★ العلم الإلكترونية - بقلم: عبد الفتاح الصادقي ★
هناك مؤلفات تتجاوز حدود الزمن دون أن تفقد شيئاً من راهنيتها. ولا تكمن قيمتها في الأفكار التي تطرحها وقت صدورها فحسب، بل في قدرتها أيضاً على تسليط الضوء على قضايا جوهرية تظل قائمة، بمعزل عن التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية. وتندرج مسألة التربية والتعليم ضمن هذه الفئة من الاهتمامات العالمية والدائمة؛ فبعد أن واجهت تحديات جمة في الماضي، تظل اليوم ـ وستظل غدًا ـ في صلب تساؤلات المجتمعات حول مستقبلها وقدرتها على إعداد الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب التربوية الأمريكية "نيلا أ. كونرز" (Neila A. Connors) المعنون: «If You Don't Feed the Teachers, They Eat the Students! A Guide to Success for Administrators and Teachers»، الصادر عام 2000، الذي ترجمه إلى العربية د. خليفة السويدي، ود. علي الهاشمي بن النوي رداوي، تحت عنوان «أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب: القيادة الناجحة في التعليم: دليل عملي للإداريين والمعلمين»، عام 2008.
وخلف هذا العنوان المثير، يتبلور طرحٌ يتسم براهنية عميقة حول مكانة المعلم في المنظومة التعليمية، وشروط ازدهاره المهني، ومسؤولية القيادات المدرسية في تهيئة بيئة مواتية للنجاح التربوي.
لا تقتصر أهمية هذا الكتاب على ما يقدمه من نصائح لتحفيز المدرسين وتحسين العلاقات داخل المؤسسات التعليمية، بل تكمن رسالته الأساسية في طرح سؤال جوهري: كيف يمكن مطالبة المعلم بتكوين أجيال قادرة على التعلم والإبداع والمشاركة في بناء المجتمع، في الوقت الذي قد لا توفر له المؤسسة التربوية نفسها الشروط المهنية والنفسية والتنظيمية الضرورية لأداء رسالته؟
من الواضح أن استعارة «إطعام المعلمين» لا تعني تقديم امتيازات مادية فحسب، بل ترمز إلى الاعتراف بمجهوداتهم، واحترام كفاءاتهم، والاستماع إلى انشغالاتهم، وإشراكهم في اتخاذ القرارات، وتوفير بيئة عمل سليمة تحفزهم على المزيد من البذل والعطاء. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يشكل الكتاب مدخلًا مفيدًا للتفكير في بعض الاختلالات التي تواجه المدرسة العمومية المغربية، شريطة تكييف أفكاره مع الخصوصيات الوطنية وعدم التعامل معها باعتبارها وصفة جاهزة للإصلاح. ويمكن الوقوف عند مجموعة من المرتكزات التي يقدمها هذا الكتاب من أجل تحقيق الأهداف المتوخاة، من أهمها:
◆ المرتكز الأول: إعادة الاعتبار للمدرس محور الإصلاح
من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من الكتاب والمرتكزات التي ينبغي الانطلاق منها، ضرورة إعادة النظر في موقع المدرس داخل السياسة التعليمية. فإصلاح التعليم لا يتحقق بمجرد تغيير المناهج والبرامج وإطلاق مشاريع جديدة، وإنما يحتاج إلى مدرس مؤهل، ومستقر مهنيًا، ومحفز، ومقتنع بدوره في تحقيق أهداف الإصلاح.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المغرب، حيث أظهرت نتائج بحث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن التعليم والتعلم (TALIS 2024) أن من أبرز مصادر الضغط المهني لدى أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي كثرة تصحيح الفروض والاختبارات، بنسبة 70 في المائة، وكثرة الحصص الدراسية بنسبة 68 في المائة ، وصعوبات تدبير الانضباط داخل الفصل بنسبة 67 في المائة وعدم الرضا بالأجور التي يتقاضاها هؤلاء أمام المهام التي يقومون بها، حيث لا تتجاوز نسبة المدرسين الذين يبدون رضاهم عن رواتبهم 24 في المائة ، مقابل 39 في المائة كمعدل لدى بلدان المنظمة.
ولا شك أن هذه المؤشرات تجعل رسالة كونرز ذات دلالة عملية، لا يمكن إلا العمل بها في إطار الجهود المبذولة من أجل النهوض بالتعليم ومعالجة الأعطاب التي يعاني منها، فعلى مستوى الأطر التربوية والتعليمية لا يمكن مطالبة المدرسين بتحسين جودة التعليم باستمرار، دون معالجة مصادر الضغط التي تحد من قدراتهم على التركيز والإبداع والتفاعل الإيجابي مع التلاميذ.
◆ المرتكز الثاني: الانتقال من الإدارة التقليدية إلى القيادة التربوية التشاركية
من الأفكار المركزية في الكتاب أن مدير المؤسسة ليس مجرد مسؤول إداري يسهر على تنفيذ التعليمات ومراقبة الحضور والغياب، بل قائد تربوي يتحمل مسؤولية توفير مناخ مهني وإنساني يساعد المدرسين على النجاح.
ويمكن ترجمة هذا التصور إلى ضرورة تطوير أدوار مديري المؤسسات التعليمية بالمغرب، عبر الانتقال من التدبير القائم على المراقبة الإدارية إلى القيادة القائمة على الثقة والتواصل والتحفيز. ويتطلب ذلك إشراك المدرسين في إعداد مشاريع المؤسسات، والاستماع إلى مقترحاتهم، وإشراكهم في تقييم نتائج العملية التعليمية، ومنحهم مساحة أكبر للمبادرة والاجتهاد البيداغوجي. ويمكن القول إن هذا المرتكز يستند إلى المقتضيات الدستورية التي تنص على الديمقراطية التشاركية...
◆ المرتكز الثالث: تحسين الظروف المهنية والنفسية للمدرسين
إن المرتكز الثالث، يشكل الرسالة الأعمق للكتاب، والتي تتمثل في أن التحفيز المعنوي لا يمكن أن يعوض الاختلالات المادية والتنظيمية. فالتشجيع والاعتراف بالمجهود ضروريان، لكنهما يفقدان جزءًا من أثرهما عندما يشتغل المدرس في أقسام مكتظة، أو يواجه نقصًا في الوسائل التعليمية، أو يتحمل أعباء مهنية تفوق قدرته.
في هذا السياق، تؤكد نتائج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إطار دراسة PISA 2025 استمرار بعض هذه الصعوبات بالمغرب؛ إذ يدرس 69 في المائة من التلاميذ في مؤسسات أفاد مديروها بأن نقص الموارد التعليمية يؤثر، بدرجات متفاوتة، في التدريس. وتبلغ النسبة 52 في المائة بالنسبة إلى نقائص البنية التحتية، و76 في المائة بالنسبة إلى نقص الأطر المساعدة.
كما انخفضت نسبة التلاميذ الذين يدرسون في مؤسسات أبلغ مديروها عن تأثير نقص هيئة التدريس من 56 في المائة سنة 2022 إلى 36 في المائة سنة 2025، وهو تطور إيجابي ينبغي البناء عليه.
ومن ثم، فإن الاستفادة من الكتاب تقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تشمل تحسين ظروف العمل، وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وتوفير الوسائل البيداغوجية، ومواكبة المدرسين في تدبير السلوكيات الصعبة داخل الفصول، والاهتمام بالصحة النفسية والمهنية.
◆ المرتكز الرابع: بناء ثقافة الاعتراف والتقدير
إنه مرتكز أساسي لتوفير كافة الشروط الكفيلة بنجاح العملية التعليمية، حيث تؤكد الكاتبة أن الاعتراف بالمجهودات اليومية للمدرس يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء الانتماء المهني. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ في إرساء ثقافة مؤسساتية تحتفي بالمبادرات التربوية الناجحة، وتثمن التجارب المتميزة، وتشجع تبادل الخبرات بين المدرسين. ولا ينبغي أن يقتصر التقدير على الجوائز والمناسبات الرمزية، بل يجب أن ينعكس في مسارات الترقية، والتكوين المستمر، وتكافؤ الفرص المهنية، والاستماع إلى المبادرات والمقترحات التي يقدمها رجال ونساء التعليم.
الحقيقة أن بيانات TALIS 2024 تكشف عن جانب يستحق التأمل، فهناك 50 في المائة من المدرسين المغاربة يرون أن المجتمع يقدر مهنة التدريس، مقابل 22 في المائة في متوسط دول المنظمة، لكن 29 في المائة فقط يرون أن آراء المدرسين تحظى بالتقدير لدى صانعي القرار. وهذا التباين يبرز أن الاعتراف الاجتماعي بالمهنة لا يعني بالضرورة أن صوت المدرس حاضر بما يكفي عند صياغة السياسات التعليمية.
◆ المرتكز الخامس: ربط الاهتمام بالمدرس بجودة التعليم
لا ينبغي أن يتحول الاهتمام بالمدرس إلى غاية منفصلة عن حق التلميذ في تعليم جيد. فالفكرة المركزية للكتاب هي أن العناية بالمعلم وسيلة لتحسين البيئة التعليمية، وبالتالي الارتقاء بمستوى التعليم.
في هذا الإطار، تؤكد نتائج PISA 2025 أهمية هذا الربط؛ إذ سجل التلاميذ المغاربة نتائج أقل من نتائج 2022 في الرياضيات والقراءة، فيما ظلت نتائج العلوم متقاربة. وتكشف هذه النتائج عن استمرار تحديات التعليم الأساسية، بما يستدعي معالجة العوامل المؤثرة فيها، من جودة التدريس إلى ظروف التعلم والدعم التربوي والموارد المتاحة.
لذلك، ينبغي أن تقترن برامج تحفيز المدرسين بمؤشرات واضحة لقياس أثرها على مستوى القراءة والرياضيات والعلوم، وتقليص التعثر الدراسي والهدر المدرسي، وتحسين العلاقة بين المدرس والتلميذ.
◆ المرتكز السادس: إدماج فلسفة الكتاب في الإصلاح التعليمي
تتقاطع أفكار كونرز مع بعض الأهداف المعلنة في خارطة الطريق المغربية 2022-2026، التي جعلت التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية محاور أساسية للإصلاح، وحددت من بين غاياتها تعزيز التعلمات الأساسية، والارتقاء بالأنشطة الموازية، والحد من الهدر المدرسي.
ويمكن تعزيز هذا التوجه من خلال إرساء برامج عملية داخل المؤسسات، تقوم على المواكبة المهنية للمدرسين الجدد، وتوفير التكوين المستمر المرتبط بالحاجات الفعلية للفصول الدراسية، وتأسيس فرق تربوية لتبادل الخبرات، واعتماد لقاءات دورية بين الإدارة والمدرسين لتشخيص الصعوبات وإيجاد الحلول، فضلًا عن تطوير آليات الاعتراف بالمبادرات المهنية الناجحة.
كما ينبغي إيلاء عناية خاصة للمؤسسات الواقعة في المناطق القروية والنائية، حيث تتداخل صعوبات العمل مع إشكالات النقل والسكن والولوج إلى الخدمات والموارد التعليمية.
وبشكل عام يمكن القول إن القيمة العملية لكتاب «أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب» تتمثل في إعادة توجيه النقاش حول إصلاح التعليم نحو الإنسان الذي يوجد في قلب العملية التربوية. فهو يذكرنا بأن المدرس ليس مجرد منفذ للبرامج والمقررات، بل فاعل أساسي في بناء شخصية المتعلم وتكوين المواطن. ولا بد من التأكيد أن الاستفادة من الكتاب في المغرب تقتضي تجاوز المقاربة التحفيزية وحدها، وربط الاعتراف المعنوي بالإنصاف المهني، وتحسين ظروف العمل، وتطوير القيادة التربوية، وتعزيز مشاركة المدرسين في صياغة القرارات.
هناك مؤلفات تتجاوز حدود الزمن دون أن تفقد شيئاً من راهنيتها. ولا تكمن قيمتها في الأفكار التي تطرحها وقت صدورها فحسب، بل في قدرتها أيضاً على تسليط الضوء على قضايا جوهرية تظل قائمة، بمعزل عن التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية. وتندرج مسألة التربية والتعليم ضمن هذه الفئة من الاهتمامات العالمية والدائمة؛ فبعد أن واجهت تحديات جمة في الماضي، تظل اليوم ـ وستظل غدًا ـ في صلب تساؤلات المجتمعات حول مستقبلها وقدرتها على إعداد الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب التربوية الأمريكية "نيلا أ. كونرز" (Neila A. Connors) المعنون: «If You Don't Feed the Teachers, They Eat the Students! A Guide to Success for Administrators and Teachers»، الصادر عام 2000، الذي ترجمه إلى العربية د. خليفة السويدي، ود. علي الهاشمي بن النوي رداوي، تحت عنوان «أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب: القيادة الناجحة في التعليم: دليل عملي للإداريين والمعلمين»، عام 2008.
وخلف هذا العنوان المثير، يتبلور طرحٌ يتسم براهنية عميقة حول مكانة المعلم في المنظومة التعليمية، وشروط ازدهاره المهني، ومسؤولية القيادات المدرسية في تهيئة بيئة مواتية للنجاح التربوي.
لا تقتصر أهمية هذا الكتاب على ما يقدمه من نصائح لتحفيز المدرسين وتحسين العلاقات داخل المؤسسات التعليمية، بل تكمن رسالته الأساسية في طرح سؤال جوهري: كيف يمكن مطالبة المعلم بتكوين أجيال قادرة على التعلم والإبداع والمشاركة في بناء المجتمع، في الوقت الذي قد لا توفر له المؤسسة التربوية نفسها الشروط المهنية والنفسية والتنظيمية الضرورية لأداء رسالته؟
من الواضح أن استعارة «إطعام المعلمين» لا تعني تقديم امتيازات مادية فحسب، بل ترمز إلى الاعتراف بمجهوداتهم، واحترام كفاءاتهم، والاستماع إلى انشغالاتهم، وإشراكهم في اتخاذ القرارات، وتوفير بيئة عمل سليمة تحفزهم على المزيد من البذل والعطاء. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يشكل الكتاب مدخلًا مفيدًا للتفكير في بعض الاختلالات التي تواجه المدرسة العمومية المغربية، شريطة تكييف أفكاره مع الخصوصيات الوطنية وعدم التعامل معها باعتبارها وصفة جاهزة للإصلاح. ويمكن الوقوف عند مجموعة من المرتكزات التي يقدمها هذا الكتاب من أجل تحقيق الأهداف المتوخاة، من أهمها:
◆ المرتكز الأول: إعادة الاعتبار للمدرس محور الإصلاح
من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من الكتاب والمرتكزات التي ينبغي الانطلاق منها، ضرورة إعادة النظر في موقع المدرس داخل السياسة التعليمية. فإصلاح التعليم لا يتحقق بمجرد تغيير المناهج والبرامج وإطلاق مشاريع جديدة، وإنما يحتاج إلى مدرس مؤهل، ومستقر مهنيًا، ومحفز، ومقتنع بدوره في تحقيق أهداف الإصلاح.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المغرب، حيث أظهرت نتائج بحث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن التعليم والتعلم (TALIS 2024) أن من أبرز مصادر الضغط المهني لدى أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي كثرة تصحيح الفروض والاختبارات، بنسبة 70 في المائة، وكثرة الحصص الدراسية بنسبة 68 في المائة ، وصعوبات تدبير الانضباط داخل الفصل بنسبة 67 في المائة وعدم الرضا بالأجور التي يتقاضاها هؤلاء أمام المهام التي يقومون بها، حيث لا تتجاوز نسبة المدرسين الذين يبدون رضاهم عن رواتبهم 24 في المائة ، مقابل 39 في المائة كمعدل لدى بلدان المنظمة.
ولا شك أن هذه المؤشرات تجعل رسالة كونرز ذات دلالة عملية، لا يمكن إلا العمل بها في إطار الجهود المبذولة من أجل النهوض بالتعليم ومعالجة الأعطاب التي يعاني منها، فعلى مستوى الأطر التربوية والتعليمية لا يمكن مطالبة المدرسين بتحسين جودة التعليم باستمرار، دون معالجة مصادر الضغط التي تحد من قدراتهم على التركيز والإبداع والتفاعل الإيجابي مع التلاميذ.
◆ المرتكز الثاني: الانتقال من الإدارة التقليدية إلى القيادة التربوية التشاركية
من الأفكار المركزية في الكتاب أن مدير المؤسسة ليس مجرد مسؤول إداري يسهر على تنفيذ التعليمات ومراقبة الحضور والغياب، بل قائد تربوي يتحمل مسؤولية توفير مناخ مهني وإنساني يساعد المدرسين على النجاح.
ويمكن ترجمة هذا التصور إلى ضرورة تطوير أدوار مديري المؤسسات التعليمية بالمغرب، عبر الانتقال من التدبير القائم على المراقبة الإدارية إلى القيادة القائمة على الثقة والتواصل والتحفيز. ويتطلب ذلك إشراك المدرسين في إعداد مشاريع المؤسسات، والاستماع إلى مقترحاتهم، وإشراكهم في تقييم نتائج العملية التعليمية، ومنحهم مساحة أكبر للمبادرة والاجتهاد البيداغوجي. ويمكن القول إن هذا المرتكز يستند إلى المقتضيات الدستورية التي تنص على الديمقراطية التشاركية...
◆ المرتكز الثالث: تحسين الظروف المهنية والنفسية للمدرسين
إن المرتكز الثالث، يشكل الرسالة الأعمق للكتاب، والتي تتمثل في أن التحفيز المعنوي لا يمكن أن يعوض الاختلالات المادية والتنظيمية. فالتشجيع والاعتراف بالمجهود ضروريان، لكنهما يفقدان جزءًا من أثرهما عندما يشتغل المدرس في أقسام مكتظة، أو يواجه نقصًا في الوسائل التعليمية، أو يتحمل أعباء مهنية تفوق قدرته.
في هذا السياق، تؤكد نتائج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إطار دراسة PISA 2025 استمرار بعض هذه الصعوبات بالمغرب؛ إذ يدرس 69 في المائة من التلاميذ في مؤسسات أفاد مديروها بأن نقص الموارد التعليمية يؤثر، بدرجات متفاوتة، في التدريس. وتبلغ النسبة 52 في المائة بالنسبة إلى نقائص البنية التحتية، و76 في المائة بالنسبة إلى نقص الأطر المساعدة.
كما انخفضت نسبة التلاميذ الذين يدرسون في مؤسسات أبلغ مديروها عن تأثير نقص هيئة التدريس من 56 في المائة سنة 2022 إلى 36 في المائة سنة 2025، وهو تطور إيجابي ينبغي البناء عليه.
ومن ثم، فإن الاستفادة من الكتاب تقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تشمل تحسين ظروف العمل، وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وتوفير الوسائل البيداغوجية، ومواكبة المدرسين في تدبير السلوكيات الصعبة داخل الفصول، والاهتمام بالصحة النفسية والمهنية.
◆ المرتكز الرابع: بناء ثقافة الاعتراف والتقدير
إنه مرتكز أساسي لتوفير كافة الشروط الكفيلة بنجاح العملية التعليمية، حيث تؤكد الكاتبة أن الاعتراف بالمجهودات اليومية للمدرس يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء الانتماء المهني. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ في إرساء ثقافة مؤسساتية تحتفي بالمبادرات التربوية الناجحة، وتثمن التجارب المتميزة، وتشجع تبادل الخبرات بين المدرسين. ولا ينبغي أن يقتصر التقدير على الجوائز والمناسبات الرمزية، بل يجب أن ينعكس في مسارات الترقية، والتكوين المستمر، وتكافؤ الفرص المهنية، والاستماع إلى المبادرات والمقترحات التي يقدمها رجال ونساء التعليم.
الحقيقة أن بيانات TALIS 2024 تكشف عن جانب يستحق التأمل، فهناك 50 في المائة من المدرسين المغاربة يرون أن المجتمع يقدر مهنة التدريس، مقابل 22 في المائة في متوسط دول المنظمة، لكن 29 في المائة فقط يرون أن آراء المدرسين تحظى بالتقدير لدى صانعي القرار. وهذا التباين يبرز أن الاعتراف الاجتماعي بالمهنة لا يعني بالضرورة أن صوت المدرس حاضر بما يكفي عند صياغة السياسات التعليمية.
◆ المرتكز الخامس: ربط الاهتمام بالمدرس بجودة التعليم
لا ينبغي أن يتحول الاهتمام بالمدرس إلى غاية منفصلة عن حق التلميذ في تعليم جيد. فالفكرة المركزية للكتاب هي أن العناية بالمعلم وسيلة لتحسين البيئة التعليمية، وبالتالي الارتقاء بمستوى التعليم.
في هذا الإطار، تؤكد نتائج PISA 2025 أهمية هذا الربط؛ إذ سجل التلاميذ المغاربة نتائج أقل من نتائج 2022 في الرياضيات والقراءة، فيما ظلت نتائج العلوم متقاربة. وتكشف هذه النتائج عن استمرار تحديات التعليم الأساسية، بما يستدعي معالجة العوامل المؤثرة فيها، من جودة التدريس إلى ظروف التعلم والدعم التربوي والموارد المتاحة.
لذلك، ينبغي أن تقترن برامج تحفيز المدرسين بمؤشرات واضحة لقياس أثرها على مستوى القراءة والرياضيات والعلوم، وتقليص التعثر الدراسي والهدر المدرسي، وتحسين العلاقة بين المدرس والتلميذ.
◆ المرتكز السادس: إدماج فلسفة الكتاب في الإصلاح التعليمي
تتقاطع أفكار كونرز مع بعض الأهداف المعلنة في خارطة الطريق المغربية 2022-2026، التي جعلت التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية محاور أساسية للإصلاح، وحددت من بين غاياتها تعزيز التعلمات الأساسية، والارتقاء بالأنشطة الموازية، والحد من الهدر المدرسي.
ويمكن تعزيز هذا التوجه من خلال إرساء برامج عملية داخل المؤسسات، تقوم على المواكبة المهنية للمدرسين الجدد، وتوفير التكوين المستمر المرتبط بالحاجات الفعلية للفصول الدراسية، وتأسيس فرق تربوية لتبادل الخبرات، واعتماد لقاءات دورية بين الإدارة والمدرسين لتشخيص الصعوبات وإيجاد الحلول، فضلًا عن تطوير آليات الاعتراف بالمبادرات المهنية الناجحة.
كما ينبغي إيلاء عناية خاصة للمؤسسات الواقعة في المناطق القروية والنائية، حيث تتداخل صعوبات العمل مع إشكالات النقل والسكن والولوج إلى الخدمات والموارد التعليمية.
وبشكل عام يمكن القول إن القيمة العملية لكتاب «أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب» تتمثل في إعادة توجيه النقاش حول إصلاح التعليم نحو الإنسان الذي يوجد في قلب العملية التربوية. فهو يذكرنا بأن المدرس ليس مجرد منفذ للبرامج والمقررات، بل فاعل أساسي في بناء شخصية المتعلم وتكوين المواطن. ولا بد من التأكيد أن الاستفادة من الكتاب في المغرب تقتضي تجاوز المقاربة التحفيزية وحدها، وربط الاعتراف المعنوي بالإنصاف المهني، وتحسين ظروف العمل، وتطوير القيادة التربوية، وتعزيز مشاركة المدرسين في صياغة القرارات.
رئيسية 








الرئيسية




