Quantcast
2026 سبتمبر 15 - تم تعديله في [التاريخ]

15 شتنبر… الديمقراطية تسائل العالم وتختبر المغرب في يومها الدولي

في يوم دولي يأتي والعالم مثقل بالحروب وتراجع الحريات وفقدان الثقة… الصحافيون المغاربة ينتخبون اليوم ممثليهم في المجلس الوطني للصحافة، والمملكة تعيش حملة تشريعية ستفرز برلمانًا، ومنه أغلبية وحكومة يُفترض أن تجعل الديمقراطية ممارسة يومية، لا مجرد أصوات داخل الصناديق.


الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليس 15 شتنبر من هذه السنة يومًا دوليًا عاديًا تُرفع فيه الشعارات، وتُنشر الملصقات، وتُعاد الكلمات المألوفة عن الحرية وحقوق الإنسان وإرادة الشعوب، بل يأتي اليوم الدولي للديمقراطية لسنة 2026، والعالم نفسه يبدو في حاجة إلى أن يقف أمام المرآة ويسأل: ماذا بقي فعلًا من الديمقراطية حين تتكاثر الحروب، وتتراجع الحريات، وتضيق مساحات التعبير، وتهتز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، وتصبح المعلومة نفسها ساحة حرب، فيما تستمر الانتخابات في بلدان كثيرة، ولكنها لا تنتج بالضرورة مجتمعات يشعر فيها المواطن بأن صوته مسموع بعد إغلاق مكاتب الاقتراع؟

لقد خصصت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 15 شتنبر يومًا دوليًا للديمقراطية بقرارها الصادر سنة 2007، ومنذ أول احتفاء به سنة 2008، أرادت المنظمة أن يكون موعدًا سنويًا، ليس فقط للاحتفال بالديمقراطية، وإنما لمراجعة حالها وتقويم قدرتها على حماية الكرامة والحقوق والمشاركة وسيادة القانون. فالأمم المتحدة نفسها تؤكد أن الديمقراطية قيمة عالمية، وأن الانتخابات الدورية النزيهة وحرية التعبير والتعددية واستقلال القضاء والشفافية والمساءلة ووجود إعلام حر ومستقل ليست زينة مرافقة لها، وإنما من مكوناتها الأساسية.

غوتيريش: الديمقراطية أكبر من الانتخابات

ولعل أهم ما قيل في مناسبة هذه السنة جاء في رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي اختار أن يبدأها لا بالاحتفال وإنما بالتحذير، فقال إن العالم يواجه انقسامات تزداد عمقًا، وصراعات تتضاعف، وثقة تتآكل، وعقدًا اجتماعيًا بين المواطنين وحكوماتهم يتعرض للاهتزاز، قبل أن يضع الجملة التي ينبغي أن تُكتب فوق أبواب كل برلمان وحكومة وحزب ومجلس منتخب: «الديمقراطية أكثر من انتخابات». فالديمقراطية، في تصوره، ممارسة يومية لضمان حقوق الإنسان وسيادة القانون والمشاركة الفعلية للناس في الحياة المدنية والسياسية، وتنمو بالحوار والتعاون والقدرة على الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة.

ولهذا اختارت الأمم المتحدة في 2026 التركيز على الديمقراطية التشاورية، تحت الفكرة الجامعة: «عندما يكون لكل صوت اعتبار، تحقق الديمقراطية نتائجها»، وتنظم اليوم بمقرها في نيويورك لقاءً حول كيفية تحويل المواطنين من ناخبين يُستدعون دوريًا إلى شركاء في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم، وكيف يمكن للحوار والمشاركة وإدخال الأصوات المتنوعة في القرار العمومي أن يعيد بناء الثقة، ويجعل الحكامة أكثر استجابة وفعالية.

وهنا جوهر المسألة كلها: الديمقراطية ليست أن يُسقط المواطن ورقة في صندوق، ثم يعود إلى الصمت أربع أو خمس سنوات؛ وليست أن يحصل المنتخب على الشرعية يوم الاقتراع، ثم يعتبر نفسه متحررًا من المساءلة في اليوم التالي؛ وليست كذلك حكم الأغلبية بمعنى إسكات الأقلية، بل هي انتخابات قبلها حرية وتكافؤ فرص ونقاش ومعلومة، وبعدها مراقبة ومحاسبة وصحافة مستقلة ومعارضة وحقوق وقضاء وقوانين، ومواطن يستطيع أن يقول «لا» من دون أن يتحول إلى خصم للدولة أو المجتمع.

العالم يحتفل بالديمقراطية فيما البنادق أعلى صوتًا من صناديق الاقتراع

والمفارقة القاسية أن العالم يحتفي اليوم بالديمقراطية في إحدى أكثر الفترات اضطرابًا منذ عقود. فبرنامج أوبسالا لبيانات النزاعات المسلحة أحصى، في سنة 2025، 65 نزاعًا مسلحًا كانت دولة طرفًا في أحد جانبيه على الأقل، وهو أعلى رقم منذ بدء تسجيل البيانات سنة 1946، وصُنّف 13 منها حروبًا، وهو أعلى عدد منذ 1992، فيما قُدّر عدد قتلى العنف المنظم خلال السنة بنحو 244 ألفًا و600 شخص.

ومن أوكرانيا، حيث تستمر الحرب وما يصاحبها من قتل ودمار وتهجير وهجمات على البنيات المدنية، إلى غزة، حيث لا تزال حياة المدنيين والحق في الإغاثة والأمن محور أزمة دولية، مرورًا بالسودان الذي أصبح واحدًا من أكثر النزاعات قسوة على السكان المدنيين، وصولًا إلى ميانمار والكونغو الديمقراطية واليمن وهايتي ومنطقة الساحل، يبدو العالم أبعد ما يكون عن المعنى العميق لعبارة «إرادة الشعوب». والأمم المتحدة نفسها لا تكف عن المطالبة، في هذه الملفات، بوقف القتال وحماية المدنيين والعودة إلى مسارات سياسية شاملة؛ لأن إسكات المدافع، كما قال غوتيريش في عرض أولويات 2026، لا يكفي وحده من دون بناء سلام عادل ومؤسسات قادرة على استيعاب الناس، بدل دفعهم إلى العنف واليأس.

وليس من قبيل الصدفة أن يختار المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية «International IDEA» يوم 15 شتنبر نفسه لإطلاق تقريره العالمي لسنة 2026، بعنوان بالغ الدلالة: «الديمقراطية في عصر الصراع». فالتقرير يدرس العلاقة المتبادلة بين تراجع الديمقراطية والعنف، وينطلق من فرضية تدعمها بياناته، مفادها أن ضعف المؤسسات الديمقراطية يمكن أن يزيد مخاطر النزاع، بينما تستطيع المؤسسات القوية وسيادة القانون والمشاركة السياسية أن تشكل حاجزًا أمام الانزلاق إلى العنف.

بل إن المؤشرات الدولية المختلفة، مع ما يمكن دائمًا مناقشته في مناهج تصنيفها، ترسم بدورها صورة تستحق القلق. فتقرير «V-Dem 2026» يعتبر أن العالم أنهى سنة 2025 وفيه 92 نظامًا يصنفها أنظمة سلطوية، مقابل 87 ديمقراطية، وأن نحو 74 في المائة من سكان العالم يعيشون، وفق معاييره، تحت أنظمة سلطوية، بينما لا يعيش سوى 7 في المائة في ديمقراطيات ليبرالية. أما «Freedom House»، فتحدثت عن السنة العشرين المتتالية لتراجع الحريات عالميًا، وقالت إن 54 دولة شهدت تراجعًا خلال 2025، مقابل 35 سجلت تحسنًا.

والاتحاد البرلماني الدولي اختار، لمناسبة 2026، شعارًا مكملًا لهذه الصورة، هو «وضع حقوق الإنسان في بؤرة الاهتمام»، لأن البرلمانات لا تصبح ديمقراطية بمجرد أن يصل أعضاؤها إليها عبر الانتخابات، بل عندما تستخدم شرعيتها لصناعة القوانين، ومراقبة الحكومات، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة والسلام والتنمية.

أما رئيسة مؤتمر السلطات المحلية والإقليمية بمجلس أوروبا، غون ماريت هيلغيسن، فحذرت عشية المناسبة من أن الديمقراطية تتعرض للضغط بسبب التراجع الديمقراطي وفقدان ثقة المواطنين والحروب والضغوط الاقتصادية والبيئية، مؤكدة أن علامات اعتلال الديمقراطية تظهر، في كثير من الأحيان، أولًا على المستوى المحلي، حيث يكتشف المواطن فعليًا إن كان صوته يؤثر أم لا.

لا ديمقراطية بلا صحافة حرة… وهنا يصبح 15 شتنبر المغربي ذا دلالة خاصة

ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية في 2026 من دون الصحافة، لأن الصندوق الذي لا تحرسه المعلومة يتحول بسهولة إلى وعاء للدعاية، والمواطن الذي لا يعرف ماذا فعل المنتخب والحكومة والإدارة لا يستطيع أن يحاسب أحدًا. وقد سجل مؤشر مراسلون بلا حدود لسنة 2026 أدنى متوسط عالمي لحرية الصحافة خلال ربع قرن، ووضع أكثر من نصف البلدان التي يقيسها في خانتي الوضع «الصعب» أو «الخطير جدًا»، في مؤشر آخر على أن حرية الإعلام أصبحت أحد ميادين التراجع الديمقراطي.

ومن هنا تأتي مصادفة مغربية شديدة الرمزية: اليوم الدولي للديمقراطية هو نفسه اليوم الذي يتوجه فيه الصحافيون المهنيون المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب سبعة ممثلين لهم داخل المجلس الوطني للصحافة. فالقرار التنظيمي الرسمي حدد الاقتراع اليوم، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، من التاسعة صباحًا إلى السادسة مساءً، على مستوى الجهات الاثنتي عشرة، وأكد صراحة مبادئ النزاهة والحياد والشفافية والمساواة وحرية الناخب وسرية اختياره والتنافس المهني النزيه.

ويا لها من مصادفة تستحق أن نتوقف عندها؛ لأن الصحافيين الذين يمارسون يوميًا حق السؤال والمساءلة، ويطالبون الدولة والأحزاب والمنتخبين باحترام الديمقراطية، مدعوون اليوم إلى ممارستها داخل بيتهم المهني نفسه. فلا معنى للمطالبة بديمقراطية الدولة إذا كانت المؤسسات المهنية عاجزة عن إنتاج ديمقراطيتها الداخلية، ولا معنى للدفاع عن التعددية أمام الحكومة، ثم خنقها داخل الجسم الصحافي، ولا قيمة لصوت الصحافي في الشأن العام إذا لم يكن لصوته الوزن نفسه حين يختار من سيمثله.

بل إن الدستور المغربي واضح في هذا الباب؛ فالفصل 28 لا يكتفي بضمان حرية الصحافة وعدم إخضاعها للرقابة القبلية، وإنما ينص كذلك على تشجيع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية. لذلك، فإن انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة ليس شأنًا إداريًا داخليًا محدود الأثر، وإنما امتحان لمدى قدرة الجسم الصحافي نفسه على أن يجسد القيم التي يطالب الآخرين بها: الاستقلال، والتعددية، وتكافؤ الفرص، وحرية الاختيار، والمساءلة.

ومن صندوق الصحافيين اليوم… إلى صندوق المواطنين في 23 شتنبر

لكن 15 شتنبر المغربي يحمل رمزية ثانية أكبر؛ فنحن نعيش في قلب الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وهي الحملة الممتدة رسميًا من 10 إلى 22 شتنبر، قبل انتخاب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395.

ولذلك، فإن اليوم الدولي للديمقراطية لا ينبغي أن يمر على المغرب كخبر دولي عابر، لأن ما يجري في الشوارع والساحات والمنصات الرقمية والإذاعات والقنوات الآن هو تحديدًا جزء من الامتحان الديمقراطي الذي تتحدث عنه الأمم المتحدة. فالحملة ليست فقط صورًا وملصقات ومكبرات صوت ووعودًا وموائد وتجمعات؛ إنها اللحظة التي يجب أن يستطيع فيها المواطن أن يعرف من يريد تمثيله، وما تاريخه، وما كفاءته، وما برنامجه، ومن أين جاء بوعده وكيف سيموله، وماذا فعل حزبه عندما كان في السلطة أو المعارضة، وما الذي يستطيع فعله فعلًا إن أصبح نائبًا.

والدستور المغربي حسم المبدأ منذ سنوات، حين نص في الفصل 11 على أن «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي»، وألزم السلطات بالحياد وعدم التمييز بين المترشحين، وضمان الإنصاف في الاستفادة من الإعلام العمومي. وهي ليست جملة بروتوكولية؛ إنها معيار ينبغي أن نقيس به كل ما يقع قبل 23 شتنبر وأثناءه وبعده.

فالذين سينجحون في تلك الانتخابات لن يحصلوا فقط على مقاعد مريحة داخل البرلمان، بل سيحملون مسؤولية التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتمثيل المواطنين، وستفرز النتائج توازنًا سياسيًا تنبثق عنه أغلبية وحكومة، يُفترض فيهما أن تحوّلا الديمقراطية من شعار انتخابي إلى سياسات عمومية وحقوق وخدمات وعدالة اجتماعية ومجالية، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة.

وهنا بالضبط ينبغي أن نتوقف أمام رسالة غوتيريش: الديمقراطية أكثر من انتخابات. نعم، لكن الانتخابات هي الباب الذي ندخل منه إلى الديمقراطية أو ننحرف منه عنها. فإذا فسد المال السياسي، واختلت المنافسة، واشترت الولاءات ضمائر الناخبين، وتحولت البرامج إلى وعود بلا حساب، وغابت المعلومة وحضر التضليل، فإن الصندوق وحده لن يصنع الديمقراطية؛ وإذا كانت الانتخابات نزيهة، ثم أصبح النائب غائبًا والحكومة بعيدة والمعارضة ضعيفة والمواطن غير مسموع والإعلام مقيدًا، فإن الديمقراطية تكون قد توقفت في منتصف الطريق.

15 شتنبر ليس عيدًا للديمقراطية… بل موعدًا لمحاسبتها

لذلك، لا أرى اليوم الدولي للديمقراطية يومًا للتهنئة، بقدر ما أراه يومًا عالميًا لمساءلة الديمقراطية نفسها: ماذا فعلت للشعوب التي تموت تحت القصف؟ ماذا فعلت للمواطنين الذين ينتخبون ولا يجدون أثر أصواتهم في المدارس والمستشفيات وفرص العمل والعدالة؟ ماذا فعلت للصحافيين الذين يُطلب منهم كشف الحقيقة، ثم يدفع بعضهم ثمن كشفها؟ وماذا فعلت للشباب الذين يسمعون طوال حياتهم عن المشاركة، ثم يجدون أبواب القرار مغلقة أمامهم؟

وفي المغرب، يطرح هذا اليوم السؤال مرتين في يوم واحد: على الصحافي وهو يضع ورقته لاختيار ممثليه، وعلى المواطن وهو يتابع الحملة استعدادًا لوضع ورقته في 23 شتنبر.

وفي المرتين، القيمة ليست للورقة ذاتها، بل لما سيحدث بعدها.

فالديمقراطية الحقيقية تبدأ بالصوت، لكنها لا تنتهي عنده؛ تبدأ بالانتخابات، ثم تعيش بالحرية والمعلومة والمساءلة والتعددية والإنصاف والعدالة، وتموت عندما يصبح المواطن مجرد رقم في يوم الاقتراع.

ولهذا، ربما تكون أفضل طريقة يحتفل بها المغرب اليوم بـ15 شتنبر ليست رفع شعار اليوم الدولي للديمقراطية، بل أن نجعل من هذا اليوم وعدًا جماعيًا بسيطًا وصعبًا في آن واحد:

أن يكون لكل صوت قيمة قبل الصندوق وداخله وبعده… لأن الديمقراطية التي لا تسمع الناس بين انتخابين، لن تنقذها كثرة صناديق الاقتراع.

بين أزمات العالم وصناديق المغرب… الديمقراطية أمام امتحان الممارسة والمساءلة
بين أزمات العالم وصناديق المغرب… الديمقراطية أمام امتحان الممارسة والمساءلة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار