Quantcast
2026 أكتوبر 30 - تم تعديله في [التاريخ]

رِبَاطٌ دُونَ قَيْدْ !

افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 29 أكتوبر 2026، وهي شهادة ألقيتها في الدورة الأكاديمية التي نظمها بيت الشعر في المغرب يومي الجمعة 23 والسبت 24 من نفس الشهر بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط.


رِبَاطٌ دُونَ قَيْدْ !
العلم - محمد بشكار

أنا من الرباطْ، وما زلتُ في عُقْرِه مُرابطاً منذ انْفلَتْتُ من القِماطْ، ولكنني لستُ ابنَ Centre ville، كبرتُ خارج الأسوار الأثرية الحمراء، تلك التي تُطوِّق الأجهزة الرسمية بيد من حديد، كبرتُ  في حيٍّ شعبي راقٍ جدّاً، البابُ مفتوحٌ على الباب، ومَنْ يَخرج مُبكِّرا يا فتّاح يا رزّاق، يُوصِل معه إلى الفرّان، وهو في الطريق إلى العمل أو المدرسة، أول وصْلة خُبْزٍ يجدُها على عتبة أحد البيوت، كُلُّ الجيران أحباب في الدرب، القلب على القلب في السراء والضراء، والكبير يُربِّي الصغير، ومن أين للقامة مهما طالت أن تتجاوز القيمة، من أين للعين الجُرأة لترتفع على الحاجب !

لست ابنَ Centre ville، ولكنني واحدٌ من الأتراب الذين اكتسبوا مناعة لا تُقَاوَم، بالتّمرُّغ في التراب، أملأ جيوبي بالحجارة كطير أبابيل، وأملأ معها نفسي بالغضب، وقد أقذفها كلما تضخّمت السلطة في هيئة فيل، يعرفني أبو رقراق فأنا جارُه في الحَافّة، ويعرفني في شالّة، بلارج الرابضُ منذ أجيالٍ في العُشْ، فهو وأنا لا نُقيم إلا في أعالي الهامشْ، ألم أقل إنّي لست ابنَ Centre ville، وأنّي عشت حُرّاً دون قيد، وما زلتُ أعيش ما امتد العمُر كهذه الأسْطُر، في رباطٍ خارج الأسوار الأثرية الحمراء، نحن الأطفال الذين كُلّما أرَدْنا السّفر، نبتَتْ لأذرُعِنا أجنحة مثنى وثلاث ورُباعيةُ الدفع، وهتفنا فرحين سنذهب اليوم إلى المدينة، ولم يكن هذا السّفر التاريخي، سوى عبورٍ قصير من باب زعير، ومنه إلى باب الحد، وهُبْ إلى أعلى الهضبة السجنية في مقبرة الشهداء، تلك المُشرئِبّة على البحر بباب العلو، أما وسيلة النقل ففي كل أشكالها القتل، ولك أن تختار النعش الذي تريد، إما على متن الخط رقم 11 أي القَدمين، لمن في رُكبتيه القوةَ لِقطْع مسافةِ ستة كيلومترات، أو بسيارة الأجرة لمن وجد في جيبه سُيولا، أو بحافلة غاصّة مائلة، إذا أغلقتِ الأبواب، تُولَجُ دون تذاكر من نافذة الإغاثة ! 

كلما تقدَّم الإنسان في العمر اتسعت الذاكرة، وأصبح حبلُ الحكي عالقاً بأشلائه في سطوح الماضي، وها يتراءى لي مع حبل هذا الحكي، مقصٌّ يقطع حبلي السُّرِّي تتلوه صرخةُ الولادة، وهي ذات الصرخة التي ما زلت أحتفظ بها ولكن في قصيدة، إنّه ولدٌ.. هلّلت القابلة وهي تلُفُّني في خرقة بيضاء، ثم وكأنها تؤدي رقْصة زوربا الأخيرة، دفنتْني في صدر أمّي الواهنة، أليس منها نُولدُ.. وإلى أمِّنا الأرض نعود بذات الخرقة البيضاء، كان ذلك في سبيطار الولادة للامريم بدوار الدوم، والذي تحول إلى مدرسة مشهورة باسم حِساء كان يُقدَّم للتلاميذ في مطعمها البلدي، ألا وهو مدرسة الصُّوبّا، تلك التي كانت تقبع في مُفترق طرق لا يؤدي لأيِّ أفق، ولكنه يوزِّع شرْيان الحياة، عبر أشْهَرِ الأحياء الشّعبية في الرباط، وليس أخطرها كما يُشاع من باب تعمير المذياع، ومنها دوار الدوم والتقدم ودوار الحاجة والمعاضيد وشالة، إنه يا سادة الطرفُ الآخرُ المنسيُّ من السُّور التاريخي الأحمر، ذاك الذي يَفْصِل بين رباطين، رباط الخيل ورباط الليل.. !

لا أعرف ما الذي كنتُ سأكونُ عليه، لو لم أزْدَدْ في الرِّباط، فالماءُ يأخذُ شكلَ إنائهِ وأنَاهُ ولو انحرفَ وتمرّدْ، تُراني سأكون على غير ما أنا عليه اليوم، لو لم يَنْزَحِ الوالد في غفلة عن الجَد، مُلتحقاً بموجة الشباب المهاجرين من البادية إلى المدينة، ربما كنتُ سأكون راعي غنمْ، أتوكأ في الأعالي قريبا من الغيمْ، على عصاي عوض القلمْ، أو أكون إقطاعيا كَجَدْيٍ من بُرجٍ تُرابي، أضمُّ أراضي صغارَ الفلاحين إلى بعضها بجشعٍ فيودالي، وأنتظرُ ترخيصاً من السماء أعلِّقُهُ على القبر، ولكن ها أنا في الرباط حيث ما زلت مُرابِطاً، ولا أملك إلا أن أشكر الأقدارْ على هذا الاختيارْ !

ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 29 أكتوبر 2026


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار