Quantcast
2026 أغسطس 15 - تم تعديله في [التاريخ]

مضيق هرمز على حافة الانفجار.. حرب إيران وأمريكا تهدد العالم والمغرب أمام فاتورة طاقة جديدة

السفن تُستهدف والنفط يرتفع والمفاوضات تتعثر.. من يدفع ثمن حرب لا يخوضها؟


مضيق هرمز على حافة الانفجار.. حرب إيران وأمريكا تهدد العالم والمغرب أمام فاتورة طاقة جديدة

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية ضيقة تفصل إيران عن سلطنة عُمان وتربط الخليج العربي ببحر عُمان والمحيط الهندي، بل تحول اليوم إلى واحد من أخطر مفاتيح الاقتصاد العالمي، وإلى ساحة مواجهة يمكن لصاروخ واحد أو مسيّرة واحدة أو قرار سياسي متهور أن يجعل تداعياتها تصل في ساعات قليلة إلى محطات الوقود والأسواق والمصانع وموائد الأسر على بعد آلاف الكيلومترات.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغاربة اليوم ليس فقط: ماذا يحدث بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز؟ بل كذلك: ماذا سيحدث لنا نحن إذا طال أمد هذه الأزمة؟ ومن سيدفع فاتورة حرب لم يقررها المغرب ولم يكن طرفًا فيها؟

هرمز لم يعد مجرد تهديد.. السفن أصبحت أهدافًا

الأحداث تتسارع بشكل مقلق. فقد اتهمت الإمارات إيران باستهداف سفينة تابعة لشركة «أدنوك» أثناء عبورها مضيق هرمز، في حادث جاء ضمن سلسلة هجمات طالت سفنًا إماراتية خلال أيام، بينما سجلت حركة الملاحة عبر المضيق تراجعًا كبيرًا وسط تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية وتعثر المساعي الرامية إلى إعادة فتح الممر أمام حركة تجارية طبيعية وآمنة.

وتصر طهران على أنها صاحبة اليد العليا في المضيق وأن السفن لا يمكنها المرور دون مراعاة شروطها، بينما تؤكد واشنطن من جهتها قدرتها على فرض الضغط البحري والاقتصادي على إيران وضمان الملاحة للسفن التي تسمح لها بالعبور، ليتحول الممر الدولي عمليًا إلى ساحة اختبار للقوة والإرادة بين دولتين تعرفان جيدًا أن الرهان الحقيقي لا يوجد فقط في الميدان العسكري، وإنما في من يستطيع خنق الآخر اقتصاديًا ومن يستطيع تحمل كلفة الصراع مدة أطول.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن البحر لا يعرف حدود الحرب عندما تصبح ناقلات النفط والسفن التجارية جزءًا من المعركة.

عشرون مليون برميل يوميًا تجعل العالم رهينة ممر ضيق

ليس هرمز مضيقًا عاديًا يمكن للأسواق تجاهله أو تعويضه بسهولة. وتفيد الوكالة الدولية للطاقة بأن قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط عبرت المضيق خلال سنة 2025، بينها نحو 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، أي ما يقارب ثلث تجارة الخام العالمية، كما تمر عبره كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ولا توجد مسارات بديلة قادرة على استيعاب كل هذه الكميات إذا استمر التعطيل.

وهذا يعني ببساطة أن العالم يقف أمام عنق زجاجة حقيقي؛ فإذا ضاق هرمز ضاقت معه أسواق الطاقة، وإذا أُغلق أو تعطلت الملاحة داخله فإن المشكلة لن تبقى مشكلة إيران أو الإمارات أو السعودية أو قطر أو الولايات المتحدة، بل ستصبح مشكلة أوروبا وآسيا وإفريقيا وكل دولة تستورد النفط أو الغاز أو السلع التي تعتمد في نقلها وإنتاجها على الطاقة.

فالنفط لا يبقى داخل ناقلاته، بل يدخل في سعر النقل والشحن والطائرة والحافلة والشاحنة والسماد والبلاستيك والصناعة والغذاء، ثم ينتهي به المطاف في جيب المواطن.

النفط بدأ يرسل الإنذار

الأسواق أعطت إشارتها بالفعل. فقد ارتفع خام برنت يوم الجمعة 14 غشت إلى حوالي 88.50 دولارًا للبرميل وسط مخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، في وقت تشير فيه وكالة الطاقة الدولية إلى استمرار صعوبة استعادة التدفقات الطبيعية عبر هرمز وإلى تراجع توقعات العرض العالمي بسبب اضطرابات الشرق الأوسط.

وقد ترتفع الأسعار أو تتراجع من جلسة إلى أخرى مع كل خبر عن مفاوضات أو هجوم أو هدنة، لكن الأخطر من السعر اللحظي هو عدم اليقين.

فالاقتصاد لا يحب المجهول، وشركات النقل والتأمين والشحن لا تنتظر سقوط الصاروخ فوق كل سفينة لكي ترفع تكاليفها؛ يكفي ارتفاع احتمال الخطر حتى ترتفع أقساط التأمين وتتعقد مسارات النقل وتتأخر الشحنات، وهكذا تتحول الأزمة العسكرية تدريجيًا إلى تضخم عالمي.

والمغرب؟ لسنا بعيدين كما قد نعتقد

قد ينظر مواطن مغربي إلى الخريطة ويعتقد أن ما يجري في هرمز بعيد عنه، لكن فاتورة الطاقة لا تعترف بالمسافات.

فالمغرب بلد مستورد للطاقة، وكل ارتفاع قوي ومستدام في أسعار النفط والغاز بالأسواق الدولية يملك قابلية الانتقال إلى كلفة الاستيراد والنقل والإنتاج، ومنها بدرجات متفاوتة إلى الأسعار التي يؤديها المواطن والمقاولة.

والأرقام المغربية الحالية تستحق التوقف عندها؛ إذ تكشف بيانات مكتب الصرف الخاصة بنهاية يونيو 2026 أن العجز التجاري المغربي ارتفع بنسبة 23.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، بينما ارتفعت الفاتورة الطاقية وحدها بنسبة 28.9 في المائة.

أي أننا ندخل مرحلة اضطراب جديدة في هرمز بينما فاتورة الطاقة المغربية ليست أصلًا في وضع يسمح بالتعامل باستخفاف مع ارتفاع جديد ومستدام للأسعار.

وهنا ينبغي ألا ننتظر حتى يصل البرميل إلى مستويات قياسية لكي نطرح الأسئلة.

المواطن قد لا يرى هرمز.. لكنه قد يراه في ثمن ما يشتريه

لن يستيقظ المغربي صباحًا ليجد على فاتورته عبارة «ضريبة حرب هرمز»، لكن التداعيات الاقتصادية قد تأتيه بأسماء أخرى.

قد تأتي عبر ارتفاع تكلفة نقل السلع، أو زيادة كلفة الإنتاج لدى المقاولات، أو الضغط على أسعار المحروقات، أو ارتفاع كلفة بعض المواد المستوردة، أو اتساع عجز الميزان التجاري، أو اضطرار الدولة إلى تعبئة موارد إضافية لمواجهة الصدمات.

فالطماطم التي تُنقل بالشاحنة، والخبز الذي تدخل الطاقة في إنتاجه، والسلع التي تصل عبر الموانئ، والمصنع الذي يحتاج الكهرباء والنقل، كلها حلقات داخل سلسلة واحدة.

وعندما ترتفع كلفة الطاقة لا تسأل هذه السلسلة المواطن المغربي إن كان يؤيد إيران أو أمريكا، وإن كان مع هذه الحرب أو ضدها.

إنها ترسل إليه الفاتورة فقط.

وأين مخزون الستين يومًا من معادلة الأسعار؟

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: إذا كان موزعو المحروقات في المغرب مطالبين أصلًا بتوفير مخزون أمان يعادل ستين يومًا من الاستهلاك، فلماذا يشعر المواطن بارتفاع الأسعار الدولية بسرعة كبيرة عند المضخة؟ صحيح أن مخزون الأمان ليس مجرد بضاعة تجارية عادية يفترض تصريفها قبل كل استيراد جديد، وأن الأسعار أصبحت محررة، لكن ذلك لا يلغي حق المستهلك في التساؤل عن سرعة تمرير الزيادات وبطء الاستفادة من الانخفاضات، وعن مدى انعكاس الكلفة الحقيقية للمخزونات والشحنات المستوردة سابقًا على السعر النهائي. فالعدالة في تحرير الأسعار لا تعني أن يتحمل المواطن تقلبات السوق فور ارتفاعها، بينما ينتظر طويلًا عندما تنخفض.

حرب لا نخوضها.. فلماذا ندفع ثمنها؟

هذه هي المفارقة القاسية في النظام الاقتصادي العالمي.

قد تجلس دولة بعيدة عن مركز القرار العسكري، لا تطلق صاروخًا ولا ترسل جنديًا ولا تغلق مضيقًا، لكنها تجد نفسها مطالبة بدفع جزء من كلفة الصراع من احتياطاتها ومن ميزانها التجاري ومن القدرة الشرائية لمواطنيها.
وهذا ما يجعل قضية الأمن الطاقي بالنسبة للمغرب قضية سيادة وطنية قبل أن تكون مجرد ملف اقتصادي أو بيئي.

فالاستقلال في القرن الحادي والعشرين لا يعني فقط امتلاك القرار السياسي والحدود، وإنما يعني أيضًا أن تكون للدولة أكبر قدرة ممكنة على إنتاج حاجياتها الاستراتيجية وألا يصبح اقتصادها رهينة كاملة لصاروخ يطلق في الخليج أو حرب تندلع في أوروبا أو قرار تتخذه قوة دولية.

المغرب بدأ الطريق.. لكن الأحداث تقول: أسرعوا

لقد اختار المغرب منذ سنوات الاستثمار في الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية ومشاريع الهيدروجين الأخضر وتقوية الشبكة الكهربائية، ووضع هدفًا يتجاوز 52 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة من مصادر متجددة بحلول 2030.

لكن ما يحدث في هرمز اليوم ينبغي أن يجعل الانتقال الطاقي أسرع وأكثر ارتباطًا بالأمن القومي الاقتصادي.

فنحن لا نحتاج الطاقات المتجددة فقط لأن العالم يتحدث عن المناخ، ولا لأن المؤتمرات الدولية تطلب خفض الانبعاثات، وإنما لأن كل ميغاواط نستطيع إنتاجه محليًا من الشمس والرياح والماء هو جزء من فاتورة طاقة لا نرسل ثمنها إلى الخارج، وجزء من الحماية التي نبنيها لاقتصادنا أمام الصدمات الدولية.

ولا يعني هذا أن المغرب قادر غدًا على الاستغناء عن النفط والغاز؛ فالنقل والصناعة وحاجيات الاقتصاد تجعل ذلك غير واقعي في الأجل القصير، لكن الاتجاه يجب أن يكون واضحًا: تقليل الهشاشة قبل وقوع الأزمة المقبلة، لا البحث عن العلاج بعد اشتعالها.

ليست حرب إيران وأمريكا وحدهما

الخطأ أن نختزل ما يجري في مواجهة بين طهران وواشنطن.

إنها أيضًا معركة على طرق التجارة العالمية، وعلى أمن إمدادات الطاقة، وعلى حرية الملاحة، وعلى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل مزيد من الصدمات.

وحين تبدأ السفن التجارية في التحول إلى أهداف عسكرية، ويصبح المرور في أحد أهم المضائق العالمية مرتبطًا بالحسابات العسكرية والمساومات السياسية، فإن العالم كله يدخل منطقة الخطر.

والأخطر أن تجربة السنوات الأخيرة أثبتت أن الأزمات لم تعد تأتي منفردة؛ حرب ترفع أسعار الطاقة، وجفاف يضغط على الغذاء، واضطراب بحري يرفع تكاليف الشحن، وتوتر جيوسياسي يعيد ترتيب الأسواق.

ولا تحتاج الدول الهشة إلى كارثة واحدة ضخمة لكي تسقط اقتصاديًا؛ يكفي أحيانًا تراكم مجموعة من الصدمات الصغيرة والمتوسطة.

افتحوا هرمز قبل أن يضيق على العالم

لا رابح حقيقيًا من تحويل مضيق هرمز إلى زناد مسدس مصوب إلى الاقتصاد العالمي.

إيران قد تملك قدرة كبيرة على تعطيل الملاحة، والولايات المتحدة تملك قوة عسكرية واقتصادية هائلة للضغط عليها، لكن أيا كان المنتصر في اختبار القوة، فإن ملايين المواطنين في دول لا علاقة لها بالصراع قد يكونون من الخاسرين.

ولهذا فإن الحل الحقيقي ليس أن تثبت إيران أنها تستطيع إغلاق المضيق، ولا أن تثبت أمريكا أنها تستطيع فرض إرادتها بالقوة، وإنما أن يعود هرمز ممرًا آمنًا للتجارة الدولية، وأن تعود السياسة إلى طاولة المفاوضات قبل أن يتحول سباق كسر الإرادات إلى كسر للاقتصاد العالمي.

أما بالنسبة للمغرب، فعليه أن يقرأ الرسالة جيدًا.

كل أزمة طاقة عالمية ينبغي أن تجعلنا أقل تبعية في الأزمة التالية.

فلا يمكن تغيير جغرافية هرمز، ولا التحكم في قرارات واشنطن وطهران، ولا منع كل الحروب القادمة، لكن يمكن للمغرب أن يقرر كم سيكون معرضًا لصدماتها.

وهنا يكمن الدرس الأكبر

الحرب قد تبدأ بصاروخ في الخليج، لكن فاتورتها قد تنتهي فوق طاولة أسرة مغربية.

ومن لا يريد أن يدفع ثمن الحروب التي لا يخوضها، عليه أن يبني اليوم ما يستطيع من استقلاله وأمنه الطاقي قبل أن يأتيه الغد بفواتير جديدة.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار