Quantcast
2026 يوليو 30 - تم تعديله في [التاريخ]

هكذا صُنعت موجة الهجرة إلى إسبانيا بهدف التشويش المجاني

مدريد تكشف خلفيات التدفق نحو سبتة: شبكات الهجرة استغلت حكماً قضائياً يضمن حقوق المهاجرين القاصرين وروّجته باعتباره باباً مفتوحاً للبقاء..


هكذا صُنعت موجة الهجرة إلى إسبانيا بهدف التشويش المجاني

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

لا أحد ينكر ما تعيشه فئات واسعة من المواطنين من صعوبات اقتصادية واجتماعية، ولا أحد يستطيع أن ينكر وجود أوضاع إنسانية قاسية دفعت كثيراً من الأسر إلى الإحساس بالإحباط والقلق على المستقبل. كما لا يمكن لأحد أن يرفض حق المواطنين في التعبير عن غضبهم واستيائهم من البطالة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، أو أن يلوم شاباً يبحث عن فرصة عمل كريمة داخل الوطن أو خارجه، فالبحث عن الرزق حق مشروع، والسعي إلى تحسين ظروف العيش غريزة إنسانية لا ينازع فيها أحد.
لكن، في المقابل، فإن الاعتراف بهذه الحقائق لا يكفي وحده لتفسير ما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة من تدفق مفاجئ وكثيف لشباب مغاربة و أفارقة، تزامن في توقيته، وتشابه في أسلوبه، وتكرر في رسائله، على نحو يثير أكثر من علامة استفهام. فمن الصعب الاعتقاد بأن مئات الشباب قرروا، في اللحظة نفسها، خوض مغامرة السباحة نحو الضفة الأخرى من دون أن يكون ذلك مسبوقاً بحملات تعبئة وتحريض وتضليل واسعة النطاق.


وفي تقديري، فإن ما وقع لم يكن مجرد رد فعل عفوي على الظروف الاجتماعية، بل جاء أيضاً نتيجة عمل منظم قامت به شبكات الاتجار بالبشر، التي استغلت حكماً قضائياً إسبانياً وروجت له بصورة مضللة، حتى أوهمت آلاف الشباب وأسرهم بأن الوصول إلى إسبانيا أصبح يضمن البقاء وتسوية الوضعية القانونية. وهو ما أكدت وزارة الداخلية الإسبانية نفسها أنه كان أحد الأسباب التي غذّت موجة الهجرة الأخيرة.

ومن هنا تبرز الفرضية الثانية التي تستحق النقاش في إطار الرأي والتحليل، وهي أن توقيت هذه الموجة، المتزامن مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، لم يكن حدثاً عادياً بالنسبة لمن يسعون إلى استغلال كل مناسبة وطنية لصناعة روايات إعلامية سلبية عن المملكة. فالفضاء الرقمي يشهد منذ سنوات نشاطاً مكثفاً لآلاف الحسابات التي تهاجم المغرب ورموزه ومؤسساته، وتعمل على تضخيم الأخبار السلبية، وترويج الإشاعات والمعلومات المضللة، وإعادة تدوير المحتويات المسيئة، بما يجعل من المشروع التساؤل: هل استُغل هذا الحدث أيضاً لإنتاج مشهد إعلامي يطغى على أجواء الاحتفال الوطني، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تزامن زمني؟ .

الحكم القضائي الإسباني... كيف تحول نص قانوني إلى وقود لموجة الهجرة؟

من بين أكثر الأسئلة التي فرضت نفسها بقوة بعد موجة الهجرة الأخيرة نحو سبتة المحتلة، سؤال يتعلق بالحكم القضائي الإسباني الذي تحدثت عنه وزارة الداخلية الإسبانية، واعتبرته عاملاً رئيسياً استغلته شبكات الاتجار بالبشر لتشجيع الشباب على الهجرة غير النظامية.
فالحكم، في حقيقته، لم يكن قراراً سياسياً بفتح الحدود، ولم يكن إعلاناً بمنح الإقامة لكل من يصل إلى الأراضي الإسبانية، كما لم ينص على إلغاء قوانين الهجرة أو وقف عمليات الترحيل بصورة عامة. وإنما تناول مسائل قانونية محددة، من بينها تعزيز الضمانات القانونية لبعض الفئات، وخاصة القاصرين غير المرفقين، وإلغاء بعض القيود الإدارية التي رأت المحكمة أنها لا تنسجم مع التشريعات الإسبانية والأوروبية، مع التشديد على أن كل ملف يظل خاضعاً للدراسة وفق ظروفه الخاصة.
غير أن شبكات الاتجار بالبشر لم تكن معنية بحقيقة الحكم، بقدر ما كانت معنية بطريقة تسويقه. فقد جرى اختزال عشرات الصفحات القانونية في عبارة واحدة رُوجت على نطاق واسع عبر تطبيقات التراسل ومنصات التواصل الاجتماعي: "إسبانيا فتحت أبوابها... ومن يصل إليها لن يُرحَّل."
وهكذا، تحولت قراءة قانونية معقدة إلى شعار دعائي بسيط يسهل تداوله بين الشباب والأسر، ويغذي لديهم الاعتقاد بأن مجرد الوصول إلى سبتة أو إلى أي نقطة من التراب الإسباني سيمنحهم الحق في البقاء، وأن السلطات الإسبانية لن تتمكن من إعادتهم إلى المغرب.
ولم يكن مستغرباً، بعد ذلك، أن تخرج وزارة الداخلية الإسبانية نفسها لتحذر من هذا التضليل، مؤكدة أن شبكات تهريب البشر استغلت الحكم القضائي لتسويق معلومات غير دقيقة، وإقناع أعداد متزايدة من الشباب بخوض مغامرة محفوفة بالمخاطر. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن الجهة المكلفة بتدبير ملف الهجرة في إسبانيا لم تُرجع ما وقع إلى الظروف الاجتماعية وحدها، بل رأت أن حملات التضليل التي قادتها شبكات التهريب لعبت دوراً أساسياً في تغذية موجة العبور.
وهنا يبرز سؤال أكبر: إذا كانت شبكات التهريب استطاعت، خلال فترة وجيزة، أن تقنع هذا العدد من الشباب بالمخاطرة بحياتهم في البحر، فكم من الوقت استغرق إعداد هذه الحملة؟ وكم من الصفحات والحسابات والمجموعات الرقمية شاركت في نشر هذه الرواية؟ وكم من الأسر صدقت أن فرصة استثنائية قد فُتحت أمام أبنائها؟
إن ما وقع يؤكد أن الهجرة السرية لم تعد تُدار فقط من الشواطئ والغابات، بل أصبحت تُدار أيضاً من الهواتف الذكية، ومن المنصات الرقمية، ومن غرف افتراضية تصنع الأمل الكاذب، وتسوّق الوهم على أنه حقيقة، وتتعامل مع أحلام الشباب باعتبارها سلعة تدر ملايين اليوروهات على شبكات لا يهمها سوى الربح، حتى ولو كان الثمن أرواحاً تُبتلع في عرض البحر.

لماذا تزامنت موجة الهجرة مع عيد العرش؟... قراءة في حرب الصورة والتشويش الرقمي

إذا كان استغلال الحكم القضائي الإسباني يفسر جانباً من أسباب اندفاع أعداد من الشباب نحو سبتة المحتلة، فإن ذلك لا يمنع من طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا وقع ذلك في هذا التوقيت بالذات؟
إن اختيار الزمن ليس أمراً ثانوياً في عالم الحروب الإعلامية، بل هو في كثير من الأحيان نصف المعركة. فكلما كان الحدث متزامناً مع مناسبة وطنية كبرى، تضاعفت قيمته الإعلامية، واتسعت دائرة انتشاره، وأصبح أكثر قدرة على التأثير في الرأي العام داخل البلاد وخارجها.
ومن هذا المنطلق، فإن تزامن موجة الهجرة مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش يثير، في تقديري، أسئلة مشروعة تستحق النقاش. فهذه المناسبة ليست مجرد احتفال رسمي، بل هي محطة وطنية تؤكد عمق العلاقة التاريخية بين العرش والشعب، وتستعرض ما تحقق من منجزات، وتستقطب اهتمام الإعلام الوطني والدولي. ولذلك فإن أي حدث سلبي يتزامن معها ستكون له، بطبيعة الحال، قدرة أكبر على خطف الأضواء وتحويل مسار النقاش العام.
ولا أدعي أن هذا التزامن وحده يثبت وجود مخطط منظم، لكن من المشروع أن نتساءل: من المستفيد من أن تتحول صور الشباب وهم يسبحون نحو سبتة إلى العنوان الأول على المنصات الرقمية، في الوقت الذي كان فيه المغاربة يحتفلون بعيد العرش؟ ومن المستفيد من أن تُختزل صورة المغرب، في تلك الأيام، في مشاهد الهجرة، بدلاً من أن تتجه الأنظار إلى ما تمثله هذه المناسبة من رمزية وطنية وسياسية؟
إن هذه الأسئلة تزداد وجاهة إذا استحضرنا أن الفضاء الرقمي لم يعد فضاءً عفوياً، بل أصبح ساحة صراع مفتوحة، تُدار فيها حملات تأثير ممنهجة، وتُستثمر فيها الأخبار والصور ومقاطع الفيديو لتحقيق أهداف تتجاوز مجرد نقل الخبر.
لقد أصبح من الواضح أن المغرب يتعرض، منذ سنوات، لمؤامرات وحملات رقمية متواصلة، تشارك فيها أعداد كبيرة من الحسابات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي. وتختلف الجهات التي تقف وراء هذه الحسابات، كما تختلف دوافعها، لكن القاسم المشترك بينها هو السعي إلى تضخيم كل حدث سلبي، وإعادة إنتاجه مئات وآلاف المرات، وربطه باستنتاجات سياسية وإعلامية تستهدف صورة المملكة ومؤسساتها ورموزها.
وتكاد لا تمر مناسبة وطنية أو إنجاز دبلوماسي أو اقتصادي أو رياضي للمغرب إلا ويواكبه، في المقابل، سيل من المحتويات التي تحاول التقليل من قيمته، أو التشكيك فيه، أو صرف الأنظار عنه، أو إغراق المنصات بقضايا أخرى، أو إعادة تدوير إشاعات قديمة، أو نشر أخبار غير دقيقة، أو تضخيم وقائع معزولة حتى تبدو وكأنها تعبر عن واقع البلد بأكمله.
ولا يعني هذا أن كل انتقاد للمغرب أو للحكومة أو للمؤسسات يدخل ضمن هذا الإطار؛ فالنقد المسؤول جزء من الحياة الديمقراطية، والاختلاف في الرأي حق مشروع. لكن شيئاً مختلفاً تماماً يحدث عندما تتحول بعض الحسابات إلى أدوات لنشر الأخبار الكاذبة، أو لاجتزاء الوقائع من سياقها، أو لترويج الإشاعات، أو لتضخيم كل ما من شأنه بث الإحباط وفقدان الثقة، أو للإساءة إلى مؤسسات الدولة ورموزها، دون أي التزام بأخلاقيات النقاش أو التحقق من المعلومات.
ومن هنا، فإن قراءة ما جرى في سبتة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني أو الاجتماعي فقط، بل يجب أن تمتد إلى الجانب الإعلامي والرقمي أيضاً. فالمعركة اليوم لم تعد تُخاض عند الأسوار والأسلاك الحدودية وحدها، وإنما تُخاض كذلك على شاشات الهواتف، وفي تطبيقات التراسل، وعلى المنصات الرقمية، حيث تُصنع الروايات، وتُدار حملات التأثير، وتُوجَّه العواطف، وتُبنى القناعات، وقد يُدفَع شباب بأكمله إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على إشاعة أو مقطع فيديو أو رسالة مجهولة المصدر.
إن أخطر ما في هذه الحروب أنها لا تستهدف الحدود الجغرافية للدول بقدر ما تستهدف حدود الوعي، لأن إسقاط ثقة المواطن في وطنه، وفي مستقبله، وفي مؤسساته، قد يكون أخطر من أي اعتداء مادي. ولذلك فإن حماية الأمن الوطني لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت أيضاً مسؤولية الإعلام، والأسرة، والمدرسة، والنخب الفكرية، وكل مواطن يدرك أن الكلمة والصورة والمنشور قد تتحول، في زمن الفضاء الرقمي، إلى أدوات تأثير لا تقل خطورة عن أي وسيلة أخرى.

عندما تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات حرب... من يقود معركة التأثير على عقول الشباب المغاربة؟

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الجيوش والأسلحة التقليدية، ولم يعد استهداف الدول يتم فقط عبر الحدود أو الضغوط السياسية والاقتصادية، بل ظهرت جبهة جديدة لا تقل خطورة، هي جبهة الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي ميادين مفتوحة لحروب نفسية وإعلامية تستهدف الدول والشعوب، وتعمل على توجيه الرأي العام، وصناعة الانطباعات، والتأثير في القرارات الفردية والجماعية.
والمغرب، باعتباره بلداً يحقق خلال السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والرياضية، لم يكن بمنأى عن هذا النوع من الحروب. فمن يتابع ما ينشر يومياً على المنصات الرقمية يلاحظ وجود نشاط مكثف لحسابات وصفحات تعمل، بصورة شبه دائمة، على مهاجمة المملكة، والتشكيك في مؤسساتها، والإساءة إلى رموزها، وتضخيم كل خبر سلبي، وتقديمه وكأنه يعكس حقيقة المغرب بأكمله، بينما يتم تجاهل أو التقليل من شأن أي إنجاز أو نجاح تحققه البلاد.

ولا يعني هذا أن كل من ينتقد السياسات العمومية أو أداء الحكومة أو يختلف مع بعض الاختيارات يدخل ضمن هذه الخانة؛ فالنقد المسؤول حق مشروع، وهو عنصر أساسي في أي مجتمع يسعى إلى الإصلاح. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يبحث عن الحلول، وبين حملات التضليل التي تقوم على نشر الأخبار الكاذبة، واجتزاء الوقائع من سياقها، وصناعة الإشاعات، وإعادة تدويرها آلاف المرات، حتى تتحول في نظر البعض إلى حقائق.
لقد أصبحت بعض الحسابات الرقمية تعتمد أسلوباً ثابتاً يقوم على التقاط أي حدث معزول، ثم تضخيمه بصورة غير مسبوقة، وربطه باستنتاجات سياسية عامة، وإعادة نشره في عشرات الصفحات والمجموعات والمنصات، في محاولة لخلق انطباع بأن المغرب يعيش حالة انهيار دائم، وأن مؤسساته عاجزة، وأن المستقبل مسدود، وهي رواية تتكرر كلما حقق المغرب مكسباً دبلوماسياً، أو نظم تظاهرة دولية، أو احتفل بمناسبة وطنية جامعة.
ومن هذا المنطلق، فإن موجة الهجرة الأخيرة لا يمكن فصلها، في إطار التحليل، عن البيئة الرقمية التي سبقتها ورافقتها. فقبل نزول الشباب إلى البحر، كانت الرسائل تنتشر في الهواتف، وكانت مقاطع الفيديو تتداول بكثافة، وكانت الإشاعات تُبث على مدار الساعة، وكان الحكم القضائي الإسباني يُقدم بصورة مغلوطة، وكأنه تصريح رسمي بفتح الحدود. وبعد انطلاق موجة العبور، انتقلت المعركة إلى مرحلة أخرى، حيث تكاثرت الصور والمقاطع والمنشورات التي ركزت على مشاهد السباحة والعبور، في محاولة لترسيخ صورة ذهنية سلبية عن المغرب، وتقديم هذه المشاهد وكأنها تعبر عن إرادة شعب بأكمله، لا عن تصرفات فئة محددة تأثرت بظروف اجتماعية وبحملات تضليل.
إن أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تستهدف فقط تشويه صورة الدولة في الخارج، بل تعمل أيضاً على ضرب الثقة داخل المجتمع نفسه. فهي تغذي الإحباط، وتدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن لا مستقبل لهم في وطنهم، وتصور الهجرة وكأنها الحل الوحيد، وتزرع الشك في كل نجاح، وتفتح الباب أمام الإشاعة لتنافس الحقيقة، وأمام الانفعال ليحل محل التفكير، وأمام الدعاية لتطغى على المعلومة الموثوقة.
ولهذا، فإن معركة حماية الوطن لم تعد مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها، بل أصبحت معركة وعي وثقافة وإعلام وتربية. فالدول التي تنجح في حماية حدودها قد تخسر الكثير إذا تُركت عقول شبابها نهباً للإشاعات والدعاية السوداء. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبح لزاماً على الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والنخب الفكرية، ومؤسسات المجتمع المدني، أن تنخرط في بناء مناعة رقمية حقيقية، تُحصّن الشباب من الوقوع ضحية لخطابات اليأس، أو لحملات التضليل، أو لمهربي البشر الذين لا يتاجرون بالقوارب فقط، بل يتاجرون أيضاً بالأحلام وبالعقول.

نعم للإصلاح... ولا لتحويل معاناة المغاربة إلى سلاح ضد وطنهم

لا يمكن بناء وطن قوي بإنكار المشاكل، كما لا يمكن حماية الدولة بتجاهل معاناة المواطنين. فالمغرب، مثل غيره من الدول، يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، وهناك شباب ينتظر فرص الشغل، وأسر تعاني من غلاء المعيشة، ومناطق تحتاج إلى مزيد من العدالة المجالية، وقطاعات تستوجب إصلاحات أعمق وأكثر جرأة. وهذه الحقائق لا ينبغي التهرب منها أو التقليل من أهميتها، لأن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على إخفاء اختلالاتها، بل بقدرتها على الاعتراف بها ومعالجتها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة المقبلة، وكل المؤسسات المعنية، مطالبة بأن تجعل من التشغيل، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر والهشاشة، واستعادة ثقة الشباب، أولويات لا تقبل التأجيل، لأن المواطن الذي يشعر بالإنصاف والكرامة والأمل هو أقدر الناس على الدفاع عن وطنه، وأقلهم قابلية للوقوع في شباك مهربي البشر أو حملات التضليل.
لكن، وفي المقابل، فإن وجود هذه التحديات لا يمنح أحداً الحق في استغلالها للإضرار بالمغرب، أو تحويل معاناة المواطنين إلى مادة للدعاية السوداء، أو إلى وسيلة للتشويش على المناسبات الوطنية، أو إلى أداة لبث الإحباط وفقدان الثقة داخل المجتمع. فالفرق كبير بين المطالبة بالإصلاح، وبين العمل على إضعاف الدولة، والفرق أكبر بين النقد المسؤول، وبين حملات التضليل التي توظف الأكاذيب والإشاعات، وتستثمر آلام الناس لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحة المواطن المغربي.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن أخطر ما يواجه الدول اليوم ليس فقط شبكات تهريب البشر، بل أيضاً شبكات تهريب الحقيقة. فالأولى تتاجر بأجساد الشباب، والثانية تتاجر بعقولهم. الأولى تدفعهم إلى ركوب أمواج البحر، والثانية تدفعهم إلى فقدان الثقة في وطنهم، وإلى تصديق كل إشاعة، وإلى اعتبار كل إنجاز وهماً، وكل أزمة نهاية للدولة.

ولذلك، فإن المعركة الحقيقية لم تعد تقتصر على حماية الحدود البرية والبحرية، وإنما أصبحت معركة لحماية الوعي الوطني، وتعزيز الثقافة الرقمية، وترسيخ التفكير النقدي، حتى لا يصبح المواطن أسيراً لمنشور مجهول، أو ضحية لمقطع فيديو مضلل، أو أداة في حرب إعلامية لا يدرك أبعادها.
إن حب الوطن لا يعني السكوت عن الأخطاء، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني التنكر للوطن أو التشكيك في مؤسساته. فالوطن يتسع للنقد الصادق، ويتقوى بالحوار المسؤول، ويكبر بالإصلاح الجاد، لكنه يضعف عندما تتحول معاناة أبنائه إلى سلعة تتاجر بها شبكات تهريب البشر، أو إلى مادة تستغلها حملات التضليل لتشويه صورته وضرب استقراره.

ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو أن ينتصر المغاربة، جميعاً، للحقيقة قبل الإشاعة، وللوطن قبل الحسابات الضيقة، وللإصلاح قبل الفوضى، وللأمل قبل اليأس. لأن المغرب لم يواجه عبر تاريخه التحديات بالاستسلام، وإنما واجهها دائماً بوحدة شعبه، وقوة مؤسساته، ووعي أبنائه، وإيمانهم بأن الأوطان تُبنى بالنقد المسؤول والعمل الجاد، لا بالأكاذيب، ولا بحملات التشويه، ولا بالمغامرات التي لا تخدم إلا المتربصين بأمن البلاد واستقرارها.

هكذا صُنعت موجة الهجرة إلى إسبانيا بهدف التشويش المجاني

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار