Quantcast
2026 أبريل 21 - تم تعديله في [التاريخ]

نظام قانوني يتآكل بصمت «لعبة حافة الهاوية»


نظام قانوني يتآكل بصمت «لعبة حافة الهاوية»
 
د. أسماء لمسردي
في مضيق هرمز، لا شيء يسير وفق منطق الجغرافيا بقدر ما يخضع لأهواء السياسة. هناك، حيث تعبر يوميا ناقلات تحمل شريان الطاقة العالمي، يبدو المشهد أقرب إلى لعبة شد الحبل بين قوتين، تتناوبان على التهديد والتهدئة، وكأن الأمر لا يتعلق بأمن دولي ولا باستقرار اقتصادي، بل بجولة أخرى في مباراة عناد مفتوحة.

اللافت -والمثير للسخرية السوداء- أن هذا الممر الحيوي، الذي يفترض أن يكون محميا بقواعد صارمة من القانون الدولي، أصبح أداة تفاوض تفتح وتغلق رمزيا حسب مزاج التصريحات وتوقيت الرسائل السياسية. إيران تلوح بالإغلاق كلما اشتدت عليها الضغوط، والولايات المتحدة ترد باستعراض القوة وضمان "حرية الملاحة"، بينما يراقب العالم هذا الأخذ والرد وكأنه عرض متكرر، يعرف الجميع نهايته المؤقتة، لكن لا أحد يجرؤ على إيقافه.

قانونيا، الصورة أوضح بكثير من هذا العبث الظاهر؛ فمضيق هرمز يخضع لنظام "المرور العابر"، الذي يضمن حرية الملاحة دون تعطيل، وهو مبدأ يكاد يبلغ مرتبة القواعد الآمرة في القانون الدولي. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الوضوح القانوني يقابله غموض سياسي متعمد، حيث تفرغ القاعدة من مضمونها عبر ممارسات "دون العتبة": تهديدات، مضايقات، احتجاز ناقلات، أو مناورات عسكرية محسوبة بدقة كي لا تعتبر إغلاقا صريحا، لكنها في الوقت ذاته تؤدي الغرض ذاته: خلق حالة من عدم اليقين.

وهنا تحديدا يكمن وجه الاستهجان. فالعالم الذي صاغ قواعد دقيقة لضمان انسياب التجارة الدولية، يقف اليوم متفرجا على تقويضها بأساليب ملتوية، دون أن يحرك ذلك آليات حاسمة للمساءلة. بل إن بعض القوى الكبرى، التي ترفع لواء حماية النظام القانوني الدولي، تسهم بشكل أو بآخر في تغذية هذا الوضع، سواء عبر عقوبات اقتصادية خانقة تدفع الطرف الآخر إلى التصعيد، أو عبر عسكرة الممرات البحرية تحت شعار الحماية.

اقتصاديا، لا يحتاج الأمر إلى إغلاق فعلي حتى ترتجف الأسواق. يكفي تصريح غامض، أو حادث محدود، لترتفع أسعار النفط وتضطرب سلاسل الإمداد. وكأن الاقتصاد العالمي أصبح رهينة إشارات سياسية متقلبة، تدار بمنطق الضغط والردع أكثر مما تدار بمنطق الاستقرار والتخطيط. في هذا السياق، يتحول مضيق هرمز إلى ما يشبه "مفتاحا وهميا" لسوق الطاقة: لا يغلق فعليا، لكنه يستخدم باستمرار للإيحاء بإمكانية الإغلاق.

أما ما يدعو للاستغراب حقا، فهو هذا التعايش الدولي مع حالة "اللايقين المنظم". فالجميع يدرك خطورة اللعب بورقة المضيق، والجميع يقر بأن إغلاقه -حتى ليوم واحد- قد تكون له تداعيات كارثية، ومع ذلك يستمر استخدامه كورقة ضغط، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا غير معلن على إبقاء التوتر عند مستوى معين: لا حرب شاملة، ولا استقرار حقيقي.

لقد تحول مضيق هرمز، في هذا المشهد، من ممر دولي محكوم بقواعد قانونية واضحة، إلى مسرح لإدارة الأزمات بأسلوب أقرب إلى الاستعراض. فتح وإغلاق بالتلويح، تصعيد يتبعه احتواء، ورسائل متبادلة تكتب أحيانا بلغة القانون، وأحيانا بلغة القوة، وغالبًا بلغة الغموض المقصود.

إن أخطر ما في هذه الحالة ليس فقط احتمال الانفجار، بل اعتياد العالم عليها، فعندما يصبح التهديد بإغلاق ممر دولي حيوي أمرا عاديا، تتداوله التصريحات السياسية كما لو كان خيارا تفاوضيا مشروعا، فإننا نكون أمام انزلاق حقيقي في مفهوم الشرعية الدولية. ذلك أن القواعد لا تقوض دائما بخرقها الصريح، بل أحيانا -وهذا هو الأدهى- بإفراغها التدريجي من معناها.

في النهاية، قد لا يغلق مضيق هرمز فعليا، وقد تستمر هذه اللعبة ضمن حدودها الحالية، لكن الثمن يدفع يوميا في شكل توتر دائم، وأسواق قلقة، ونظام قانوني يتآكل بصمت. وبين فتح لا يحدث، وإغلاق لا يقع، يبقى العالم عالقا في منطقة رمادية، حيث يدار أخطر الممرات البحرية بعقلية "التجريب السياسي"، لا بمنطق المسؤولية الدولية.

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار