Quantcast
2026 سبتمبر 21 - تم تعديله في [التاريخ]

هل يعلم الإسبان أن ملكهم السابق كان يقرّ عمليًا بمغربية سبتة ومليلية؟

من محاضر البرلمان الإسباني إلى برقية دبلوماسية أمريكية وملاحظات مدير جهاز المخابرات… وثائق مدريد وحلفائها تكشف أن مستقبل سبتة ومليلية لم يكن دائمًا ملفًا مغلقًا داخل دوائر الحكم الإسبانية، وأن ما كان يُناقش سرًا أكثر تعقيدًا بكثير مما يُقال اليوم علنًا.


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
خوان كارلوس ناقش تسليم مليلية، وبحث وضعًا خاصًا لسبتة، والوثائق تكشف حواره مع الحسن الثاني بشأن حل يعيد المدينتين ويحفظ ماء وجه إسبانيا

هل يعلم الإسبان أن ملكهم السابق خوان كارلوس الأول، الذي حكم إسبانيا لنحو أربعة عقود، لم يكن دائمًا يتعامل مع سبتة ومليلية بالطريقة القطعية التي يقدم بها الخطاب الإسباني الرسمي وضع المدينتين اليوم؟

وهل يعلمون أن الرجل الذي كان رأس الدولة الإسبانية ناقش سرًا إمكان تسليم مليلية إلى المغرب، وفكّر في منح سبتة وضعًا خاصًا، ثم عاد بعد سنوات ليتحدث مع مدير جهاز مخابراته عن ضرورة الاستعداد للتفاوض بشأن مليلية؟

ليس الأمر رواية مغربية صيغت في الرباط، ولا خطابًا عاطفيًا بُني على الأمنيات، بل معطيات ظهرت في برقية دبلوماسية أمريكية رُفعت عنها السرية، وفي ملاحظات مدير جهاز المخابرات الإسباني، ثم في مذكرات خوان كارلوس نفسه.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كانت سبتة ومليلية، في نظر رأس الدولة الإسبانية، أرضين إسبانيتين لا يمكن أصلًا أن تكون سيادتهما موضوع نقاش، فلماذا كان يفكر في تسليم إحداهما والتفاوض بشأن الأخرى؟

لسنا في حاجة إلى وثيقة كتب فيها خوان كارلوس حرفيًا: «سبتة ومليلية مغربيتان». فالإقرار السياسي لا يأتي دائمًا في جملة مباشرة؛ إذ تكشفه أحيانًا طبيعة التفاوض والبدائل التي يناقشها صاحب القرار.

◆ سبتة لم تولد إسبانية… ولمليلية تاريخ معروف دخلتها فيه القوات القشتالية

قبل الوصول إلى خوان كارلوس، ينبغي أن نستعيد بداية الحكاية.

استولى البرتغاليون على سبتة يوم 21 غشت 1415 بقيادة الملك جواو الأول. وتصف المصادر البرتغالية الرسمية الحدث بوضوح بأنه «غزو سبتة»، بل تعتبره بداية التوسع البرتغالي فيما وراء البحار.

وبعد اتحاد التاجين الإسباني والبرتغالي، ثم انفصال البرتغال، بقيت المدينة مرتبطة بالتاج الإسباني، وأقرت معاهدة لشبونة لسنة 1668 ببقائها تحت السيطرة الإسبانية.

أما مليلية، فتحدد المؤسسة العسكرية الإسبانية نفسها يوم 17 شتنبر 1497 تاريخًا لدخول القوة التي قادها بيدرو دي إستوبينيان إليها وضمها إلى تاج قشتالة، وتستخدم عبارة «الاستيلاء على مليلية» لوصف الحدث.

ثم توالت السيطرة الإسبانية على مواقع أخرى في الساحل المغربي، من بينها بادس والحسيمة، بينما لم يبدأ «النفوذ الإسباني الفعلي» على جزر الجعفريات إلا يوم 6 يناير 1848، وفق التاريخ الذي تسجله وزارة البيئة الإسبانية نفسها.

نحن، إذن، أمام أماكن لها تواريخ محددة دخلت فيها تحت السيطرة البرتغالية أو القشتالية أو الإسبانية، وليست مدنًا يمكن محو تاريخها السابق بجملة سياسية حديثة.

◆ إسبانيا نفسها ناقشت تسليم مليلية والثغور إلى المغرب

الأمر لا يتوقف عند الكيفية التي دخلت بها تلك المواقع تحت السيطرة الإسبانية.

ففي بداية القرن التاسع عشر، وخلال الأزمة الكبرى التي عرفتها إسبانيا إبان الحرب ضد نابليون، ناقشت كورتيس قادس التخلي عما كان يسمى «الثغور الصغرى» لفائدة المغرب، مقابل حصول إسبانيا على المؤن والمواد الغذائية.

وتكشف الوثائق البرلمانية الإسبانية أن جلسات سنة 1811 ناقشت بيع تلك الثغور أو التنازل عنها للمغرب مقابل تزويد الجيش الإسباني بالمؤن، وأن الموضوع تكرر أكثر من مرة داخل الجلسات السرية للبرلمان.

ثم نجد في الجريدة الرسمية الإسبانية، سنة 1821، مناقشة شديدة الوضوح بشأن مليلية وباقي الثغور، اعتبرت أن الاحتفاظ بها أصبح مكلفًا، وتحدثت عن مشروع لمبادلتها بالحبوب والماشية والخيول والبغال مع المغرب.

وتذكر الوثيقة نفسها أن مجلس الوصاية كان قد حصل، في 2 شتنبر 1811، على تفويض من الكورتيس لمتابعة الفكرة.

واللافت أن النص الإسباني أشار إلى عقبات دينية وسياسية اعترضت المشروع، واقترح حتى الاستعانة بشخصية دينية لإقناع سلطان المغرب بتغيير موقفه.

أي إن مدريد نفسها كانت، منذ أكثر من قرنين، تناقش إمكان التخلي عن مليلية والثغور.

فكيف يصبح مجرد الحديث عن مستقبلها اليوم «مساسًا بأرض إسبانية لا تقبل النقاش»؟

◆ 1979… خوان كارلوس يبحث تسليم مليلية إلى المغرب

ثم نصل إلى الوثيقة التي تغير كثيرًا من طريقة قراءة موقف الملك الإسباني السابق.

في 30 أبريل 1979، استقبل خوان كارلوس، في قصر ثارثويلا، السيناتور الأمريكي إدموند موسكي، مبعوث الرئيس جيمي كارتر، والسفير الأمريكي لدى مدريد تيرينس تودمان.

كان الحديث سريًا.

لكن السفارة الأمريكية سجلت مضمونه في برقية دبلوماسية أرسلتها إلى واشنطن، ورُفعت عنها السرية لاحقًا. واطلعت وكالة «أوروبا برس» على البرقية، كما أحال إليها المؤرخ الإسباني تشارلز باول.

وتفيد البرقية بأن خوان كارلوس اعتبر أن القضية الكبرى بين إسبانيا والمغرب تتمثل في المدينتين الواقعتين في شمال إفريقيا، وأن مليلية يمكن تسليمها إلى المغرب خلال مدة زمنية قصيرة نسبيًا.

وتوقع الملك اعتراض المؤسسة العسكرية الإسبانية، لكنه اعتقد أنه يستطيع احتواء ذلك الاعتراض.

أما سبتة، فكان تصوره بشأنها أكثر تعقيدًا بسبب عدد سكانها الإسبان الأكبر، ولذلك ناقش إمكان منحها وضعًا دوليًا شبيهًا بالنظام الذي عرفته طنجة بين سنتي 1923 و1956.

هذه ليست رواية مغربية.

إنها خلاصة ما سجلته السفارة الأمريكية عن كلام ملك إسبانيا.

ومن هنا يأتي السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: لو كانت مليلية بالنسبة إلى خوان كارلوس مثل مدريد، فكيف أمكنه أن يناقش تسليمها إلى المغرب؟

ولو كانت سبتة عنده مثل إشبيلية، فلماذا بحث لها عن وضع دولي مختلف؟

لا تعادل هذه البرقية اعترافًا قانونيًا رسميًا بالسيادة المغربية، ولا ينبغي تحميلها ما لا تحتمله. لكنها تكشف، في تقديري، إقرارًا سياسيًا عمليًا بأن وضع المدينتين لم يكن، حتى في ذهن رأس الدولة الإسبانية، ملفًا مغلقًا ونهائيًا إلى الأبد.

◆ 1984… خمس سنوات مرت والفكرة لم تختفِ

ربما يقال إن كلام سنة 1979 كان مجرد تفكير عابر خلال جلسة خاصة.

لكن ملاحظات من أرشيف إيميليو ألونسو مانغلانو، المدير السابق لجهاز المخابرات الإسباني «سيسيد»، تجعل هذا التفسير صعبًا.

فبحسب ما نُشر من ملاحظات مانغلانو عن لقائه بخوان كارلوس يوم 2 نونبر 1984، قال الملك إن مليلية «ليست سهلة الدفاع»، وإن على الدولة أن تبدأ الاستعداد للتفاوض بشأنها مع المغرب، بينما رأى إمكان تعزيز وضع سبتة.

خمس سنوات مرت على برقية 1979، ومع ذلك ظل التفاوض بشأن مليلية حاضرًا في تفكير الملك الإسباني.

وأيًا يكن الموقف من هذا التصور، فإنه يؤكد أن مستقبل المدينة لم يكن داخل أعلى دوائر الحكم الإسبانية موضوعًا معدومًا أو مستحيل النقاش.

◆ الحسن الثاني أراد استرجاع المدينتين… وبحث عن مخرج يحفظ ماء وجه إسبانيا

في المقابل، لم يكن الملك الحسن الثاني يخفي موقف المغرب.

ففي يناير 1987، وجّه، عبر وزير الداخلية الإسباني خوسيه باريونويفو، رسالة إلى خوان كارلوس يقترح فيها إنشاء «خلية تفكير» مغربية إسبانية لدراسة مستقبل سبتة ومليلية والتفاوض بشأن إعادتهما إلى السيادة المغربية.

ووصفت الصحافة الإسبانية نفسها المقترح، في ذلك الوقت، بأنه تفاوض بشأن «إعادة» المدينتين إلى السيادة المغربية.

لكن أهم ما في مقترح الحسن الثاني أنه لم يبنِ الحل على إذلال إسبانيا أو تجاهل مصالحها.

ففي خطاب العرش يوم 3 مارس 1987، أكد أن الحل ينبغي أن يحمي «حقوق المغرب غير القابلة للتقادم»، ويراعي في الوقت نفسه «المصالح الحيوية لإسبانيا في المنطقة».

وهذه عبارة شديدة الدلالة.

كان المغرب يطالب بما يعتبره حقًا تاريخيًا، لكنه كان يقترح الوصول إلى تسوية تحافظ على مصالح إسبانيا، وتتيح لمدريد الخروج من الملف من دون إحساس بالإهانة أو الهزيمة.

أي: استرجاع المدينتين مع حفظ ماء وجه إسبانيا.

◆ خوان كارلوس أكد أن القضية كانت مطروحة بين الملكين

بعد عقود، جاءت مذكرات خوان كارلوس «المصالحة» لتضيف قطعة أخرى إلى الصورة.

فالملك الإسباني السابق يتحدث في مذكراته عن الخلاف القائم بين البلدين بشأن سبتة ومليلية، وعن علاقته الوثيقة بالملك الحسن الثاني، التي كانت تسمح لهما بمعالجة القضايا الحساسة بصورة مباشرة.

وينقل عن الحسن الثاني قوله بشأن المدينتين:

«الجيل القادم سيكون عليه أن يحل هذه القضية».

وهنا ينبغي التوقف عند عبارتين: «هذه القضية» و«الجيل القادم».

إذن، كانت هناك قضية تناقش بين الملكين، وكان الحسن الثاني يرى أن حلها قد لا يتحقق في جيلهما، بل قد ينتقل إلى جيل الملك محمد السادس والملك فيليبي السادس.

◆ الإقرار العملي لا يحتاج دائمًا إلى ختم رسمي

صحيح أن إسبانيا لم تصدر اعترافًا قانونيًا بمغربية سبتة ومليلية، ولا يزال موقفها الرسمي يعتبرهما جزءًا من الدولة الإسبانية.

وهذا واقع سياسي وقانوني لا ينبغي إخفاؤه.

لكن هناك أيضًا واقعًا تاريخيًا لا يجوز محوه.

فإسبانيا ناقشت في القرن التاسع عشر التخلي عن مليلية والثغور للمغرب.

وخوان كارلوس ناقش سنة 1979 إمكان تسليم مليلية إلى المغرب، وتغيير وضع سبتة.

وعاد سنة 1984، وفق ملاحظات مدير جهاز مخابراته، إلى الحديث عن الاستعداد للتفاوض بشأن مليلية.

واقترح الحسن الثاني سنة 1987 مفاوضات تبحث إعادة المدينتين، مع الحفاظ على المصالح الإسبانية.

ثم جاء خوان كارلوس نفسه ليخبرنا، بعد عقود، بأن الحسن الثاني كان يعتبر الأمر «قضية» ينبغي للجيل المقبل حلها.

بالنسبة إليّ، هذا هو معنى الإقرار السياسي العملي.

فالملك الذي يناقش شروط انتقال مدينة إلى دولة أخرى يقر عمليًا بأن وضعها قابل للتفاوض.

والملك الذي يبحث عن مخرج سياسي لمدينة ثانية يعترف بأن هناك ملفًا ينتظر الحل.

والملك الذي يتحاور لسنوات مع ملك المغرب بشأن مستقبل المدينتين لا يستطيع التاريخ أن يقدمه كما لو كان يعتبر مجرد الحديث عنهما أمرًا مستحيلًا.

قد تختلف إسبانيا مع المغرب بشأن السيادة، وقد تتمسك مدريد بموقفها القانوني والسياسي، لكن وثائقها ووثائق حلفائها تكشف أن ما كان يقال سرًا أكثر تعقيدًا بكثير مما يقال اليوم علنًا.

مات الحسن الثاني من دون أن يرى الحل.

وتنازل خوان كارلوس عن العرش من دون أن ينجزه.

وبقيت العبارة التي نقلها الملك الإسباني السابق معلقة بين ضفتي المضيق:

«الجيل القادم سيكون عليه أن يحل هذه القضية».

الجيل القادم موجود اليوم.

أما القضية، فلم تختفِ لمجرد أن مدريد لا تريد مناقشتها.

وثائق إسبانية وأمريكية تعيد فتح ملف سبتة ومليلية من قلب التاريخ
وثائق إسبانية وأمريكية تعيد فتح ملف سبتة ومليلية من قلب التاريخ

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار