Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam







أسئلة ملحة ... فهل من إجابات؟ بقلم l l يونس التايب



هل لاحظتم كيف أصبحت سلوكات الأفراد تتميز بالتسرع في تحليل الأمور وبلورة المواقف، وتغير المزاج بشكل مفاجئ وانفعالي، غير موضوعي وغير عقلاني؟





 
هل لاحظتم كيف ظهرت قدرة عجيبة لدى كثير من الناس على الانتقال، بين عشية وضحاها، من حالة الرضا والإعجاب والقول الجميل في حق الأفراد أو الهيئات، أو في وصف الواقع، إلى حالة من عدم الرضا والغضب والتهجم والنعت بأقبح الأوصاف؟
 
هل لاحظتم أن ذلك يحدث في أوقات كثيرة، دون أن يكون لهذا التحول أسباب وجيهة أو منطقية، وأحيانا، فقط، بمجرد حدوث أي خطأ عادي، أو ظهور اختلافات بشأن موقف معين، أو صدور رأي لم يعجب، أو اتخاذ قرار لا يخدم مصلحة معينة؟ 
 
هل يعقل أن ينطلق بشكل عشوائي و دون سابق إنذار، قصف انفعالي، من كل الجهات، لا تفريق فيه بين الأشخاص وبين الهيئات وبين المؤسسات، ولا بين الفاعلين الخواص والعموميين، "غير اللي جا في الطريق تياخذ حقو" من القول الغليظ ومن الانتقاد وحتى من السب واللعن والتهجم؟ 
 
هل من الضروري أن تكون الإدانة في حق شخص أو هيأة أو مؤسسة، بشكل فوري دون تريث ولا تحقق ولا تواصل ولا حوار؟
 
هل صارت ذاكرتنا قصيرة لا تحتفظ بحسنات وبأفضال الأيام السابقة، بحيث أنه فور حدوث أي هفوة عادية أو غير مقصودة، أو صدور موقف معين بسبب ضعف إنساني من النوع العادي الذي يمكن أن يقع فيه كل البشر، ينطلق الانتقاد والتجريح والتعريض بالغير، و"عينك ما تشوف إلا النور" كما يقول إخواننا المصريون؟؟
 
هل صار لكل واحد منا رصيد هائل من القسوة، يجعلنا لا نتسامح، ولا نقبل الاختلاف، ولا نرحم الضعفاء، ولا نتجاوز على من يخطأ؟
 
إلى ماذا تحيل هذه الحالة بالضبط؟ هل أصبح حبنا لمصالحنا الذاتية على حساب مصالح الناس، متجاوزا  حتى للقيم الإنسانية الأساسية و للقانون؟  
 
هل يمكن القول أننا دخلنا في حالة سكيزوفرينيا جماعية، لها أعراض إكلينيكية متقدمة، أبرز مظاهرها أننا أصبحنا نريد الشيء ونقيضه، في الحياة الاجتماعية بين الأفراد، وفي السياسة وفي تدبير الشأن العام وفي الاقتصاد وفي التمثلات الثقافية لأشياء كثيرة، ونتحرك في ذلك كله بمنطق، "ما سوقناش..." و"ماشي شغلي..." و"تفوتني وتجي في من بغات ... "؟ 
 
لماذا صار كثير من الناس قادرين بسهولة، بدون حرج ولا حياء، على اعتقاد أشياء معينة في دواخلهم، و جهرا يعبرون عن نقيض ذلك كله؟
 
هل هي حالة اضطراب نفسي، تسبب فيها قلق مجتمعي وتوجس من كل شيء، وأصبحت، في زمننا هذا، ترمز إلى خلل في التوازن النفسي والسلوكي؟ 
 
هل علينا أن نبحث عن أسباب كل ذلك، في واقع السياسات العمومية التربوية والاجتماعية والاقتصادية، المتبعة خلال السنوات الأخيرة، التي لم تهتم بتحقيق الطمأنينة ونشر القيم الأساسية التي تساعد على حفظ التوازن السلوكي والنفسي للناس؟ 
 
أم علينا اعتبار هذا الأمر، نتيجة طبيعية لتراجع مصادر التأطير الكلاسيكية  في المجال الفكري و الثقافي والتربوي والاجتماعي، وتعويضها بديناميكيات تأطيرية عبثية وشحنات إعلامية فوضوية، تنطلق من العالم الافتراضي للأنترنيت، تلهب الحواس وتحرض كل النزوعات المادية في النفس البشرية، دون تقديم شرح موضوعي لأي شيء، ولا حلول منطقية للمشاكل، ولا آفاق مستقبلية يمكنها أن تمنح الإنسان المتلقي لتلك "الشحنات الإعلامية"، ما يكفي من الطمأنينة ومن التوازن لفهم محيطه واستشراف مستقبله، وقبل ذلك لفهم ذاته، أولا؟
 
هل وصلنا إلى مرحلة تجاوز فيها الأمر كونه حالات فردية ليصبح حالة مجتمعية عامة، يمكن أن توصف أنها حالة "شبه مرضية"؟ 
 
وبالتالي، هل أصبحنا بحاجة إلى استحضار أدوات التحليل النفسي، لتشخيص الحالة ومحاولة فهم سلوكات كثيرة أصبحت تميز مجتمعنا، من جهة، ثم لوصف طرق العلاج الممكن و طبيعة "الأدوية" القيمية والتربوية المصاحبة والمواكبة، من جهة أخرى؟
 
أصارحكم بأنني لا أتوفر على أجوبة عن كل هذه الأسئلة، وأقر أن لدي أسئلة كثيرة أخرى، سأتقاسمها معكم في حينه. لكنني، أمام دقة ما تحيل إليه الأسئلة أعلاه، من واقع نفسي جماعي ومجتمعي، لا مصلحة في أن يظل على ما هو عليه هكذا، دون فعل تصحيحي سلوكي إرادي يساهم فيه الجميع، أظن هذه المرة وعلى عكس العادة، أن الحديث في هذا الموضوع لا زال في بداياته، وعلينا خوض تجربة البحث عن بدايات أجوبة، لأن الطموحات التي نحملها جميعا لبلادنا، في اتجاه التنمية والتطور و التقدم، تفرض علينا الانتباه إلى مركزية ومحورية الإنسان في بناء وتنزيل وإنجاح ما نريده، ولا شيء يمكن أن ينجح بدون إنسان سوي ومؤهل.
 
كما أقول ذلك دائما، ليس لدينا حل آخر ولا اختيار إلا أن نجيب عن الأسئلة التي تؤرق تفكير كثير من الناس. لنعود بذلك إلى أخذ زمام المبادرة من أجل معالجة الخلل، في كل تجلياته، وتقليص مساحة القلق المجتمعي عبر إعادة التأسيس لتواصل مجتمعي فعال، ينشر الثقة ويعيد الأمل للنفوس. 

ويبقى إيماني أن إبقاء شعلة الأمل ضرورة مجتمعية استراتيجية  وأن على أرضنا ما يستحق الحياة، وأننا مغاربة ولابد أن ننتصر في نهاية المطاف، لتستمر الأمة المغربية المجيدة في العطاء وتسجيل حضورها الحضاري والإنساني المتميز.

بقلم | | يونس التايب
Hakima Louardi