العلم : أسماء لمسردي
في ظرف ساعات قليلة، قلب إغلاق مضيق هرمز موازين سوق الأسمدة العالمية، دافعا بالمغرب إلى واجهة مشهد دولي مرتبك كفاعل حاسم في معادلة الأمن الغذائي،وهذا التحول المفاجئ لم يكن تدريجيا ولا متوقعا، بل جاء كصدمة عنيفة أصابت سلاسل الإمداد في الخليج، وشلت قدرات إنتاجية كبرى، على رأسها عملاق التعدين Maaden، المنافس المباشر للمغرب.
وفق معطيات صناعية متقاطعة، فإن توقف تدفقات المواد الأولية، خاصة الأمونياك، أدى إلى شلل شبه فوري في جزء من المنظومة الإنتاجية الخليجية، مع احتجاز شحنات بحرية وتوقف مصانع تعد من الأكثر تطورا عالميا. وفي خضم هذا الارتباك، برز OCP Group كفاعل شبه منفرد قادر على تزويد الأسواق، مستفيدا من تموقعه خارج بؤرة التوتر.
أسعار الأمونياك سجلت ارتفاعا حادا، فيما سادت حالة من القلق لدى كبار المستوردين، خصوصا في آسيا وأوروبا، حيث أصبح تأمين الأسمدة أولوية استراتيجية، إذ إن تعطل إمداداتها ينعكس مباشرة على سلاسل الإنتاج الزراعي ويضع الأمن الغذائي تحت ضغط وتهديد متزايد.
في هذا السياق، تحولت الأنظار نحو المغرب، الذي يمتلك حوالي 70 في المائة من احتياطات الفوسفاط العالمية، ويحتضن واحدة من أكبر المنظومات الصناعية في هذا المجال على مستوى العالم، خاصة في مركب الجرف الأصفر. هناك، تعمل الوحدات الإنتاجية بأقصى طاقتها، بينما يتدافع الزبائن لتأمين حاجياتهم، في مشهد يعكس لحظة نادرة من «الطلب القسري» في الاقتصاد الدولي.
غير أن هذا الصعود السريع يخفي معضلة بنيوية حساسة،لأن صناعة الأسمدة المركبة لا تقوم على الفوسفاط وحده، بل تعتمد بشكل حاسم على الأمونياك، الذي ظل المغرب يستورد جزءا مهما منه، خاصة من نفس المنطقة التي تعيش اليوم اضطرابا غير مسبوق.
هذه الحقيقة تضع المملكة أمام مفارقة دقيقة: فهي اليوم في موقع المنقذ العالمي، لكنها في الآن ذاته معرضة لاختناق إنتاجي إذا طال أمد الأزمة. مصادر مهنية تشير إلى أن المخزونات الحالية قد تضمن استمرارية الإنتاج لأسابيع أو بضعة أشهر، لكنها لا تكفي لمواكبة طلب عالمي متصاعد بوتيرة غير مسبوقة.
ما كشفت عنه هذه الأزمة يتجاوز البعد التجاري، ليضع مسألة الاستقلال الطاقي في صلب المعادلة،إذ إن إنتاج الأمونياك لم يعد خيارا صناعيا أو بيئيا فقط، بل تحول إلى رهان سيادي، وهنا يبرز مشروع «الأمونياك الأخضر» كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل.
ويمتلك المغرب مؤهلات قوية في هذا المجال، بفضل موارده من الطاقة الشمسية والريحية، ما يؤهله لإنتاج الهيدروجين الأخضر ثم تحويله إلى أمونياك محليا، وبالتالي تقليص الاعتماد على الواردات. ووفق تقديرات خبراء في الطاقة، فإن تسريع هذا التحول قد يعيد رسم موقع المغرب ليس فقط كمصدر للفوسفاط، بل كقطب صناعي متكامل في منظومة الأسمدة العالمية
.
في خضم هذه التحولات، يتزايد اهتمام أوروبا، وخاصة ألمانيا، بتعزيز شراكاتها مع المغرب، بحثا عن بدائل مستقرة للطاقة والمواد الاستراتيجية، وهذا التقارب يفتح آفاقا استثمارية كبرى، لكنه في الوقت ذاته يضع الرباط أمام اختبار السرعة والنجاعة في تنزيل مشاريعها الصناعية.
رئيسية 








الرئيسية






