*بقلم: بوشعيب حمراوي*
دخلت خارطة مجلس السلام بشأن غزة أول امتحان سياسي حقيقي، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض إسرائيل الخطة ذات البنود الخمسة عشر بصيغتها الحالية، وتمسك بعدم انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة قبل نزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة ومتحقق منها، ليضع بذلك مجلس السلام أمام سؤال سيحدد مصداقية الخارطة برمتها: هل يتم نزع السلاح أولًا كما تريد إسرائيل، أم يسير نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي بصورة مرحلية ومتوازية وتحت آلية دولية للتحقق؟
ويكتسي موقف نتنياهو أهمية خاصة لأنه يأتي في الوقت الذي بدأ فيه مجلس السلام الانتقال من مرحلة إعلان المبادئ إلى التحضير لبعض آليات التنفيذ على الأرض، وفي مقدمتها قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن يكون للمغرب حضور بارز داخلها.
«الغارديان» تكشف تفاصيل المشروع... منشأة تستوعب نحو 150 عنصرًا مغربيًا
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة «The Guardian» البريطانية، في تقرير نشرته يوم 6 غشت الجاري، أن مجلس السلام شرع في إجراءات أول عقد بناء له، ويتعلق بإنشاء قاعدة أو منشأة عسكرية مخصصة في مرحلتها الأولى لاستقبال نحو 150 عنصرًا مغربيًا ضمن قوة الاستقرار الدولية في غزة.
وبحسب الصحيفة، فإن المخطط الأولي يتحدث عن منشأة بأبعاد تقارب 100 متر في 120 مترًا، أي بمساحة تناهز 12 ألف متر مربع، على أرض تقع داخل قطاع غزة في منطقة تخضع حاليًا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وعلى بعد نحو خمسة كيلومترات من الحدود مع إسرائيل، فيما أشارت إلى أن الأشغال يفترض أن تنجزها شركة إسرائيلية تحت إشراف قوة الاستقرار الدولية.
وأوضحت «الغارديان» أن المشروع يمثل أول عقد بناء يصدره مجلس السلام، وأن المنشأة المغربية تشكل مرحلة أولى ضمن مخطط أوسع لإقامة مواقع تستوعب قوات من دول أخرى مشاركة في قوة الاستقرار، مع ضرورة التأكيد على أن إجراءات العقد، وقت نشر التقرير، كانت لا تزال في مراحلها النهائية ولم يكن المشروع قد اكتمل بعد على الأرض.
المغرب ينتقل من الالتزام السياسي إلى الاستعداد الميداني
وتكتسب هذه المعلومات أهمية أكبر بالنظر إلى أن المغرب سبق أن أعلن مساهمته في قوة الاستقرار الدولية، وهو من الدول الخمس المؤسسة التي أبدت استعدادها للمساهمة بقوات، ما يجعل التحضير لمنشأة خاصة بالعناصر المغربية مؤشرًا على انتقال المشاركة تدريجيًا من الالتزام السياسي إلى الاستعداد العملي والميداني.
غير أن بروز المغرب داخل هذه الترتيبات يأتي في لحظة شديدة الحساسية، لأن القوة الدولية تستعد للقيام بمهامها بينما لا يزال الخلاف قائمًا حول أحد أهم شروط الانتقال إلى المرحلة الجديدة، وهو العلاقة بين نزع سلاح حماس والفصائل وبين الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
نتنياهو يفتح معركة «من ينفذ أولًا؟»
رفض نتنياهو للخارطة يعيد القضية كلها إلى سؤال بسيط في صياغته لكنه بالغ الخطورة في نتائجه: من سينفذ التزاماته أولًا؟
فإذا نزعت حماس والفصائل سلاحها بصورة كاملة قبل الانسحاب، كما تريد الحكومة الإسرائيلية، فإن الفلسطينيين سيصبحون مطالبين بتنفيذ التزام غير قابل للتراجع بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بقرار إسرائيل وتقييمها لشروط التنفيذ؛ أما إذا جرى نزع السلاح والانسحاب بصورة متزامنة ومتدرجة وتحت رقابة دولية، فإن كل طرف سيحصل على ضمانات عملية مقابل ما ينفذه من التزامات.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لمجلس السلام، لأن قدرته على مطالبة حماس والفصائل بتنفيذ ترتيبات السلاح ينبغي أن تقابلها قدرة مماثلة على ضمان تنفيذ إسرائيل مراحل الانسحاب، وإلا اختل التوازن الذي يفترض أن تقوم عليه الخارطة.
المغرب يتقدم ميدانيًا... والخارطة تدخل أخطر امتحاناتها
نحن إذن أمام تطورين متزامنين يحملان دلالات كبيرة: نتنياهو يرفض خارطة البنود الخمسة عشر بصيغتها الحالية ويتمسك بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب، بينما يبدأ مجلس السلام في الجهة المقابلة ترتيباته الميدانية، وتكشف «الغارديان» أن أول عقد بناء له يتعلق بمنشأة مخصصة لاستقبال نحو 150 عنصرًا مغربيًا ضمن قوة الاستقرار الدولية.
وهذا الحضور المغربي يمنح المملكة موقعًا بارزًا داخل ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، لكنه يجعل وضوح مهمة القوة الدولية وهدفها أمرًا بالغ الأهمية، بحيث تكون قوة انتقالية تساعد على تثبيت الاستقرار ومواكبة الانسحاب الإسرائيلي وبناء القدرات الفلسطينية، لا قوة تحل محل الاحتلال أو تتحول إلى وجود دائم داخل غزة.
أما مجلس السلام، فقد بدأ امتحانه الحقيقي قبل أن يبدأ تنفيذ الخارطة بالكامل؛ فإذا أراد أن يفرض على الفلسطينيين التزامات واضحة في ملف السلاح، فعليه أن يضمن التزامات واضحة وموازية على إسرائيل في ملف الانسحاب، لأن السلام لا يمكن أن يقوم على نزع سلاح طرف ثم مطالبة الطرف الآخر بالانسحاب عندما يرى هو أن الوقت أصبح مناسبًا، وإنما على التزامات متبادلة ومتزامنة ومضمونة، تنتهي بغزة مستقرة وإدارة فلسطينية حقيقية ومسار سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية.
رئيسية 








الرئيسية 





