*بقلم: بوشعيب حمراوي*
وجهت المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة رسالة مفتوحة إلى رؤساء الأحزاب السياسية والمنتخبين والمرشحين للاستحقاقات الانتخابية المقبلة والفاعلين السياسيين والحزبيين، دعت من خلالها إلى جعل حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة جزءاً أساسياً من البرامج الانتخابية المقبلة، وعدم الإبقاء عليها في هامش النقاش السياسي أو حصرها في الوعود الظرفية والمناسبات الانتخابية.
وأكدت المنظمة أن رسالتها تأتي باسم الأشخاص الذين يعيشون مع مختلف أنواع الإعاقة وأسرهم، وفي سياق الاستعداد لمحطة انتخابية اعتبرتها فرصة لترجمة الالتزامات إلى سياسات عمومية ملموسة وبناء نموذج تنموي أكثر إنصافاً وشمولاً، مشيرة إلى أن عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب يفوق مليونين وثمانمائة ألف شخص وفق الإحصاءات الوطنية.
وشددت الرسالة على ضرورة تجاوز المقاربة التقليدية التي تتعامل مع الإعاقة من زاوية العطف والإحسان والمساعدات الاستثنائية، والانتقال إلى مقاربة قائمة على الحقوق والمواطنة والكرامة والمساواة، مع مطالبة الأحزاب بأن تتحول تعهداتها الانتخابية إلى التزامات واضحة وقابلة للقياس والتتبع والمساءلة.
التعليم والصحة والحماية الاجتماعية في مقدمة المطالب
ووضعت المنظمة ملف التعليم في صدارة مطالبها، داعية إلى ضمان الولوج الفعلي إلى التعليم الدامج بمختلف المؤسسات التعليمية، وتوفير الدعم البيداغوجي والمواكبة النفسية والوسائل التعليمية الملائمة، إلى جانب تعميم الولوجيات الهندسية والرقمية والتواصلية، وتوفير النقل المدرسي الملائم، خصوصاً بالمناطق القروية وشبه الحضرية، فضلاً عن لغة الإشارة والكتب والمواد التعليمية بصيغ ميسرة، وربط التكوين المهني والمستمر بحاجيات سوق الشغل.
وفي المجال الصحي، طالبت الرسالة بضمان الولوج المجاني أو المدعوم إلى الخدمات الصحية الأساسية والمتخصصة، وتوفير الأجهزة التعويضية والمساعدات التقنية وخدمات إعادة التأهيل والعلاج الوظيفي، مع تهيئة المؤسسات الصحية لاستقبال مختلف أنواع الإعاقة وضمان خدمات الصحة النفسية والإنجابية والجنسية، خصوصاً لفائدة النساء والفتيات في وضعية إعاقة.
كما دعت إلى ضمان استفادة الأشخاص في وضعية إعاقة من منظومة الحماية الاجتماعية دون إقصاء أو تمييز، ومراجعة معايير الدعم الاجتماعي بما يأخذ بعين الاعتبار المصاريف الإضافية التي تفرضها الإعاقة، وإقرار دعم خاص للأسر التي تتولى رعاية أشخاص يحتاجون إلى مساعدة مستمرة.
الشغل والسكن والنقل.. مطالب بإجراءات ملزمة وليست تطوعية
وفي الشق الاقتصادي، طالبت المنظمة باعتماد برامج وطنية ومحلية لتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من العمل اللائق والاستقلال الاقتصادي، وتمويل المشاريع المدرة للدخل مع توفير التكوين والمواكبة التقنية، وإعطاء الأولوية للمقاولات والتعاونيات التي تشغل أشخاصاً في وضعية إعاقة، مع دعم ريادة الأعمال لدى النساء ذوات الإعاقة.
كما دعت إلى تخصيص حصة معتبرة من برامج السكن الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة والأسر التي تضم أشخاصاً في هذه الوضعية، واعتماد معايير الولوجيات منذ مرحلة التصميم والبناء، إلى جانب إقرار إعفاءات أو تخفيضات ضريبية مرتبطة بالتكاليف الإضافية الناتجة عن الإعاقة واقتناء المعدات والأجهزة التعويضية.
وفي مجال النقل، طالبت بتعريفة تفضيلية في وسائل النقل العمومي، ومجانية أو تخفيضات مهمة في بعض الحالات، مع جعل وسائل النقل والمحطات والمرافق ميسرة لمختلف أنواع الإعاقة، وإحداث بطاقة وطنية موحدة للاستفادة من الامتيازات والتسهيلات المرتبطة بالنقل والخدمات.
وذهبت الرسالة أبعد من ذلك بالمطالبة بإقرار كوطا قانونية تدريجية وملزمة لتشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة بالقطاع الخاص، وتعزيز احترام الحصة القانونية في القطاع العام، وربط بعض الامتيازات والتحفيزات العمومية باحترام المقاولات لالتزاماتها، مع فرض آليات للمراقبة والتتبع والجزاء عند الإخلال بالقانون.
من إصدار القوانين إلى تنفيذها ومحاسبة المؤسسات
وركزت الرسالة على أن الإشكال لا يتعلق فقط بوجود التشريعات، بل بمدى تنفيذها، مطالبة بالانتقال من مرحلة إصدار النصوص إلى مرحلة التطبيق الفعلي والتقييم والمساءلة، ومراجعة القوانين التي قد تتضمن تمييزاً مباشراً أو غير مباشر، وملاءمة التشريع الوطني مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وإلزام المؤسسات العمومية والجماعات الترابية بإدماج الإعاقة في مخططاتها وبرامجها وميزانياتها.
كما شددت على أن قضايا الإعاقة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قطاعاً مستقلاً، وإنما باعتبارها بعداً أفقياً يجب أن يحضر في التعليم والصحة والسكن والنقل والتشغيل والثقافة والرياضة والعدالة والتحول الرقمي والتنمية المحلية.
حماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة ومواجهة العنف والتمييز
وأفردت المنظمة حيزاً مهماً للنساء والفتيات ذوات الإعاقة، مطالبة بسياسة وطنية ومحلية لمناهضة مختلف أشكال العنف الذي قد يتعرضن له، سواء كان أسرياً أو مؤسساتياً أو اقتصادياً أو نفسياً أو جنسياً أو رقمياً، مع تيسير ولوج الضحايا إلى خدمات الاستقبال والإيواء والمواكبة النفسية والاجتماعية والقانونية، وتوفير لغة الإشارة ووسائل التواصل البديلة داخل مصالح الشرطة والقضاء والمستشفيات.
كما دعت إلى تجريم ومكافحة أشكال التمييز القائمة على الإعاقة، وضمان المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، وإحداث آليات لرصد حالات التمييز والتبليغ عنها ومعالجتها.
العدالة والحماية المؤسساتية ومجلس وطني مستقل
ومن بين المطالب البارزة أيضاً ضمان ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى العدالة على قدم المساواة، من خلال تهيئة المحاكم ومراكز الشرطة والدرك، وتوفير لغة الإشارة ووسائل التواصل البديلة وتبسيط المساطر والوثائق القانونية، فضلاً عن تكوين القضاة والمحامين وأفراد الأمن والدرك في مجال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
وطالبت المنظمة كذلك بإحداث مجلس وطني مستقل لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة يتولى تتبع وتقييم السياسات العمومية وتقديم التوصيات واقتراح التشريعات، مع تمثيلية فعلية للأشخاص في وضعية إعاقة ومنظماتهم، وتمثيلية وازنة للنساء ذوات الإعاقة، على أن يتمكن المجلس من تلقي الشكايات وإصدار تقرير وطني سنوي حول وضعية الحقوق في هذا المجال.
رسالة إلى الأحزاب: الأشخاص في وضعية إعاقة ناخبون أيضاً
وفي الجانب السياسي، طالبت الرسالة بضمان المشاركة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة السياسية والمدنية، وجعل مراكز ومرافق التصويت والعملية الانتخابية في مجملها ميسرة وولوجية، وتوفير المعلومات الانتخابية بصيغ ملائمة، وتشجيع مشاركة النساء ذوات الإعاقة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة واعتماد إجراءات إيجابية لرفع تمثيليتهن.
واقترحت المنظمة على الأحزاب تضمين برامجها التزاماً انتخابياً واضحاً يجعل حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة جزءاً أساسياً من السياسات العمومية والبرامج المحلية، مع أهداف قابلة للقياس ومؤشرات أداء وميزانيات مخصصة وآليات للتنفيذ والتتبع والمساءلة وإشراك المنظمات الممثلة لهذه الفئة.
واختتمت الرسالة بنبرة حازمة، مؤكدة أن الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم لن يكتفوا بمتابعة الخطابات والوعود، بل سيعملون على مراقبة البرامج وتقييم الالتزامات ومحاسبة الأحزاب على أفعالها بعد الانتخابات، داعية إلى جعل الاستحقاقات المقبلة محطة فاصلة تنتقل فيها الإعاقة من هامش البرامج السياسية إلى صلب الأولويات الوطنية باعتبارها قضية حقوق إنسان وتنمية وديمقراطية ومشاركة.
رئيسية 








الرئيسية 






