Quantcast

2022 غشت 15 - تم تعديله في [التاريخ]

مشروع حصاد الضباب يوفر المياه لقرى نائية بسيدي إفني

تقنية رائدة من شأنها رفع المشاق عن أهالي القرى عامة والمرأة خاصة بالمغرب


العلم الإلكترونية - أنس الشعرة

هناكَ في أعلى قمة جبل "بوتمزكيدة" على علو 1225 مترا عن سطح البحر، و30 كلم في الداخل، بالجنوب الشرقي لسيدي إفني. يرابض مشروع حصاد الضباب أو تكثيف الضباب بشموخ هائل، مشروع بدأ من فكرة الإيمان بالإنسان نحو الإنسان ذاته، مشروع الضباب ولد بروح مليئة بالإحساس بمعاناة الآخرين، فكانَ الماء الذي ينزل عبر قطرات الضباب، رُواء لمعاناتهم المتكررة. تستخدم تقنية حصاد شبكةً خاصة، تحتوي على ألياف ومكونات أخرى، تعلق بين عمودين لتلتقط الضباب الذي يتحول إلى قطرات ماء.
 
أتت مشروع حصاد الضباب، من خلال الدكتور عيسى الدرهم، رئيس جمعية دار سي حماد، وهو أحد أبناء منطقة أيت باعمران، حيث كان مقيمًا بكندا سنة 1989، في ذلك الوقت كان قد تم الإنتهاء من مشروع الضباب الأول في منطقة "كمنشاكا" بالشيلي، ما جعلها "فرصة سانحة لبناء مشروع مماثل بالمنطقة"، وبما أنه على دراية بأوضاع المنطقة وساكنتها، والمعاناة التي تجدها هذه الساكنة بسبب ندرة الماء، قرر د. عيسى الدرهم العودة إلى مسقط رأسه لبناء هذا المشروع غير الربحي ولمساعدة ساكنة المنطقة للتجاسر على معاناتها أمام ندرة الماء.
 
بفضل الرّيح الذي يساعد في توجيه الضباب نحو الشباك الخاصة، ليتكثف بها ويسقط على شكل قطرات ماء تتجمع في قناة موضوعة في قاعدة الشبكة. ليست هذه التقنية حديثة تمامًا، بل تعود أصولها حسبَ الباحثة: "فيكي مارزول"، عن دراسة لها صدرت "جزر الكناري: سانتا كروز دي تينرفي سنة 2003" أن هذه التقنية، "استخدمها السكان الأصليون لجزر الكناري، حيث يتم جمع مياه الضباب بالاستعانة بالأشجار ذات الأوراق الكبيرة لجمع قطرات الماء في حُفر، يتم تم إعدادها مسبقا كحاويات للتخزين".
 
تتعرض الأهالي بسبب التغيرات المناخية المتكررة إلى معاناة شديدة، ولاسيما أن نسبة التساقطات بالمملكة عرفت تراجعًا خطيرًا، وقياسا إلى السنوات الماضية، فقد بلغت نسبة التساقطات إلى حدود نهاية شهر ماي من هذه السنة إلى، 34.4 في %، بينما قدرت خلال نفس الفترة من السنة الفارطة بحوالي 51.2 في %. وفي العادة يلجأ سكان المنطقة إلى مياهِ الآبار المفتوحة والمتاحة. لكنها تعد مصدرا للأمراض والأوبئة التي لها علاقة بالماء. ورغم أن المياه الجوفية يتم تجديدها، يقوم عدد منَ الأطفال والنساء بتكبد مشاق إحضار الماء. إلاّ أن "عملية إرساء نظام أنابيب لتوزيع ماء الضباب مكّن الساكنة من الاستفادة من الماء الصالح للشرب في قلب بيوتهم، وهذا ما خفف عنهم عبء البحث عن الماء وجلبه، كما انه مكسب هام لصالح تنمية المنطقة"، ويعد هذا العمل فرصة كبيرة لأهالي المنطقة فهو من جهة يدرءُ عنهم مشاقَ جلب الماء ويقيهم شرّ الأمراض، ومن جهة أخرى يعمل على تجنيبهم التعرض لمخاطر قد تعترضهم.
 
يرتبط إنتاج الماء بسرعة الريح، فإذا كانت سرعة الرياح تعادل 3.5 متر في الثانية، تكون كمية الماء مستقرة في 65% في المعدل، وعلى إجمالي الوحدة، فتكون الكمية محددة في 20%. وقد استفاد منَ المشروع، حوالي خمس قرى متواجدة بالمجال الترابي للجماعة القروية " التابعة لعمالة سيدي إفني.
 
وتعد عملية حصاد الضباب وتجميع الندى تقنيتين مختلفتين، وبما أنّ الضباب والندى ظاهرتان طبيعيتان مختلفتان. "فإن الضباب في تشكيلته يتكون من قطرات معلقة في الهواء، أما الندى فهو بساط من المياه التي تترسب على سطح التربة أو غيرها من الأشياء بسبب تكثف الماء المتواجد في الهواء".
 
وتعرف المنطقة على مدار السنة، استفادة الساكنة القاطنة بالمنطقة من ماء الضباب، والتي يقدر عددها بـ 400 فرد أي 40 أسرة كبيرة -حسب إحصائية قديمة تعود إلى سنة 2014_، ويشتد خلال فصل الصيف عدد زوار المنطقة، إذ تستقبل المنطقة" العائدين لقضاء العطلة لتعم خدماتنا ما يقارب 80 أسرة، بالإضافة إلى سقي الماشية التي تعتبر أهم مصدر دخل في المنطقة".
 
تمتد دورة الحصول على الماء للأهالي المستفيدة، من خلال المسافة التي يقطعها الماء بفضل الجاذبية، نحو الخزانين الموجودين على ارتفاع 662 متر عن مستوى سطح البحر، وبمجرد ما أن يصل الماء إلى خزانين بسعة 464 متر مكعب، يواصل هبوطه عبر نظام التوزيع المكون من الأنابيب التي يبلغ طولها الإجمالي 3700 متر، ليصل لقرية “أڭنيحيا”، آخر المستفيدين من ماء الضباب. يمر الماء عبر ما مجموع طوله 7200 متر أي ما يعادل 7 كلم و200 متر من الأنابيب الرئيسة، وهناك أيضا خطوط تربط بين القرى، وخطوط تربط أنابيب الأسر ببعضها.
 
وقامت جمعية "دار سي حماد" بحفر ست فتحات صيانة وتثبيت 3500 متر من الأنابيب، مما يساعد على مراقبة وضعية الماء عبر نقاط مراقبة مزودة بعدادات تخول معرفة وجود تسربات محتملة، كما تم دعم فتحات الصيانة بالإسمنت.
 
وتقوم الجمعية أيضًا، قبل البداية في أي مشروع يخص حصاد الضباب، بدراسة وتقييم على نطاق واسع للمشروع المزمع العمل عليه، بدء بدراسة الطقس وتصنيف تضاريس المنطقة، وندرة المياه، وإشراك المجتمع المحلي وإعداده لفهم فرضية المشروع، وثبوت نجاح الفترة التجريبية للمشروع لمدة لا تقل عن سنة لدراسة متوسط المياه الممكن تجميعها سنويا، وأعمال الصيانة والمراقبة من أجل ديمومة المشروع.
 
وتتمثل مهام الجمعية الأساس فيما يلي: ضمان سبل العيش الدائمة وخلق فرص للساكنة ذات الدخل المحدود، ومساعدتها على التعلم والتنمية، بينما تنعكس رؤيتها في: تعزيز الثقافة المحلية، وخلق مبادرات مستدامة عبر التربية والإدماج واعتماد البراعة العلمية بشراكة مع ساكنة الجنوب الغربي للمغرب. ومن بين أنشطتها: التربية على البيئة قصد تعزيز وفهم وتدبر الموارد الطبيعية. وترى الجمعية أن عملها ينصب أساسًا في: "نقطة التقاء بين معارف أجدادنا بعالمنا الطبيعي واعتماد التقدم التكنولوجي لهذا العصر، الشيء الذي سيحقق الحماية للتنوع البيولوجي ولحياة الإنسان على وجه هذه الأرض".
 
وتسعى الجمعية إلى بناء تنمية ذاتية: "للشباب داخل المجال القروي وحمل القيم الأساسية من أجل عمل مستقبلي ناجح، وكذا الاستمتاع بالتعلم وتنمية المهارات التقنية، ودعم النساء المشاركات في مشروع الضباب، الذي يعد نموذجًا حقيقيا للاستماع للآخر وتحفيز ه من أجل تحفيز القدرة على تنمية الذات وبناء استقلالية الفرد".
 
إنّ مشروع الضباب بـ"وتمزكيدة"، من المشاريع الرائدة في تسخير التقنية، لجلب الماء للأهالي الهشة بالمنطقة، وله نسبة تأثير عالية على حياتهم الخاصة، وحياة المجتمعات التي تحتضنُ هذه المشاريع، ولا سيما في رفع المشاق عن المرأة القروية بالمغرب، وهو أيضا تعزيز للاستدامة البيئية والمحافظة عليها. مشروع الضباب خطوة ورؤية في تقنية حصد الضباب CloudFisher ، التي طورها المهندس "بيتر تروتفاين"، بعد فترة التحقق التجريبي بـ"بوتمزكيدا"، وبحسب الجمعية فإنّ المبدأ الأساس الذي يرتكز عليه المشروع، "هو تطوير وسائل نوعية و مبتكرة للتكيف مع تغير المناخ مع إيلاء اهتمام خاص لقضية نوع الجنس"، ولضمانِ استدامة المشروع، تنتهج الجمعية في ذلكَ البحث والتطوير في مجالات الهندسة ودراسات المناخ ؛ وبناء شراكة قوية بين حامل المشروع والمجتمع المستفيد، ومن الوسائل الناجعة لضمانِ هذا المشروع: قامت بإنشاء مركز للبحوث في "بوتمزكيدا" لضمان المراقبة و اليقظة العلمية المستمرة، ويعد المشروع بالكثير، لاسيما أنه في كل سنة تقريبًا يحصل على جوائز وطنية ودولية مرموقة من أهمها: في سنة 2013: حصدت الجمعية أول جائزة عند انطلاق المشروع في المعرض البيئي بأكادير، وفي سنة 2016 على جائزة التعليم المستدام. وفي سنة 2018 على جائزة الحسن الثاني للبيئة، وخلال سنة 2019 جائزة فئة المياه من جائزة الطاقة العالمية "إسبو" بفنلندا، تجفل الجمعية عبر مسارها بالعديد منَ الجوائز التي تشهدُ على دورها كفاعل أساس في تنمية المنطقة، ما يؤهلها مستقبلا للمساهمة أكثر في تنمية المنطقة من خلال المشاريع التي تجلبها للمنطقة.

              














MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار