Quantcast
2026 أغسطس 23 - تم تعديله في [التاريخ]

23 شتنبر موعدكم... لا تطلبوا من الملكية إصلاح ما قد تفسده التزكيات والذمم والأصوات

يضع الكاتب "بوشعيب حمراوي" الأحزاب والمرشحين والناخبين أمام مسؤولياتهم في انتخابات 23 شتنبر، مؤكدًا أن الصناديق تصنع البرلمان والملك يمارس صلاحياته وفق نتائجها.


23 شتنبر.. موعد لاختبار الجميع قبل محاسبة الجميع

الأحزاب تختار مرشحيها والمواطنون يصنعون النتائج داخل المعازل.. والملك ينتظر ما تفرزه الصناديق ليباشر صلاحياته كما حددها دستور 2011 


*بقلم: بوشعيب حمراوي*

يوم 23 شتنبر 2026 لن يكون مجرد محطة انتخابية عابرة تنتهي بإغلاق مكاتب التصويت وفرز الأوراق وإعلان أسماء الفائزين، بل سيكون لحظة سياسية حاسمة ستتكثف فيها مسؤوليات الأحزاب والمرشحين والناخبين والمجتمع المدني والإعلام، وستُصنع خلالها الخريطة التي ستحدد شكل مجلس النواب المقبل، وستعيد ترتيب موازين القوى بين الأحزاب، وستفتح الطريق أمام تشكيل أغلبية برلمانية وحكومة جديدة يفترض أنها ستتولى تدبير الشأن العام خلال السنوات المقبلة.

ولهذا، فإن من الخطأ أن ننتظر انتهاء الانتخابات ثم نبدأ في توزيع الاتهامات، أو أن نلجأ إلى الملكية باعتبارها شماعة جاهزة نعلق عليها كل ما لم يعجبنا في البرلمان والحكومة، بينما الحقيقة أبسط وأشد إحراجًا: الأحزاب هي التي تقدم المرشحين، والمواطنون هم الذين يمنحون الأصوات، والصناديق هي التي تفرز النتائج، والملك يتعامل بعد ذلك مع ما أفرزته الإرادة الانتخابية في إطار الصلاحيات التي يمنحها له الدستور.

إنها لحظة ينبغي أن نقول فيها للمغاربة بكل وضوح: قبل أن تسألوا بعد الانتخابات عن جودة الحكومة، اسألوا قبلها عن جودة من سترسلونهم إلى البرلمان؛ وقبل أن تشتكوا من ضعف النخب، انظروا إلى التزكيات التي منحتها الأحزاب؛ وقبل أن تقولوا إن السياسة فاسدة، اسألوا أنفسكم إن كنتم قد رفضتم المال والقرابة والمصلحة الضيقة عندما وقفتم داخل المعزل أمام ورقة التصويت.

التزكية أول امتحان للنزاهة.. وهنا تبدأ الحكاية

قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع، تكون الأحزاب قد قطعت نصف الطريق، لأنها هي التي تقرر من ستعرضه على المواطنين، ومن سيحمل رمزها، ومن سيخوض الحملة باسمها، ومن سيطالب الناس بمنحه الثقة ليصبح مشرعًا ومراقبًا للحكومة وممثلًا للأمة.

ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية. فإذا اختارت الأحزاب أصحاب الكفاءة والنزاهة والتجربة والاستقامة، فإنها تكون قد فتحت الباب أمام برلمان أفضل؛ أما إذا استسلمت لمنطق المال والنفوذ والولاءات والحسابات الضيقة، وإذا تحولت التزكية إلى جائزة تمنح لمن يستطيع تمويل الحملة أو ضمان الأصوات بأي وسيلة، فإن العطب يكون قد بدأ داخل المقر الحزبي قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع.

لا يمكن لحزب أن يملأ لوائحه بمن لا يستحقون ثم يطالب المجتمع بعد الانتخابات باحترام البرلمان، ولا يمكن لتنظيم سياسي أن يضحي بالكفاءة من أجل المال ثم يتحدث عن تخليق الحياة العامة، لأن تخليق السياسة يبدأ من لحظة اختيار المرشح، لا من لحظة إلقاء الخطب عن النزاهة.

والملك هنا لا يختار مرشحي الأحزاب، ولا يجلس داخل لجان التزكية، ولا يقرر من يتقدم ومن يتراجع، ولا يفرض اسمًا على هذا الحزب أو ذاك. ومن ثم، فإن السؤال يجب أن يوجه أولًا إلى الأحزاب نفسها: بأي معايير اخترتم من سيطلب أصوات المغاربة؟

الملك لا يستطيع أن يصنع لكم ضمائر جديدة

ثم نصل إلى حقيقة أخرى قد تكون أكثر قسوة. يمكن إصدار القوانين، وتشديد العقوبات، ومراقبة الانتخابات، وملاحقة جرائم شراء الأصوات والتزوير والضغط، لكن لا تستطيع أي دولة في العالم أن تصدر قانونًا يجعل غير النزيه نزيهًا، أو يحول الانتهازي إلى رجل دولة، أو يمنح ضميرًا حيًا لمن قرر أن يجعل السياسة وسيلة للاغتناء والنفوذ.

الملك لا يستطيع أن ينقي الذمم بقرار، ولا أن يطهر النيات بظهير، ولا أن يزرع داخل قلب كل مرشح وناخب ومسؤول حزبي جهازًا أخلاقيًا يشتغل تلقائيًا كلما اقتربت الانتخابات، لأن هناك مساحة تنتهي عندها سلطة المؤسسات وتبدأ فيها مسؤولية الإنسان أمام نفسه وضميره.

لا يستطيع الملك أن يعرف ما يخفيه مرشح قرر أن يقول للناس شيئًا ويفعل بعد نجاحه شيئًا آخر، ولا يستطيع أن يحاسب مواطنًا على نية لم تتحول إلى فعل مخالف للقانون، ولا يمكنه أن يراقب المساومات الصغيرة التي قد تتم بعيدًا عن أعين المؤسسات إذا اختار أصحابها إخفاءها.

القوانين تلاحق الأفعال حين تثبت. أما النوايا والخبايا والضمائر، فمسؤوليتها على أصحابها.

داخل المعزل.. تصبح وحدك أمام نفسك

في لحظة الدخول إلى المعزل، يختصر معنى الديمقراطية كله في مشهد بسيط: مواطن، وورقة تصويت، وقرار لا يراه أحد.

هناك لا يكون الملك حاضرًا ليختار بدل المواطن، ولا رئيس الحكومة، ولا وزير الداخلية، ولا الأمين العام للحزب، ولا المرشح الذي ظل أيامًا يلاحق الناخب بالوعود والابتسامات.

هناك يصبح المواطن وحده أمام صوته وضميره ومستقبل بلده.

وفي تلك اللحظة القصيرة جدًا، قد يصنع الناخب بيده ما سيقضي خمس سنوات كاملة في مدحه أو لعنه، لأنه حين يمنح صوته لشخص ما لا يمنحه ورقة عابرة، بل يمنحه جزءًا من الشرعية التي ستسمح له بالجلوس داخل مؤسسة تشريعية ستناقش القوانين وتراقب الحكومة وتشارك في رسم السياسات العمومية.

فإذا اختار المواطن الكفاءة والنزاهة، فقد مارس مسؤوليته.

وإذا اختار القرابة والقبيلة والمصلحة الصغيرة، فعليه أن يتحمل جانبًا من نتائج اختياره.

وإذا باع صوته مقابل مال أو خدمة، فإنه لا يستطيع أخلاقيًا أن يتصرف بعد ذلك وكأنه لم يشارك في صناعة ما ينتقده.

من يبيع صوته لا يبيع دقيقة.. بل قد يبيع خمس سنوات

يجب أن نتوقف طويلًا عند مسألة شراء الأصوات، لأنها ليست مجرد مخالفة انتخابية، بل إهانة لفكرة المواطنة ذاتها.

من يعرض المال لشراء صوت المواطن يخبره، من حيث لا يدري، أنه لا يراه شريكًا في بناء الدولة، بل رقمًا قابلًا للشراء.

ومن يقبل المال يوافق على تحويل علاقته بالسياسة من علاقة مواطن بممثل إلى علاقة بائع بمشترٍ.

والمفارقة المؤلمة أن من يقبل مبلغًا صغيرًا مقابل صوته قد يكتشف لاحقًا أنه باع بخسارة هائلة حقه في تعليم أفضل وصحة أفضل وطرق أفضل وخدمات أفضل وتمثيل سياسي أفضل، لأن ثمن الاختيار السيئ لا يدفع يوم الانتخابات فقط، بل سيدفع طوال ولاية كاملة.

ثم نشتكي من الغياب، ونشتكي من ضعف التشريع، ونشتكي من النواب الذين لا يعودون إلى دوائرهم. لكن السؤال يظل حاضرًا: كيف وصلوا؟

لا تزرعوا الرداءة ثم تنتظروا أن يحصد لكم الدستور الجودة

من غير المعقول أن نضع أمام صندوق الاقتراع مرشحًا رديئًا، ونمنحه أصواتنا، ثم ننتظر من المؤسسة التشريعية أن تتحول بمعجزة إلى فضاء للكفاءات. صندوق الاقتراع لا يمتلك قدرة سحرية على تحويل الرديء إلى جيد، ولا يملك الدستور آلة لتصفية النتائج من آثار الاختيارات السيئة، لأن ما تضعونه في الصندوق يعود إليكم في صورة نواب وكتل وأغلبية ومعارضة وحكومة.

من يريد برلمانًا قويًا، فليبدأ بمرشح قوي. ومن يريد حكومة قوية، فليدرك أن جزءًا من طريقها يبدأ من برلمان قوي. ومن يريد سياسة نظيفة، فعليه ألا يمنح صوته لمن دخل الانتخابات بوسائل ملوثة.

أما أن نختار بعشوائية أو بمصلحة شخصية، ثم نطالب المؤسسات بأن تنتج لنا من تلك الاختيارات سياسة راقية، فذلك يشبه من يزرع الشوك وينتظر أن يجني الورد.

وهنا يطرح السؤال: ما دخل الملك؟

كلما اقتربت الانتخابات أو ظهرت حكومة لم ترق إلى تطلعات جزء من المواطنين، يعود خطاب يحمل الملك والملكية مسؤولية كل شيء، وكأن الملك هو من وضع أسماء المرشحين في اللوائح، وكأنه دخل إلى آلاف المعازل، وكأنه حدد لكل مواطن الورقة التي سيضعها في الصندوق. وهذا خلط سياسي يحتاج إلى تصحيح.

الملك لا يترشح في الانتخابات، ولا يتنافس مع الأحزاب على المقاعد، ولا يختار مترشحيها، ولا يمنح أحدًا صوت ناخب، ولا يستطيع أن يصنع ترتيب الأحزاب بأمر، لأن الخريطة البرلمانية، من حيث الأصل، تصنعها الأصوات التي يمنحها المواطنون لمن اختاروا.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن المؤسسة الملكية خارج النظام الدستوري أو بلا دور.

فالملك يمارس المهام التي حددها له الدستور، ومنها صيانة الاختيار الديمقراطي والسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات، لكن هناك فرقًا جوهريًا بين حماية الإطار الدستوري للانتخابات وبين اختيار الفائزين نيابة عن المواطنين.

الأول وظيفة مؤسساتية، أما الثاني فهو حق الناخبين.

الملك ينتظر ما ستفرزه صناديقكم

بعد أن يصوت المواطنون، وتفرز الأصوات، وتعلن النتائج، ويعرف الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، تبدأ مرحلة دستورية أخرى. وهنا يأتي الفصل 47 من دستور 2011 ليحدد المسار بوضوح، إذ يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.

والعبارة الحاسمة هنا هي: «على أساس نتائجها».

أي أن النتائج تأتي أولًا، والأصوات تسبق التعيين، والناخب يسبق الملك في صناعة المعطى السياسي الذي سيبنى عليه التعيين.

الملك لا يصنع الحزب المتصدر ثم يبحث له عن نتائج، بل ينتظر النتائج التي يصنعها المواطنون، ثم يمارس اختصاصه الدستوري انطلاقًا منها؛ وهذه حقيقة ينبغي أن تبقى حاضرة في أذهان من يريدون بعد كل اقتراع تحميل الملكية مسؤولية اختيارات لم تصنعها.

لا تطلبوا من الملكية أن تصلح ما أفسدتموه بأيديكم

إذا منح حزب سياسي تزكيته لشخص يعرف أنه لا يستحقها، فلا تسألوا الملك لماذا أصبح ذلك الشخص مرشحًا.

إذا صوت مواطن لمن يعرف أنه ضعيف أو فاسد أو غير مؤهل، فلا يسأل الملك لاحقًا لماذا أصبح ذلك المرشح نائبًا.

إذا قبل ناخب بيع صوته، فلا يمكن أن يطالب المؤسسة الملكية بعد ذلك بإلغاء الأثر السياسي لسلوك شارك فيه بإرادته.

لا تطلبوا من الملكية أن تتحول بعد الانتخابات إلى آلة لتنقية النتائج من آثار خيارات صنعتها الأحزاب والمرشحون والناخبون، لأن الملك ليس بديلًا عن ضمائر المواطنين، ولا وصيًا على أوراق التصويت، ولا مسؤولًا عن كل قرار اتخذه فرد بحرية داخل المعزل.

وهذا لا يعني إعفاء أي مؤسسة من مسؤولياتها القانونية والدستورية. فالإدارة مسؤولة عن الحياد، والقضاء مسؤول عن تطبيق القانون، والحكومة مسؤولة عن سياساتها، والبرلمان مسؤول عن التشريع والرقابة، والملك يمارس صلاحياته الدستورية.

لكن الأحزاب والمرشحين والناخبين لهم بدورهم مسؤولية لا يجوز محوها كلما كانت النتائج غير مريحة.

المجتمع المدني والإعلام.. لا تنتظروا وقوع الكارثة ثم ابدؤوا التحليل

المجتمع المدني لا ينبغي أن يبقى متفرجًا في المدرجات ينتظر انتهاء المباراة الانتخابية ليكتب بيانًا عن رداءة النتائج.

دوره يبدأ الآن. عليه أن يوعي المواطنين، ويرفض شراء الأصوات، ويشجع على الاختيار الواعي، ويكشف الممارسات المشبوهة بالوسائل القانونية، ويساعد على تحويل الانتخابات من موسم للولائم والهدايا والوعود الشخصية إلى محطة للتفكير في مستقبل البلاد.

والإعلام بدوره لا يكفي أن ينقل المهرجانات الانتخابية وتصريحات المرشحين. الإعلام الذي يريد خدمة الديمقراطية لا ينبغي أن يسأل المرشح فقط ماذا يعد الناس، بل من هو، وماذا فعل، وما مؤهلاته، وكيف سيمارس التشريع والرقابة، وما موقفه من الملفات الكبرى، لأن الديمقراطية لا تحتاج إلى تلميع صور المرشحين بقدر ما تحتاج إلى كشف قدراتهم أمام المواطنين.

لا تقولوا بعد 23 شتنبر إن لا أحد سألكم

بعد إغلاق مكاتب التصويت، لن يكون من المقبول أن يتصرف الجميع وكأن النتائج صنعت في مكان غامض بعيد عنهم.

الأحزاب شاركت بالتزكيات، والمرشحون شاركوا بالحملات، والمواطنون شاركوا بالأصوات.

والمجتمع كله شارك بدرجات مختلفة بالصمت أو الرفض أو المراقبة أو التواطؤ أو المشاركة الواعية، أو حتى المقاطعة التي لا يجب أن يكون لها مكان هنا.

الديمقراطية ليست حقًا يسمح لنا بالتصويت فقط، بل مسؤولية تجبرنا أخلاقيًا على الاعتراف بأن ما اخترناه له ثمن، وأن من يسهم في صناعة النتيجة لا يستطيع دائمًا أن يتبرأ منها في اليوم التالي وكأنه كان مجرد متفرج.

ولهذا، فإن السؤال يوم 24 شتنبر لن يكون فقط: من فاز؟

بل يجب أن يكون أيضًا: لماذا فاز؟ ومن منحه أسباب الفوز؟


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار