Quantcast
2026 أغسطس 8 - تم تعديله في [التاريخ]

وصايا اللَّمّة من أجل أوطان في القمّة: كيف نحمي الإنسان والوطن في زمن الرقمنة والحروب والضجيج والكراهية؟


وصايا اللَّمّة من أجل أوطان في القمّة: كيف نحمي الإنسان والوطن في زمن الرقمنة والحروب والضجيج والكراهية؟

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

نعيش زمنًا غريبًا بكل المقاييس؛ زمنًا اختصرت فيه التكنولوجيا المسافات حتى أصبح العالم كله تقريبًا داخل هاتف صغير نحمله في جيوبنا، وأصبح بإمكان كلمة تكتب في أقصى الأرض أن تصل في ثوان إلى ملايين البشر، وصورة واحدة أن تصنع تعاطفًا أو غضبًا أو فتنة، وإشاعة صغيرة أن تتحول إلى حقيقة في أذهان الآلاف قبل أن تجد الحقيقة الوقت الكافي لارتداء حذائها واللحاق بها، وأصبح الإنسان محاصرًا كل يوم بسيل من الأخبار والصور والمواقف والتعليقات التي تريد منه أن يغضب ويحب ويكره ويحكم ويصطف ويهاجم، حتى بات الحفاظ على هدوء العقل ونظافة القلب وسلامة الضمير نوعًا من المقاومة اليومية في عالم يربح فيه كثيرون من غضبنا وانقسامنا وخوفنا.

وفي هذا الزمن الرقمي الصاخب، حيث الحروب لم تعد كلها جيوشًا تتقدم ودبابات تعبر الحدود وطائرات تقصف المدن، وإنما أصبحت هناك أيضًا حروب للمعلومة والصورة والرواية والثقة والوعي، وحسابات مجهولة قد تفعل أحيانًا في تماسك مجتمع ما لا تفعله أسلحة كثيرة، أصبح علينا أن نعيد اكتشاف واحدة من أقدم وأبسط وأقوى وسائل حماية الإنسان والوطن: اللَّمّة؛ تلك القدرة على أن نبقى مختلفين دون أن نصبح أعداء، وأن نتنافس دون أن نتآمر، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نحاسب دون أن ننتقم، وأن نحمي الوطن دون أن نحول الوطنية إلى مبرر للصمت عن أخطائه.

هذه ليست دروسًا ألقيها على أحد، ولا وصايا رجل يدعي أنه امتلك الحقيقة، وإنما بعض ما علمتني إياه الحياة وما أراه حولي من تحولات متسارعة؛ كلمات أوجهها إلى نفسي أولًا، ثم إلى شقيقاتي وأشقائي، وإلى أبنائنا وبناتنا الذين وجدوا أنفسهم أمام عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي نشأنا فيه، لعلنا نستطيع أن نترك لهم، إلى جانب ما نورثه من ممتلكات وأسماء وذكريات، شيئًا أهم: عقلًا لا تستعبده الخوارزميات، وقلبًا لا تسكنه الكراهية، وضميرًا لا يباع، ووطنًا يعرف أبناؤه كيف يختلفون داخله دون أن يهدموه.

الوصية الأولى: لا تجعل هاتفك يفكر بدلًا منك… فالعقل الذي يتنازل عن حقه في السؤال يصبح سهل الاختطاف

الهاتف الذي بين أيدينا أداة عظيمة للمعرفة والتواصل والعمل والتعلم، لكنه يستطيع كذلك أن يتحول إلى نافذة يدخل منها التضليل والخوف والكراهية إذا سلمناه عقولنا دون سؤال أو تمحيص، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان في زمن الرقمنة هو أن يعتقد أن كل ما يصل إلى شاشته حقيقة، وأن كثرة المشاركات دليل، وأن ارتفاع عدد المشاهدات شهادة صدق، وأن الحساب الذي يصرخ أكثر يعرف أكثر.

قبل أن تشارك خبرًا اسأل عن مصدره، وقبل أن تنشر صورة اسأل عن تاريخها ومكانها، وقبل أن تتهم إنسانًا اسأل نفسك إن كنت تملك دليلًا، وقبل أن تغضب بسبب مقطع لا يتجاوز ثواني اسأل عما حدث قبله وبعده؛ لأنك قد تكتشف أنك كنت مجرد حلقة مجانية في سلسلة تضليل طويلة، وأن إصبعك الذي ضغط زر المشاركة ساهم، دون قصد، في ظلم إنسان أو إشعال خصومة أو نشر خوف أو تسميم مجتمع.

لا تجعل سرعة الإنترنت أسرع من ضميرك، ولا تجعل إصبعك يسبق عقلك؛ ففي زمن الرقمنة قد يكون التوقف لثوان قبل الضغط على زر «النشر» شكلًا من أشكال المسؤولية الوطنية والأخلاقية.

الوصية الثانية: لا تسمح للخوارزميات بأن تختار لك من تحب ومن تكره

من أخطر ما يميز عالمنا الجديد أننا نعتقد أننا نختار كل ما نراه، بينما تختار لنا الخوارزميات الكثير مما يصل إلينا، وتكرر أمامنا ما يثير غضبنا وفضولنا، حتى قد يجد الإنسان نفسه بعد مدة داخل غرفة لا يسمع فيها إلا صدى أفكاره، ولا يرى إلا أخطاء من يختلف معهم، ولا يلتقي إلا بمن يؤكدون له أنه دائمًا على حق وأن الآخرين دائمًا على باطل.

وهنا تبدأ الكراهية صغيرة ثم تكبر؛ تعليق ساخر، ثم شتيمة، ثم تشهير، ثم تخوين، ثم يصبح المختلف عدوًا، ويصبح سقوطه مصدر فرح، وننسى أن خلف الحساب الذي نهاجمه إنسانًا له أسرة وأطفال ومشاعر وكرامة.

احذروا أن تتحول هواتفكم إلى مصانع صغيرة للكراهية، وأن تصبحوا عمالًا مجانيين في خطوط إنتاج الفتنة دون أن تدركوا ذلك.

الوصية الثالثة: لا تورثوا أبناءكم أحقادكم… أعطوهم أدوات التفكير واتركوا لهم حرية اكتشاف الحقيقة

أخطر ميراث يمكن أن نتركه لأبنائنا ليس الفقر، لأنهم قد يتغلبون عليه بالعلم والعمل، وإنما عقل مغلق وقلب مملوء بالكراهية وقائمة طويلة بأسماء أشخاص وشعوب وفئات طلبنا منهم أن يكرهوها دون أن يعرفوا لماذا، فالطفل الذي نعلمه اليوم أن يشتم من نختلف معه قد يشتمنا غدًا عندما يختلف معنا، والذي نعلمه الكذب دفاعًا عن جماعتنا سيتعلم أن الحقيقة مجرد أداة يمكن تغييرها عندما تتعارض مع المصلحة.

علموا أبناءكم أن يسألوا، وأن يشكوا في المعلومة قبل أن يشكوا في الإنسان، وأن يقولوا «لا أعرف» عندما لا يعرفون، وأن يقولوا «أخطأت» عندما يخطئون، وأن يغيروا مواقفهم عندما تتغير المعطيات بدل أن يغيروا المعطيات حتى توافق مواقفهم.
لا تعلموا أطفالكم من يكرهون؛ علموهم كيف يفكرون، لأن من يمتلك عقل طفل يستطيع أن يصنع منه غدًا عالمًا أو متطرفًا أو مواطنًا صالحًا أو أداة في يد غيره.

الوصية الرابعة: الحرب الجديدة قد تبدأ بإشاعة… فلا تكونوا جنودًا مجانيين فيها

كنا نعرف الحرب من صوت المدافع والطائرات، أما اليوم فقد تسبقها حرب أخرى أكثر هدوءًا؛ حرب على الوعي والثقة والذاكرة والرواية، حيث يمكن لصورة قديمة أن تقدم باعتبارها حدثًا جديدًا، ومشهد وقع في بلد أن ينسب إلى بلد آخر، وتصريح أن يقتطع من سياقه، وحساب مجهول أن ينتحل صفة شخص أو مؤسسة، ثم تنتشر الأكذوبة لأن آلاف الناس ساهموا في توزيعها مجانًا.
لهذا فإن حماية الوطن لم تعد مسؤولية الجندي والشرطي والمؤسسات الأمنية وحدهم، بل أصبح للمواطن دور في أمنه المعلوماتي والرقمي؛ عندما يتحقق قبل أن ينشر، ويرفض التشهير، ويحمي بياناته، ولا يشارك ما لا يعرف مصدره، ولا يسمح للغضب بأن يحوله إلى أداة لنشر ما قد يضر مجتمعه.

في حروب الأمس كان العدو يبحث عن موقع عسكري يخترقه، وفي بعض حروب اليوم قد يبحث عن عقل غاضب يستطيع أن يسكنه، وعن هاتف متسرع يستطيع أن يستعمله.

الوصية الخامسة: اختلفوا في كل شيء… ولكن لا تجعلوا الوطن غنيمة المنتصر وضحية المنهزم

اختلفوا في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والانتخابات والحكومة والمعارضة، وانتقدوا المسؤولين وواجهوا الفساد وطالبوا بالمحاسبة، لأن الوطن الذي يمنع أبناءه من النقد لا يحمي نفسه وإنما يحرمها من فرصة تصحيح الأخطاء، لكن تعلموا في المقابل أن الوطن أكبر من الحكومة والحزب والمسؤول والانتخابات، وأن الحكومات تمر والأشخاص يغادرون والمناصب تنتهي، بينما يبقى الوطن بيتًا مشتركًا للأجيال التي ولدت وللأجيال التي لم تولد بعد.

لا تجعلوا غضبكم من مسؤول يتحول إلى غضب من وطن، ولا تجعلوا معارضتكم لحكومة تتحول إلى أمنية بفشل البلد، ولا تجعلوا حبكم للوطن مبررًا لتبرير أخطاء المسؤولين؛ فالوطنية الناضجة تعرف كيف تقول للمحسن أحسنت وللمخطئ أخطأت دون أن تغير حبها للوطن في الحالتين.
الوطن ليس حكومة حتى تكرهه بسبب أخطائها، ولا حزبًا حتى تهجره بسبب قيادته، ولا مسؤولًا حتى تهجره غضبًا منه؛ الوطن هو البيت، ومن الحكمة أن تصلح النافذة المكسورة بدل أن تحرق البيت كله لتتخلص منها.

الوصية السادسة: لا تبحثوا عن الله في المساجد وحدها… فهناك أبواب للسماء تفتح من بيوت الفقراء

صلوا وادعوا واستغفروا، ولكن لا تتركوا دينكم عند أبواب المساجد بعد انتهاء الصلاة؛ فهناك في الأحياء الهامشية والقرى النائية وبيوت الأرامل وغرف المرضى وبين الأطفال الذين يريدون الدراسة ولا يملكون مستلزماتها أبواب للخير مفتوحة ليلًا ونهارًا، تنتظر من يطرقها بيد رحيمة دون تصوير ولا استعراض ولا إذلال.
قد يكون أقرب طريق لك إلى الخير في جار يخفي حاجته حفاظًا على كرامته، أو مريض يؤجل شراء دوائه، أو طفل قد يترك المدرسة، أو أسرة أنهكها الفقر، وقد نبحث طويلًا عن أبواب كبيرة للحسنات بينما نعبر كل يوم بجانب أبواب صغيرة لا نلتفت إليها.

فالعبادة التي لا تجعل الإنسان أرحم بالناس تحتاج إلى مراجعة أثرها، واليد التي ترتفع إلى السماء بالدعاء ينبغي أن تعرف كيف تمتد في الأرض لمساعدة المحتاج.

الوصية السابعة: أصلحوا أخطاءكم الصغيرة قبل أن تتحول إلى فساد كبير

لا يولد الفساد عملاقًا، بل يولد شغبا صغيرا، فنطعمه نحن حتى يكبر. ولا تبدأ كل الجرائم بجرائم، وإنما قد تبدأ بخطأ صغير وجدنا له عذرًا، ثم كررناه حتى أصبح عادة، ثم دافعنا عنه حتى أصبح في نظرنا حقًا؛ رشوة صغيرة، كذبة صغيرة، غش بسيط، محسوبية لصديق، ظلم نبرره لأن ضحيته لا تعنينا، ثم نستيقظ يومًا لنجد أنفسنا نشتكي من مجتمع ساهم كل واحد منا بطريقة ما في صناعة جزء من اختلالاته. 
لا تقولوا إن الجميع يفعل ذلك، لأن أخطر جملة تسبق انتشار الخطأ هي: «الجميع يفعل ذلك»، ولا تقولوا إن خطأ شخص واحد لن يغير شيئًا، لأن كل فساد جماعي هو في النهاية مجموع تنازلات فردية صغيرة.

أطفئوا الشر وهو شرارة، وعالجوا الخطأ وهو صغير؛ فإخماد شرارة أسهل من مطاردة حريق، وتقويم غصن صغير أسهل من محاولة تقويم شجرة بعدما اشتد عودها. والتخلص من مفرقعات عاشوراء المهددة لحيوات الناس داخل الحومة والدوا، يجنبنا تفريخ كائنات بشرية تهوى اللعب بالقنابل والمتفجرات الحقيقية.

الوصية الثامنة: لا تجعلوا المال والمظاهر مقياس النجاح… فهناك من يملك كل شيء إلا نفسه

اعملوا واجتهدوا وابحثوا عن النجاح والرزق، ولكن لا تجعلوا المال سيدًا بعدما خلق ليكون وسيلة، ولا تقيسوا قيمة الإنسان بسيارته وبيته وهاتفه وحسابه البنكي وعدد متابعيه، لأن زمن الرقمنة أضاف إلى أوهامنا وهمًا جديدًا اسمه «الصورة»، فأصبح البعض يعيش من أجل أن يبدو سعيدًا أكثر مما يعيش لكي يكون سعيدًا، ويشتري ما لا يحتاجه ليقنع أشخاصًا لا يعرفهم بأنه ناجح.

قد يمتلك الإنسان ملايين المتابعين ولا يجد شخصًا واحدًا يطرق بابه عندما يمرض، وقد يجمع الأموال ويخسر أسرته وراحته وضميره، وقد يعيش إنسان بسيط بلا شهرة ولا ثروة ثم يغادر تاركًا وراءه آلاف القلوب التي تدعو له.

لا تجعلوا أبناءكم يرثون ممتلكاتكم فقط؛ اتركوا لهم اسمًا نظيفًا يستطيعون حمله مرفوعي الرأس، فهناك أثرياء لا يملكون في الحقيقة إلا المال.

الوصية التاسعة: لا تؤجلوا الاعتذار والمحبة… فالموت لا يقرأ جداول مواعيدنا

نعيش وكأن الغد مضمون، فنؤجل زيارة الوالدين ومصالحة الأخ والاعتذار للصديق وكلمة الحب والشكر، ونحتفظ في صدورنا بكلمات جميلة كأننا ندخرها لوقت مناسب، ثم يأتي وقت نملك فيه كل الكلمات ولا نجد من نقولها له.
الحياة، وإن تجاوزت القرن، لا تعدو أن تكون في ميزان الزمن لحظة قصيرة؛ طفولة تمر، وشباب نظنه طويلًا، وشيب يفاجئنا، ثم تتحول سنوات كاملة إلى صور وحكايات، ولذلك لا تجعلوا خصومة صغيرة تأكل سنوات من أعماركم، ولا تسمحوا للكبرياء بأن يحرمكم ممن تحبون.
بعض الأبواب إذا أغلقتها الأيام لا تفتحها كل مفاتيح الندم، وبعض الكلمات إذا تأخرت تتحول من اعتذار كان ممكنًا إلى رثاء لا يغير شيئًا.

الوصية العاشرة: تمسكوا بالشرف… ففي عالم يستطيع فيه الإنسان إخفاء هويته يبقى الضمير هويته الحقيقية

وأوصيكم شقيقاتي وأشقائي بالشرف، خصوصًا في زمن أصبح فيه الإنسان قادرًا على الاختباء خلف اسم مستعار وصورة مزيفة وحساب مجهول، فيسب ويشتم ويكذب ويشهر ثم يغلق هاتفه معتقدًا أنه نجا؛ لكنه قد ينجو من الناس ولا ينجو من نفسه، لأن الشرف الحقيقي ليس ما نفعله أمام الكاميرات، وإنما ما نفعله عندما نعتقد أن أحدًا لا يرانا.
الشرف أن تقول الحقيقة عندما يكون الكذب مربحًا، وأن تحفظ الأمانة عندما تكون الخيانة سهلة، وأن ترفض المال الذي لا تستحقه، وأن لا تدوس على كرامة إنسان لكي تصعد، وأن تبقى الشخص نفسه في العلن والخفاء.
وقد قلت في شبابي، وما زلت أرى أن هذين البيتين يحملان من المعنى ما يتجاوز زمن كتابتهما. 
سِمة العقل الشرف… إن غاب عنه انحرف
ذبل الحق وانجرف… وعاش الباطل في ترف

الوصية الأخيرة: تَلَمُّوا قبل أن تعلمكم الأزمات والحروب قيمة بعضكم

هذه هي الوصية التي تختصر كل الوصايا: تَلَمُّوا؛ لا بمعنى أن تتشابه أفكاركم أو تنتهي اختلافاتكم، وإنما أن تتعلموا كيف تحمون المساحة المشتركة التي تجمعكم، وأن تدركوا أن لَمّة الشعب ليست صورة جماعية ولا شعارًا للاحتفالات، وإنما هي أحد أقوى خطوط الدفاع عن الوطن في زمن الحروب التقليدية والرقمية والنفسية والإعلامية.

تَلَمُّوا ضد الفساد لا حوله، وضد الجهل لا حوله، وضد الفقر والإقصاء واليأس والكراهية والتضليل، واجعلوا اختلافكم وسيلة لإنتاج حلول أفضل لا لإنتاج أعداء جدد، وتذكروا أن الوطن يحتاج إلى مواطنين ينتقدونه حبًا فيه، ومسؤولين يسمعون النقد بدل محاربته، وإعلام يبحث عن الحقيقة، ومدرسة تعلم التفكير، وأسرة تربي على الأخلاق، وشباب يعرفون أن الهاتف نافذة على العالم وليس بديلًا عنه.

نريد أن نترك لأبنائنا وطنًا أكثر عدلًا وأقل حقدًا، مدارس أكثر جودة، ومستشفيات أكثر كرامة، وكتبًا أكثر وإشاعات أقل، وأشجارًا أكثر وحرائق أقل، وفرصًا أكثر ويأسًا أقل، ونريد أن نترك لهم فضاءً رقميًا لا يصبح فيه السب بطولة، ولا التشهير صحافة، ولا الكذب رأيًا، ولا التنمر حرية تعبير.

فالأوطان لا تسقط فقط عندما يقوى أعداؤها؛ قد تضعف عندما يتعب أبناؤها من بعضهم، وعندما تصبح هزيمة الأخ أهم من انتصار الوطن، وعندما يستطيع منشور مجهول أن يفرق بين أبناء بلد واحد أكثر مما تستطيع سنوات التاريخ أن تجمعهم.

كلنا مغاربة، وكلنا ركاب سفينة واحدة؛ من حقنا أن نختلف حول الربان والاتجاه والسرعة وطريقة إدارة الرحلة، لكن ليس من حق أحد أن يثقب السفينة لأنه لم يعجبه مسارها ثم يتوهم أن الماء سيغرق خصومه وحدهم. 
فلنختلف ولكن لا نفترق، ولننتقد ولكن لا نهدم، ولنغضب ولكن لا نظلم، ولنحاسب ولكن لا ننتقم، ولنستعمل التكنولوجيا دون أن نسمح لها باستعمالنا، ولنفتح نوافذنا على العالم دون أن نترك أبواب أوطاننا وبيوتنا وعقول أبنائنا مشرعة لكل من يريد العبث بها.

وفي زمن استطاعت فيه الرقمنة أن تجمع ملايين البشر في فضاء واحد خلال ثوان، لا ينبغي أن نسمح لها بأن تجعل كل واحد منا وحيدًا خلف شاشته، غاضبًا من أخيه، خائفًا من جاره، مستعدًا لتصديق كل ما يفرقهما.

اللَّمّة قوة، والقوة أمان، والأمان استقرار، والاستقرار بناء، والبناء طريق الأوطان إلى القمة؛ وفي زمن الرقمنة والحروب والضجيج والكراهية، قد تكون أعظم معركة نربحها هي أن نحافظ على الإنسان إنسانًا، وعلى العقل حرًا، وعلى القلب سليمًا، وعلى المجتمع متماسكًا، وعلى الوطن بيتًا يتسع لنا جميعًا.

وصايا اللَّمّة من أجل أوطان في القمّة: كيف نحمي الإنسان والوطن في زمن الرقمنة والحروب والضجيج والكراهية؟

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار