب الملفات الخارجية للمملكة: لم يحوله إلى خطاب غضب دائم، ولم يسمح بأن يستنزف المغرب في ردود الفعل، بل وضع له رؤية بعيدة المدى، وغير الأدوات، وعاد إلى إفريقيا، وربط الدبلوماسية بالتنمية، وطالب الشركاء بالوضوح، واستثمر التحولات الدولية، وحافظ في الوقت نفسه على عرض سياسي واقعي. والنتيجة أن قضية كانت تُقدم لسنوات بوصفها نقطة ضعف للمغرب أصبحت معياراً لقوة تحالفاته، ومحركاً لامتداده الإفريقي، وعنواناً لاستقلال قراره، ومجالاً تظهر فيه بوضوح دبلوماسية هادئة لا تعلن عن كل خطواتها، لكنها تضع نتائجها على الأرض أمام الجميع.
أزمة إسبانيا... حين رفض المغرب معالجة الجرح الدبلوماسي قبل تصحيح سببه السياسي
شكّلت الأزمة التي اندلعت بين المغرب وإسبانيا سنة 2021 واحدة من أكثر المحطات وضوحاً في الكشف عن التحول العميق الذي عرفته الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس. فلم تكن الأزمة مجرد خلاف عابر بين بلدين جارين، ولا سوء تفاهم يمكن احتواؤه ببلاغ مقتضب أو اتصال هاتفي أو زيارة بروتوكولية، بل كانت اختباراً حقيقياً لمفهوم الشراكة، ولحدود ما يمكن أن يقبله المغرب من دولة ترتبط معه بعلاقات جغرافية واقتصادية وأمنية وإنسانية شديدة التعقيد، لكنها اختارت في لحظة حساسة أن تتصرف خارج منطق الثقة والوضوح واحترام المصالح العليا للمملكة.
بدأت الأزمة عندما سمحت السلطات الإسبانية بدخول إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، إلى أراضيها للعلاج، مستعملاً هوية غير حقيقية (باسم بنبطوش وجواز جزائري). وفي ترتيبات أحيطت بالسرية. ولم يكن الأمر، من وجهة النظر المغربية، مجرد استقبال إنساني لشخص مريض، كما حاولت مدريد تقديمه في البداية، لأن الرجل لم يكن مواطناً عادياً ولا مسؤولاً سياسياً محايداً، بل كان زعيم تنظيم انفصالي ينازع المغرب وحدته الترابية، وتلاحقه شكايات أمام القضاء الإسباني. ولذلك اعتبر المغرب أن إدخاله سراً، وبهوية مغايرة، ومن دون إخبار الرباط، شكل إخلالاً خطيراً بالثقة بين دولتين يفترض أنهما شريكتان في ملفات حساسة تشمل الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب والتعاون الاقتصادي.
كان في وسع المغرب أن يقبل تبريرات مدريد، أو أن يكتفي بتسجيل احتجاج دبلوماسي ثم يعيد العلاقات تدريجياً إلى وضعها السابق. لكنه اختار هذه المرة ألا يُعالج النتيجة ويترك السبب قائماً. فالرسالة المغربية لم تكن تتعلق فقط بكيفية دخول إبراهيم غالي إلى إسبانيا، بل بالسؤال الأعمق: كيف يمكن لدولة أن تطلب من المغرب تعاوناً أمنياً واستخباراتياً وهجرياً واسعاً، ثم تتعامل في قضيته الوطنية الأولى بمنطق الغموض أو الازدواجية؟ وكيف يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية بينما تُتخذ قرارات تمس مباشرة سيادة المغرب ووحدته الترابية من دون تشاور أو حتى إخبار؟
ومن هنا اتخذت الأزمة بعداً يتجاوز الشخص والواقعة. فقد وضعت الرباط مدريد أمام حقيقة سياسية واضحة: لا يمكن بناء علاقات مستقرة على تعاون انتقائي، تأخذ فيه إسبانيا من المغرب ما يخدم أمنها وحدودها واقتصادها، بينما تحتفظ لنفسها بحق اتخاذ مواقف أو قرارات تناقض المصالح العليا للمملكة. ولم يكن هذا الموقف إعلان قطيعة مع إسبانيا، بقدر ما كان رفضاً لاستمرار نموذج قديم في العلاقات يقوم على اعتبار المغرب شريكاً ضرورياً في الأزمات، لكنه شريك يمكن تجاوز حساسياته عندما يتعلق الأمر بقضيته الوطنية.
لقد أظهرت إدارة الأزمة أن المغرب لم يعد مستعداً للعودة إلى الوضع السابق لمجرد انتهاء إقامة إبراهيم غالي أو مغادرته التراب الإسباني. فالمشكلة، في التصور المغربي، لم تكن وجوده المؤقت في مستشفى إسباني فقط، بل الخلفية السياسية التي جعلت الحكومة الإسبانية ترى أن بإمكانها اتخاذ قرار بهذه الخطورة ثم مطالبة المغرب لاحقاً بتجاوز الموضوع. ولذلك تحول الخلاف من أزمة استقبال شخص إلى مراجعة شاملة للأساس السياسي الذي تقوم عليه العلاقات بين البلدين.
وقد مارس المغرب في هذه المحطة نوعاً من الصبر الدبلوماسي المنظم. لم يدخل في سباق تصريحات يومية، ولم يحول الخلاف إلى خصومة مفتوحة مع الشعب الإسباني أو مؤسساته، ولم يغلق الباب أمام الحل. لكنه في المقابل لم يقبل أن تكون المصالحة شكلية أو أن تُختزل في تغيير بعض المسؤولين أو تبادل عبارات المجاملة. كان المطلوب، في جوهره، موقفاً سياسياً واضحاً يعيد تعريف علاقة إسبانيا بقضية الصحراء المغربية، ويثبت أن مدريد أدركت أن الثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بتصحيح القرار الذي أدى إلى انهيارها.
وهنا برزت مرة أخرى سمة أساسية في الدبلوماسية الملكية: عدم استعجال التسويات الناقصة. فالأزمة ظلت مفتوحة إلى أن اقتنعت إسبانيا بأن العودة إلى العلاقات الطبيعية لا يمكن أن تتم من دون تحول في الموقف من مبادرة الحكم الذاتي. وفي مارس 2022 أعلنت الحكومة الإسبانية أن المقترح المغربي للحكم الذاتي يمثل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع. وقد قدم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز هذا التحول باعتباره خطوة في مسار جديد للعلاقات مع المغرب، بينما أصبحت السابع من أبريل 2022 محطة رسمية لإطلاق خريطة طريق جديدة بين البلدين.
لم يكن هذا التحول تفصيلاً دبلوماسياً صغيراً. فإسبانيا هي القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء، وموقفها يحمل وزناً تاريخياً وسياسياً خاصاً. كما أنها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وفاعل مباشر في المجال المتوسطي، وترتبط بالمغرب بحدود بحرية وبرية، وبملفات معقدة تشمل سبتة ومليلية والهجرة والصيد البحري والتجارة والأمن. ولذلك فإن انتقالها إلى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لم يكن مجرد تعديل في قاموس الخارجية الإسبانية، بل كان تحولاً في أحد أهم المواقف الأوروبية المرتبطة بالنزاع.
وقد كشفت هذه النتيجة أن المغرب لم يكن يبحث عن إنهاء الأزمة بأي ثمن، بل عن تحويلها إلى لحظة مراجعة. فلو عاد الطرفان إلى العلاقات السابقة من دون تغيير سياسي، لكانت الأزمة قد انتهت شكلياً، لكنها كانت ستترك أسبابها قائمة وقابلة للانفجار مجدداً. أما ربط استئناف العلاقات بتوضيح الموقف الإسباني، فقد جعل الخروج من الأزمة يتضمن مكسباً استراتيجياً للمغرب، وأرسل رسالة إلى بقية الشركاء مفادها أن التعاون مع المملكة لا يمكن فصله عن احترام وحدتها الترابية.
وفي السابع من أبريل 2022، أطلق البلدان مرحلة جديدة من العلاقات من خلال إعلان مشترك وخريطة طريق شملت إعادة تفعيل آليات الحوار والتعاون في مجالات متعددة. وأكدت المصادر الرسمية الإسبانية لاحقاً أن ذلك التاريخ دشّن مسار تطبيع العلاقات وإحياء مجموعات العمل الثنائية، بما فيها مجموعات لم تكن قد اجتمعت منذ سنوات طويلة.
وقد توسعت نتائج المصالحة لتشمل التعاون الاقتصادي والتجاري، والتنسيق الأمني، وتدبير الهجرة، وإعادة تنشيط قنوات الحوار السياسي. كما أصبحت مدريد تقدم علاقتها بالرباط بوصفها شراكة استراتيجية، في وقت تؤكد فيه وزارة الخارجية الإسبانية أن المغرب يمثل الشريك التجاري الأول لإسبانيا في إفريقيا، وأن آلاف الشركات الإسبانية ترتبط بالسوق المغربية.
وهنا ينبغي التوقف عند إحدى أهم خلاصات الأزمة: المغرب لم يربح فقط تغييراً في صياغة الموقف الإسباني، بل فرض نموذجاً جديداً في إدارة علاقاته مع أوروبا. فقد أظهر أن التعاون في ملفات الهجرة والأمن ومحاربة الإرهاب ليس خدمة أحادية الاتجاه يقدمها المغرب لجيرانه، وإنما جزء من شراكة متكاملة ينبغي أن تقوم على التوازن والاحترام المتبادل. كما أظهر أن المملكة تملك من عناصر القوة الجغرافية والسياسية والاقتصادية والأمنية ما يجعل تجاوز مصالحها أمراً مكلفاً، وأن استقرار جنوب المتوسط لا يمكن بناؤه من دون المغرب أو على حسابه.
وفي المقابل، لم يتعامل المغرب مع تغير الموقف الإسباني بمنطق التشفي أو الانتصار الدعائي. لم يطالب مدريد بإهانة خصومه، ولم يحول التحول إلى منصة لتصعيد جديد، بل انتقل مباشرة إلى بناء مرحلة جديدة. وهذا أيضاً من ملامح الدبلوماسية الهادئة: الحزم في لحظة الخلاف، والانفتاح في لحظة التصحيح. فالهدف لم يكن إضعاف إسبانيا أو إبقاء العلاقات رهينة الأزمة، وإنما دفعها إلى مراجعة موقفها، ثم استثمار ذلك في تأسيس تعاون أكثر وضوحاً واستقراراً..
ولم تخلُ المرحلة الجديدة من تحديات واختلافات مرتبطة بطبيعة الملفات المشتركة، لكن العلاقات الثنائية حافظت على اتجاه تصاعدي، ووُصفت في المصادر الرسمية الإسبانية لاحقاً بأنها تمر بمرحلة ممتازة، مدعومة بأرقام تجارية قياسية وتعاون مستمر في الأمن والهجرة. كما استمرت مدريد في تأكيد الأهمية الاستراتيجية للعلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
إن ما حدث مع إسبانيا يقدم نموذجاً واضحاً لتحويل الأزمة إلى فرصة. فقد بدأت الواقعة باستقبال سري لزعيم جبهة انفصالية، بما حمله ذلك من إساءة للثقة بين البلدين، وانتهت بتغيير رسمي في الموقف الإسباني من مقترح الحكم الذاتي، وإطلاق خريطة طريق جديدة، وإعادة تنظيم العلاقة على أسس أكثر وضوحاً. وبين البداية والنهاية، لم يعتمد المغرب على الضجيج، ولم يتسرع في إغلاق الملف، بل تمسك بجوهر المشكلة، وفصل بين الشعب الإسباني والقرار السياسي، وترك باب التسوية مفتوحاً، لكنه اشترط أن تكون التسوية حقيقية وليست تجميلاً للأزمة.
وبذلك تحولت قضية إبراهيم غالي من محاولة لفرض أمر واقع على المغرب إلى مناسبة فرض فيها المغرب واقعاً دبلوماسياً جديداً. وبدلاً من أن تنتهي الأزمة بخروج الرجل من إسبانيا كما دخلها، انتهت بخروج السياسة الإسبانية نفسها من منطقة الغموض إلى موقف أكثر وضوحاً. وهذا هو جوهر الدبلوماسية التي تتحدث بلغة النتائج: ألا تكتفي بإدانة الخطأ، بل تعمل على تغيير البيئة السياسية التي سمحت بوقوعه؛ وألا تعتبر عودة العلاقات غاية في ذاتها، بل تجعل منها فرصة لإعادة بنائها على أسس تحمي مصالح الدولة وكرامتها وسيادتها.
الأزمة مع فرنسا... من سنوات البرود وسوء الفهم إلى شراكة أكثر وضوحاً واحتراماً للسيادة المغربية
إذا كانت الأزمة مع إسبانيا قد اندلعت بسبب قرار سياسي محدد، فإن الأزمة التي مرت بها العلاقات المغربية الفرنسية كانت أكثر تعقيداً وتشعباً، لأنها لم ترتبط بواقعة واحدة، بل كانت حصيلة تراكمات سياسية وإعلامية وقضائية ودبلوماسية امتدت لسنوات، وولدت شعوراً متزايداً داخل المغرب بأن باريس لم تعد تنظر إلى المملكة بالشراكة الاستراتيجية نفسها التي طبعت العلاقات بين البلدين لعقود طويلة. فقد تداخلت ملفات التأشيرات، وبعض المواقف الأوروبية، والحملات الإعلامية، وقضايا قضائية، والتعامل مع شخصيات معادية للمغرب، فضلاً عن ما اعتبره كثير من المتابعين غموضاً فرنسياً في التعاطي مع قضية الصحراء المغربية، وهو ما جعل العلاقات تدخل واحدة من أكثر مراحلها برودة منذ استقلال المغرب.
غير أن ما يلفت الانتباه في طريقة تدبير هذه الأزمة هو أن المغرب لم يلجأ إلى سياسة القطيعة أو التصعيد الإعلامي، ولم يدخل في حرب بيانات مع باريس، رغم أن بعض المنابر الفرنسية، وبعض الأصوات السياسية، كانت تواصل توجيه اتهامات للمغرب في ملفات متعددة، أبرزها قضية "بيغاسوس"، وملفات حقوق الإنسان، وغيرها من المواضيع التي كانت تظهر في توقيتات يراها كثير من المراقبين متزامنة مع محطات سياسية أو دبلوماسية مهمة تخص المملكة. ومع ذلك، ظل الخطاب الرسمي المغربي متحفظاً، واختار عدم الانجرار إلى سجالات إعلامية، مع الإبقاء على قنوات الدولة مفتوحة أمام أي مراجعة حقيقية للعلاقة الثنائية.
لقد كان بإمكان الرباط أن ترد بالمثل، وأن تحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة مع باريس، لكنها اختارت مساراً آخر يقوم على الصبر الاستراتيجي، وعلى ترك الزمن والوقائع يكشفان حقيقة التحولات التي يشهدها العالم، وحقيقة المكانة الجديدة التي أصبح يحتلها المغرب في محيطه الإقليمي والدولي. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الدوائر الفرنسية تنظر إلى المغرب بعقلية العلاقات التقليدية، كان المغرب يوسع شراكاته مع الولايات المتحدة وإسبانيا وعدد من الدول الإفريقية والعربية، ويعزز حضوره الاقتصادي والأمني، ويثبت أنه لم يعد رهيناً بمحور واحد أو بشريك واحد، بل أصبح يمتلك هامشاً أوسع في تنويع تحالفاته واختياراته الاستراتيجية.
ولعل الرسالة الأهم التي حملتها الدبلوماسية الملكية خلال تلك المرحلة هي أن المغرب لا يقطع علاقاته التاريخية، لكنه أيضاً لا يقبل أن تكون هذه العلاقات على حساب سيادته أو مصالحه العليا. فالشراكة، في المفهوم الذي رسخه الملك محمد السادس، لا يمكن أن تقوم على الإرث التاريخي وحده، ولا على المصالح الاقتصادية وحدها، بل ينبغي أن تبنى كذلك على الاحترام المتبادل، وعلى وضوح المواقف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الوطنية الأولى.
وقد أدركت فرنسا، مع مرور الوقت، أن التحولات التي يعرفها المغرب ليست ظرفية، وأن المملكة لم تعد ذلك البلد الذي يكتفي بانتظار مواقف حلفائه التقليديين، بل أصبحت قوة إقليمية صاعدة تمتلك أوراقاً مؤثرة في الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة والتعاون مع إفريقيا. كما أدركت أن استمرار الغموض في موقفها من قضية الصحراء المغربية لم يعد ينسجم مع طبيعة الشراكة التي ترغب في الحفاظ عليها مع الرباط.
وجاءت لحظة التحول التاريخية عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رسالة رسمية موجهة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس في يوليوز 2024، أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن فرنسا تعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع. ولم يكن هذا الإعلان مجرد تعديل في الصياغة الدبلوماسية، بل شكل منعطفاً استراتيجياً في موقف دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وواحدة من أكثر الدول تأثيراً داخل الاتحاد الأوروبي وإفريقيا.
وقد أعقب هذا التحول السياسي دينامية جديدة في العلاقات الثنائية، تُرجمت بزيارات رفيعة المستوى، وتوقيع اتفاقيات في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والنقل والتعليم، كما عادت قنوات التشاور السياسي إلى نشاطها الطبيعي، في إطار رؤية جديدة تقوم على الوضوح والثقة المتبادلة، وليس على المجاملات الدبلوماسية.
وتبرز أهمية هذه المحطة في أن المغرب لم يتعامل مع الأزمة باعتبارها خلافاً مع دولة صديقة فقط، بل باعتبارها فرصة لإعادة تعريف قواعد العلاقة. فلم يسع إلى انتصار إعلامي على فرنسا، ولم يطالبها بخطابات اعتذار، بل كان همه أن يتحول الموقف الفرنسي نفسه إلى موقف واضح وصريح يحترم سيادة المغرب ووحدته الترابية. وعندما تحقق ذلك، انتقلت العلاقات مباشرة إلى مرحلة جديدة عنوانها التعاون الاستراتيجي.
وهكذا أثبتت هذه الأزمة مرة أخرى أن الدبلوماسية الملكية لا تجعل من الأزمة هدفاً في حد ذاتها، بل تعتبرها مرحلة لإعادة ترتيب العلاقات على أسس أكثر صلابة. فبدلاً من أن تنتهي سنوات البرود بخسائر للطرفين، انتهت بإعادة بناء واحدة من أهم الشراكات التي تربط المغرب بدولة أوروبية مؤثرة، وبموقف فرنسي غير مسبوق من القضية الوطنية، وهو ما حول أزمة طويلة ومعقدة إلى أحد أبرز المكاسب الدبلوماسية التي حققتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وإذا كانت الأزمة مع إسبانيا قد أكدت أن المغرب لا يقبل المساس بثوابته، فإن الأزمة مع فرنسا أثبتت أن الزمن يمكن أن يكون أحد أقوى أدوات الدبلوماسية، وأن الصبر السياسي، عندما يقترن بثبات المواقف وبناء عناصر القوة، قد يحقق من النتائج ما لا تحققه المواجهات المباشرة. وهذا بالضبط ما ميز فلسفة الملك محمد السادس في إدارة العلاقات الخارجية: هدوء في الأسلوب، وثبات في المبدأ، وإصرار على أن تكون النهاية دائماً في صالح المصالح العليا للمملكة.
العلاقات المغربية الجزائرية... دبلوماسية اليد الممدودة في مواجهة سياسة التصعيد
لعل أكثر الملفات الخارجية تعقيداً واستمرارية خلال السنوات السبع والعشرين الماضية كان، دون منازع، ملف العلاقات المغربية الجزائرية. فبين البلدين تاريخ مشترك، ودين واحد، ولغة واحدة، وروابط دم وقربى ومصير جغرافي لا يمكن تغييره، لكن في المقابل ظلت العلاقات السياسية، منذ عقود، تعيش على وقع توترات متكررة، بلغت في بعض المراحل مستويات غير مسبوقة من القطيعة والتصعيد. وقد وجد الملك محمد السادس نفسه، منذ الأيام الأولى لاعتلائه العرش، أمام هذا الإرث الثقيل، الذي لم يصنعه، لكنه كان مطالباً بإدارته، ومحاولة الحد من تداعياته على مستقبل الشعبين والمنطقة المغاربية بأكملها.
ومن يتتبع مسار هذه العلاقة يلاحظ أن الدبلوماسية الملكية لم تنطلق من منطق الخصومة، ولا من الرغبة في تعميق الخلاف، بل على العكس من ذلك، جعلت من المصالحة وبناء الثقة خياراً استراتيجياً ثابتاً. ففي أكثر من خطاب رسمي، وأكثر من مناسبة وطنية، وجه الملك محمد السادس دعوات صريحة إلى فتح صفحة جديدة مع الجزائر، وإلى تجاوز رواسب الماضي، وإعادة فتح الحدود المغلقة، وإحياء اتحاد المغرب الكبير ، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى على القطيعة، وأن شعوب المغرب الكبير تستحق فضاءً للتعاون والتنمية، بدل استمرار استنزاف الإمكانات في التوترات السياسية والعسكرية.
غير أن هذه المبادرات المتكررة كانت تصطدم، في كل مرة، برفض أو تجاهل من الجانب الجزائري. فبدلاً من التقاط فرص الحوار، اختارت السلطات الجزائرية الاستمرار في نهج التصعيد، سواء عبر الخطاب السياسي، أو من خلال استمرار دعم جبهة البوليساريو سياسياً ومالياً ودبلوماسياً، أو عبر خطوات أحادية انتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021، ثم إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المغربية، وتعليق عدد من أوجه التعاون التي كانت قائمة بين البلدين.
ورغم أن هذه القرارات كانت كفيلة بدفع أي دولة إلى اعتماد سياسة ردود الفعل المتبادلة، فإن المغرب اختار مرة أخرى أسلوباً مختلفاً. فلم يعلن قطع العلاقات من جانبه، ولم يدخل في حرب تصريحات يومية، ولم يتجه إلى تأجيج المشاعر العدائية بين الشعبين، بل ظل يميز، في كل خطاباته الرسمية، بين مواقف السلطات الجزائرية وبين الشعب الجزائري، مؤكداً أن هذا الشعب يبقى شعباً شقيقاً تجمعه بالمغاربة روابط لا يمكن أن تمحوها الخلافات السياسية مهما بلغت حدتها.
وقد تجلت هذه الفلسفة بوضوح في الخطابات الملكية، التي كانت تخاطب القيادة الجزائرية بلغة هادئة، وتعيد في كل مناسبة تقريباً تجديد الدعوة إلى الحوار المباشر والصريح، دون شروط مسبقة، ودون وساطات، انطلاقاً من قناعة مفادها أن جميع القضايا الخلافية يمكن معالجتها إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة. ولم يكن هذا الطرح مجرد خطاب موجه للاستهلاك الإعلامي، بل أصبح موقفاً ثابتاً كرره الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، حتى بعد بلوغ الأزمة مستويات غير مسبوقة.
وفي المقابل، كانت الجزائر تواصل استثمار إمكاناتها السياسية والمالية والدبلوماسية في الدفاع عن الطرح الانفصالي داخل عدد من المحافل الإقليمية والدولية، معتبرة نفسها "غير معنية بالنزاع"، في الوقت الذي كانت فيه تتحرك كطرف أساسي في مختلف محطات الملف. غير أن التحولات التي عرفها الموقف الدولي من قضية الصحراء المغربية، وتزايد الاعترافات بمغربية الصحراء، واتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، جعلت هذا الرهان يواجه تحديات متزايدة، وأصبح الدفاع عن الطرح الانفصالي أكثر صعوبة مما كان عليه في العقود السابقة.
ولم يكتف المغرب بإدارة هذا الملف من الزاوية السياسية فقط، بل عمل، في موازاة ذلك، على بناء عناصر قوة جديدة تقلل من تأثير التوتر مع الجزائر على خياراته الاستراتيجية. فقد واصل تعزيز شراكاته مع أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا والدول العربية، ووسع شبكة استثماراته، ورسخ موقعه الأمني والاستخباراتي، وطور بنياته التحتية، وأطلق مشاريع استراتيجية كبرى في الأقاليم الجنوبية وعلى الواجهة الأطلسية. وبذلك، لم يعد مستقبل المغرب الاقتصادي أو الدبلوماسي رهيناً بفتح الحدود الشرقية أو بإعادة العلاقات الثنائية، رغم أن المملكة ظلت تؤكد أن ذلك يبقى هدفاً مرغوباً فيه لما فيه مصلحة الشعبين.
ومن أبرز تجليات هذه الرؤية أيضاً أن المغرب لم يسمح للخلاف السياسي بأن يتحول إلى عداء مع المواطن الجزائري. فعندما تعرضت الجزائر لكوارث طبيعية، أو حرائق غابوية مدمرة، أو أزمات إنسانية، صدرت عن الملك محمد السادس رسائل تضامن صادقة، كما عرض تقديم المساعدة الإنسانية، في موقف يعكس التمييز بين الخلاف مع السلطة السياسية وبين الواجب الإنساني تجاه شعب شقيق. وقد حملت هذه المبادرات رسائل سياسية وأخلاقية في آن واحد، مفادها أن المغرب لا يريد أن تتحول الأزمة إلى قطيعة بين الشعبين، وأن الروابط التاريخية والثقافية تظل أكبر من الخلافات الظرفية.
ومن زاوية أخرى، أظهرت هذه الأزمة أن الدبلوماسية الملكية لا تقيس نجاحها بسرعة تحقيق النتائج، بل بقدرتها على الحفاظ على المبادئ، وعدم الانجرار إلى التصعيد غير المحسوب. فبينما كانت بعض الأصوات تدعو إلى الرد بالمثل، أو إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع الجزائر، ظل المغرب متمسكاً بخيار التهدئة، مع الاستمرار في الدفاع بحزم عن وحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية. وقد مكنه هذا التوازن من الحفاظ على صورته كدولة مسؤولة تدعو إلى الحوار، دون أن تتنازل عن ثوابتها.
واليوم، وبعد سبعة وعشرين عاماً من هذا المسار، يمكن القول إن العلاقات المغربية الجزائرية تمثل أحد أبرز الأمثلة على فلسفة الملك محمد السادس في إدارة الأزمات الخارجية. فالمغرب لم يغير خطابه الداعي إلى الحوار رغم تغير الظروف، ولم يجعل من التصعيد وسيلة لإثبات القوة، ولم يسمح للخلاف بأن يجر المنطقة إلى مواجهات لا تخدم أحداً. وفي الوقت نفسه، لم يتراجع عن الدفاع عن قضيته الوطنية، ولم يقبل أن تكون الدعوة إلى حسن الجوار مرادفة للتنازل عن السيادة أو التغاضي عن المواقف التي تمس الوحدة الترابية للمملكة.
لقد أثبتت هذه التجربة أن القوة الحقيقية في الدبلوماسية لا تكمن دائماً في الرد القاسي، وإنما في القدرة على الجمع بين الثبات والانفتاح، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والإبقاء على أبواب المستقبل مفتوحة. ولذلك بقيت اليد المغربية ممدودة للحوار، حتى في أشد لحظات التوتر، لأن الرؤية الملكية تعتبر أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن حسن الجوار ليس خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق التاريخ والمستقبل معاً.
وهكذا، تحولت أزمة طويلة ومعقدة إلى شاهد آخر على طبيعة الدبلوماسية الملكية الهادئة؛ دبلوماسية لا تبحث عن الانتصار في معركة إعلامية عابرة، بل عن ترسيخ صورة المغرب كدولة مسؤولة، واثقة من نفسها، متمسكة بحقوقها، لكنها لا تغلق أبواب الحوار، ولا تفقد الأمل في أن يأتي يوم يدرك فيه الجميع أن مستقبل شعوب المنطقة لا يمكن أن يبنى إلا بالتعاون والتكامل، لا بالصراع والانقسام.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي... حين اختار المغرب استعادة موقعه من داخل المؤسسة بدل ترك الساحة لخصومه
من بين أكثر القرارات الاستراتيجية جرأة وبعداً في نظر الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس، يبرز قرار العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود. ولم يكن هذا القرار مجرد عودة شكلية إلى منظمة قارية، ولا تراجعاً عن مواقف المغرب التاريخية، كما حاول خصومه الترويج، بل كان في جوهره انتقالاً من سياسة المقاطعة إلى سياسة المبادرة، ومن ترك الساحة فارغة أمام الخصوم إلى الحضور القوي داخل المؤسسة نفسها، والتأثير في قراراتها، وإعادة صياغة موازين القوى من الداخل.
لقد كان المغرب قد انسحب سنة 1984 من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجاً على قبول عضوية ما يسمى بـ"الجمهورية الصحراوية"، معتبراً ذلك خرقاً لميثاق المنظمة وانحيازاً سياسياً لا يستند إلى الشرعية الدولية. وبقي هذا الموقف قائماً لسنوات طويلة، في مرحلة كانت تعرف استقطاباً دولياً حاداً، وكانت فيها حسابات الحرب الباردة تؤثر في مواقف عدد من الدول الإفريقية. لكن إفريقيا نفسها لم تبق على حالها؛ فقد تغيرت قياداتها، وتغيرت أولوياتها، وبرزت أجيال جديدة من الدول التي أصبحت تنظر إلى الشراكة الاقتصادية والتنمية والاستثمار بوصفها أولويات تتقدم على الصراعات الإيديولوجية التي طبعت العقود السابقة.
وهنا برزت الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس، الذي أدرك أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يمكن أن يظل رهيناً بقرار اتخذ في سياق تاريخي مختلف، وأن الغياب الطويل، مهما كانت مبرراته، لم يعد يخدم المصالح العليا للمغرب، بل يمنح خصومه مجالاً أوسع للتحرك داخل المؤسسة الإفريقية دون مواجهة مباشرة. لذلك لم يكن السؤال المطروح: لماذا يعود المغرب؟ بل كان: لماذا يستمر في ترك مقعده فارغاً بينما تتغير إفريقيا وتتغير معها موازين التأثير؟
لقد جاء القرار الملكي بعد سنوات طويلة من العمل الهادئ في العمق الإفريقي. فلم يبدأ المغرب تحركه يوم العودة إلى الاتحاد، بل بدأه منذ مطلع الألفية الثالثة عبر عشرات الزيارات الملكية إلى بلدان القارة، وإطلاق مشاريع تنموية، وإبرام اتفاقيات اقتصادية، وتأسيس شراكات في مجالات الفلاحة، والأسمدة، والبنوك، والتكوين، والطاقة، والاتصالات، والصحة، والأمن الديني. وكانت تلك الزيارات تحمل دائماً رسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يتوجه إلى إفريقيا باعتبارها مجالاً للمنافسة السياسية فقط، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لتاريخه وهويته ومستقبله الاقتصادي.
وقد نجح هذا الحضور المتواصل في تغيير صورة المغرب داخل القارة. فبعد أن كان يُنظر إليه، في بعض الأوساط، من خلال زاوية النزاع حول الصحراء فقط، أصبح يُنظر إليه كشريك موثوق، ومستثمر رئيسي، وفاعل في التنمية، ودولة تقدم خبراتها في قطاعات متعددة، وتربط علاقاتها بالمشاريع الملموسة لا بالشعارات. وهذا التحول لم يكن وليد حملة دبلوماسية ظرفية، بل نتيجة سياسة إفريقية متكاملة قادها الملك محمد السادس بنفسه، حتى أصبحت المملكة واحدة من أبرز المستثمرين الأفارقة داخل القارة، وأحد أهم الشركاء في مجالات الأمن الغذائي والتكوين المهني والخدمات البنكية والطاقة المتجددة.
وعندما حان موعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، لم يدخل المغرب المؤسسة في موقع الباحث عن التأييد، بل دخلها وهو يحمل رصيداً واسعاً من الثقة والعلاقات الثنائية والشراكات الاقتصادية. ولهذا جاءت عودته مدعومة بتأييد غالبية الدول الإفريقية، في رسالة سياسية قوية أكدت أن القارة التي غادرها سنة 1984 لم تعد هي إفريقيا التي عاد إليها سنة 2017. لقد تغيرت إفريقيا، كما تغير المغرب، وأصبحت لغة المصالح المشتركة أكثر تأثيراً من خطابات الاصطفاف الإيديولوجي.
والأهم من ذلك أن المغرب لم يجعل من وجود الكيان الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي ذريعة للاستمرار في الغياب، بل قرر مواجهة هذا الواقع من داخل المؤسسة. وقد أثبتت السنوات اللاحقة أن هذا الخيار كان أكثر فاعلية من سياسة الكرسي الفارغ. فمن داخل أجهزة الاتحاد، أصبح المغرب يشارك في صياغة السياسات الإفريقية، ويسهم في اتخاذ القرارات، ويطور شراكاته الثنائية، ويعزز حضوره داخل اللجان والمؤسسات، ويمنع خصومه من احتكار الخطاب داخل المنظمة.
كما أن العودة إلى الاتحاد الإفريقي تزامنت مع تحول مهم في المقاربة الأممية لملف الصحراء، حيث أصبح الاتحاد الإفريقي يدعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، بعد أن كان البعض يسعى إلى تحويله إلى إطار موازٍ للتفاوض. وقد شكل هذا التطور مكسباً سياسياً مهماً للمغرب، لأنه أعاد حصر معالجة النزاع داخل الإطار الأممي المعترف به دولياً، وقلص من محاولات توظيف الاتحاد الإفريقي لإنتاج مبادرات موازية أو قرارات خارج هذا الإطار.
ومن جهة أخرى، لم يقتصر الحضور المغربي داخل القارة على العمل السياسي والدبلوماسي، بل اقترن بمشاريع استراتيجية كبرى، من أبرزها المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يربط المغرب بعدد كبير من الدول الإفريقية، إضافة إلى المبادرات المتعلقة بالأمن الغذائي، والأسمدة، والتكوين، والتعاون الديني، وهي مشاريع نقلت العلاقات المغربية الإفريقية من مستوى التضامن التقليدي إلى مستوى الشراكة التنموية بعيدة المدى.
وهكذا، لم تعد إفريقيا بالنسبة للمغرب مجرد فضاء دبلوماسي للدفاع عن الوحدة الترابية، بل أصبحت فضاءً اقتصادياً واستراتيجياً وإنسانياً، تتقاطع فيه المصالح المشتركة، ويجد فيه المغرب عمقه الطبيعي، كما تجد فيه الدول الإفريقية شريكاً يفضل الاستثمار ونقل الخبرة على منطق الهيمنة أو استغلال الثروات.
ولعل أكبر درس يمكن استخلاصه من هذه المحطة هو أن الملك محمد السادس لم يختر الطريق الأسهل. فقد كان بإمكان المغرب أن يستمر في مقاطعة الاتحاد الإفريقي، وأن يواصل انتقاد قراراته من الخارج، لكنه فضل خياراً أكثر صعوبة وأكثر جرأة: العودة إلى المؤسسة، والمنافسة من داخلها، وكسب الحلفاء بالحضور والعمل، لا بالشعارات. وقد أثبتت السنوات أن هذا القرار أعاد للمغرب موقعه الطبيعي داخل قارته، ورسخ صورته كفاعل إفريقي أساسي، وساهم في تعزيز الدعم الإفريقي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، وفي تقليص المساحات التي كان يتحرك فيها خصوم المملكة دون معارضة فعالة.
إنها محطة أخرى تؤكد أن الدبلوماسية الملكية لم تكن دبلوماسية ردود أفعال، بل دبلوماسية مبادرات واستباق. فعندما رأى البعض في العودة إلى الاتحاد الإفريقي مخاطرة سياسية، رآها الملك محمد السادس فرصة لإعادة رسم الخريطة الدبلوماسية للقارة، وإثبات أن أفضل وسيلة للدفاع عن المصالح الوطنية ليست دائماً الانسحاب من ساحة الخلاف، بل دخولها بثقة، والاشتغال داخلها، حتى تتحول مع مرور الزمن إلى فضاء يحقق للمغرب من المكاسب أكثر مما كان يحققه وهو خارجه.
الدبلوماسية الإفريقية... من خطاب التضامن إلى صناعة المصالح وبناء النفوذ
لم يكن الانفتاح المغربي على إفريقيا خلال عهد الملك محمد السادس مجرد امتداد طبيعي لقرار العودة إلى الاتحاد الإفريقي، بل كان مشروعاً استراتيجياً متكاملاً سبق تلك العودة بسنوات، وجعل من القارة السمراء أحد أهم محاور السياسة الخارجية للمملكة. فمنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، أدرك الملك أن إفريقيا لم تعد مجرد فضاء جغرافي تجمعه بالمغرب روابط التاريخ والدين والثقافة، بل أصبحت قارة المستقبل، ومجالاً للتنافس الدولي، وسوقاً اقتصادية واعدة، وخزاناً للموارد الطبيعية، وفضاءً لصناعة التوازنات السياسية الجديدة. ومن هنا جاء القرار الملكي بأن يكون المغرب حاضراً في إفريقيا بالفعل لا بالخطاب، وبالمشاريع لا بالشعارات، وبالشراكات طويلة الأمد لا بالمواقف الظرفية.
لقد كانت إحدى السمات البارزة للدبلوماسية الملكية أنها لم تتعامل مع إفريقيا من منطق "المانح" و"المتلقي"، كما فعلت بعض القوى التقليدية، بل من منطق الشراكة المتكافئة. فالمغرب لم يذهب إلى الدول الإفريقية حاملاً وصفات جاهزة أو باحثاً عن النفوذ بأي ثمن، وإنما ذهب حاملاً تجربة تنموية، وخبرة مؤسساتية، ورؤية تقوم على تحقيق المنفعة المشتركة. ولهذا السبب، كانت كل زيارة ملكية تقريباً تنتهي بتوقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات الاستثمار، والبنية التحتية، والفلاحة، والطاقة، والتعليم، والصحة، والتكوين المهني، والخدمات البنكية، والتأمين، والنقل، والطاقات المتجددة، وهي قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطن الإفريقي، وتؤسس لعلاقات يصعب أن تتأثر بتقلبات السياسة.
وقد حرص الملك محمد السادس على أن تكون الدبلوماسية الاقتصادية أحد أعمدة السياسة الخارجية المغربية. فالدولة التي تريد أن يكون صوتها مسموعاً داخل المنظمات الإقليمية والدولية لا يكفيها أن تمتلك قوة الحجة، بل تحتاج أيضاً إلى قوة الحضور الاقتصادي والاستثماري. ولذلك أصبح المغرب، خلال سنوات قليلة، من أكبر المستثمرين الأفارقة داخل القارة، وتوسعت الأبناك المغربية، وشركات التأمين، ومؤسسات الاتصالات، والمقاولات الوطنية في عدد كبير من الدول الإفريقية، لتتحول إلى أدوات للتقارب الاقتصادي، وإلى جسور للتعاون، وإلى دليل عملي على أن المغرب لا يكتفي بالدفاع عن مصالحه، بل يساهم أيضاً في دعم التنمية الإفريقية.
ولم يقتصر هذا الحضور على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى البعد الإنساني والروحي. فقد أولى الملك محمد السادس اهتماماً خاصاً للتعاون الديني، انطلاقاً من المكانة التاريخية للمغرب في نشر الإسلام الوسطي المعتدل في إفريقيا. ولهذا أنشئ معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي استقبل مئات الطلبة من مختلف الدول الإفريقية، وأسهم في تكوين أطر دينية تجمع بين التأصيل الشرعي والانفتاح الفكري، في مواجهة تنامي خطاب التطرف والعنف. كما واصل المغرب ترميم عدد من المساجد والمآثر الإسلامية، ودعم المجالس العلمية، وتعزيز الروابط الروحية التي ظلت عبر قرون تشكل أحد أهم عناصر التقارب بين المغرب وعمقه الإفريقي.
كما برز البعد الإنساني للدبلوماسية الملكية في طريقة تعاطي المغرب مع الأزمات التي شهدتها القارة، سواء تعلق الأمر بالأوبئة، أو المجاعات، أو الكوارث الطبيعية، أو الأزمات الأمنية. فقد قدمت المملكة مساعدات إنسانية وطبية لعدد من الدول الإفريقية، وأطلقت خلال جائحة كوفيد-19 مبادرة لتوزيع ملايين الجرعات والمعدات الطبية على عدد من الدول الشقيقة، في وقت كانت فيه كثير من الدول الكبرى منشغلة بتأمين احتياجاتها الداخلية. ولم تكن هذه المبادرات مجرد أعمال تضامن عابرة، بل رسخت صورة المغرب كدولة تتحمل مسؤولياتها الإفريقية، وتؤمن بأن الأمن الصحي والغذائي للقارة مسؤولية جماعية.
ومن أهم مظاهر الرؤية الملكية كذلك الانتقال من التعاون الثنائي إلى بناء مشاريع قارية كبرى، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يربط المغرب بعدد كبير من الدول الإفريقية، ويعد واحداً من أكبر المشاريع الطاقية في القارة. فهذا المشروع لا يتعلق فقط بنقل الغاز، بل يمثل رؤية استراتيجية لإقامة فضاء اقتصادي جديد، وربط دول غرب إفريقيا ببعضها البعض، وخلق فرص للاستثمار، والتنمية، والتكامل الاقتصادي، بما يجعل الطاقة وسيلة لبناء الاستقرار والازدهار المشترك.
وفي السياق نفسه، أطلق الملك محمد السادس المبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، التي تهدف إلى تمكين هذه الدول من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية المغربية، بما يفتح أمامها آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار والانفتاح على الأسواق الدولية. وهذه المبادرة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الاستراتيجي المغربي؛ فبدلاً من الاكتفاء بالتعاون التقليدي، أصبح المغرب يقترح حلولاً عملية لمشكلات التنمية والعزلة الجغرافية التي تعاني منها دول الساحل، وهو ما عزز مكانته كشريك موثوق داخل القارة.
ولعل ما يميز السياسة الإفريقية للملك محمد السادس أنها لم تكن رد فعل على تحركات المنافسين، بل كانت مشروعاً قائماً بذاته، يقوم على الإيمان بأن مستقبل المغرب يرتبط أيضاً بمستقبل إفريقيا. ولذلك لم يكن حضور المملكة في القارة مرتبطاً فقط بملف الصحراء المغربية، رغم أهميته، بل أصبح جزءاً من رؤية شاملة تجعل من المغرب بوابة لإفريقيا نحو أوروبا، ومن إفريقيا عمقاً استراتيجياً للمغرب في الاقتصاد والأمن والاستثمار والدبلوماسية.
وقد انعكس هذا الحضور المتنامي على مكانة المغرب داخل المنظمات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت مواقف عدد متزايد من الدول الإفريقية أكثر تفهماً للرؤية المغربية بشأن قضية الصحراء، كما تعززت الشراكات الثنائية، وتوسعت دائرة الدول التي تنظر إلى المغرب باعتباره فاعلاً أساسياً في التنمية والاستقرار، لا مجرد طرف في نزاع إقليمي.
لقد نجحت الدبلوماسية الملكية في تغيير الصورة التقليدية للعلاقات الإفريقية. فلم يعد المغرب مجرد بلد من شمال القارة يتطلع إلى إفريقيا، بل أصبح جزءاً فاعلاً من نهضتها الاقتصادية والسياسية والروحية. وهذا ما جعل حضوره داخل القارة أكثر رسوخاً، وأكسبه رصيداً من الثقة يصعب تحقيقه عبر الخطابات أو البيانات وحدها.
وهكذا، فإن أحد أهم إنجازات سبعة وعشرين عاماً من الدبلوماسية الملكية يتمثل في تحويل إفريقيا من فضاء للتنافس حول النفوذ إلى فضاء لبناء المصالح المشتركة. فحيث كان البعض يرى في القارة ساحة للصراع، رآها الملك محمد السادس فضاءً للتكامل والتعاون، وحيث كان آخرون يقيسون علاقاتهم بعدد المواقف السياسية، كان المغرب يقيس نجاحه بعدد المشاريع التي أُنجزت، والشراكات التي تأسست، والثقة التي بُنيت. ومن هنا أصبحت الدبلوماسية الإفريقية أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الملكية الهادئة التي تتحدث، كما في كل المحطات، بلغة النتائج لا بلغة الشعارات.
رئيسية 








الرئيسية



