عادت إشكالية حرائق الغابات بالمغرب لتتصدر واجهة النقاش العمومي والاهتمام الوطن، إثر الحريق المهول الذي اندلع نهاية الأسبوع المنصرم بغابة «ملوسة» التابعة لإقليم الفحص أنجرة بضواحي طنجة. هذا الحادث، الذي تزامن مع الارتفاع المضطرد في درجات الحرارة وهبوب رياح «الشركي» الجافة القوية، جاء ليدق ناقوس الخطر مجدداً حول سلامة الرئة الخضراء للمملكة في ظل سياق مناخي إقليمي ودولي شديد التعقيد والتطرف.
وقد استنفر الحريق، الذي أتى على نحو 45 هكتاراً من الغطاء الغابوي المتنوع، أجهزة الدولة التي أبانت عن جاهزية ميدانية عالية؛ حيث عبأت السلطات لإخماد النيران زهاء 300 عنصر من مختلف المتدخلين، شملت مصالح المياه والغابات، الوقاية المدنية، القوات المسلحة الملكية، القوات المساعدة، والإنعاش الوطني، بتنسيق ميداني وثيق مع السلطات المحلية والدرك الملكي. وهي الجهود الأرضية التي تعززت بالتدخل الجوي الفعال لطائرات «كنادير» الإطفائية، مما مكن من السيطرة الكاملة على الحريق صباح أول أمس الأحد، وتفادي وقوع أي خسائر بشرية.
ولم يكن حريق «ملوسة» مجرد حادث موسمي عابر، بل يطرح بوعي استراتيجي مسألة «الأمن الغابوي» بالمغرب تزامناً مع موجات الحرارة القياسية. وفي هذا السياق، حذرت الوكالة الوطنية للمياه والغابات في نشراتها الإنذارية الأخيرة من صيف ساخن، واضعة أزيد من 12 إقليماً في مستوى «خطورة قصوى»، مما يؤكد أن المنظومة البيئية للمملكة باتت تواجه مهددات بنيوية ناتجة عن التغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف التي أفقدت الغطاء النباتي رطوبته الطبيعية وجعلته سريع الاشتعال.
وفي قراءة علمية لأبعاد هذه الظاهرة، أكد مصطفى بنرامل، الخبير في التشريع البيئي ورئيس جمعية بيئية تعنى بالمناخ والتنمية المستدامة، في تصريح لجريدة «العلم»، أن العامل المناخي يشكل أحد أهم الأسباب التي تفسر السرعة القياسية لانتشار النيران، خاصة خلال فصل الصيف.
وأوضح بنرامل أن موجات الحرارة المرتفعة المصحوبة برياح «الشركي» الحارة والجافة تتسبب في خفض نسب الرطوبة بشكل حاد، مما يؤدي إلى تجفيف الغطاء النباتي وتحويل الأعشاب والأغصان إلى وقود سريع الاشتعال يغذي اللهب بالأكسجين ويدفعه بسرعة نحو مساحات جديدة، الأمر الذي يصعّب مأمورية التدخل الميداني بالرغم من التعبئة الفورية لكافة الأجهزة.
وأضاف الخبير البيئي أن ما شهدته غابة «ملوسة» يمثل انعكاساً مباشراً للتغيرات المناخية التي جعلت الحرائق أكثر شدة وتكراراً بالمملكة نتيجة لتواتر سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهي بيئة تزيد من قابلية النظم الغابوية للاشتعال، خصوصاً في غابات الصنوبر والأوكالبتوس والغطاء الشجيري الكثيف.
وأبرز بنرامل في هذا الصدد أن مواجهة هذه التحديات لم تعد تقتصر على سرعة الإطفاء، بل تقتضي تدبير «الوقود النباتي» داخل الغابات وجرف الحشائش المحاذية للطرقات والمسارات الغابوية، بما ينسجم مع استراتيجية المغرب للتكيف مع آثار التغير المناخي.
وفي سياق تقييم مدى نجاعة المنظومة الرقمية المعتمدة، يشير الخبير البيئي إلى أن تصنيف الوكالة الوطنية للمياه والغابات لأكثر من 12 إقليماً ضمن مستوى «الخطورة القصوى» يعكس نجاعة ملموسة وتطوراً فارقاً في تدبير الأمن الغابوي؛ حيث لم يعد التعامل مع النيران يقتصر على مقاربة علاجية بعد اندلاعها، بل بات يرتكز على هندسة وقائية تتنبأ بالمخاطر قبل وقوعها.
وتتجلى كفاءة هذا النظام الرقمي، حسب المتحدث، في قدرته الفائقة على صهر ودمج حزمة من المعطيات البيئية والمناخية المعقدة داخل نماذج رقمية متطورة بصفة آنية؛ إذ يجري تحليل درجات الحرارة، سرعة واتجاه الرياح، نسب الرطوبة، مؤشرات الإجهاد المائي، وطبيعة التضاريس، والربط بينها وبين البيانات المستخلصة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد. وبواسطة نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وخوارزميات تقييم المخاطر، تكمن نجاعة النظام في تحويل هذه البيانات الجافة إلى «خرائط يقظة يومية» تحدد بدقة متناهية جغرافية المناطق الأكثر عرضة للاشتعال.
وأفاد أن هذه النجاعة الرقمية تترجم ميدانياً إلى مكاسب عملياتية حاسمة؛ فالخرائط المنتجة توفر بوصلة دقيقة لتوجيه آليات الدولة بشكل استباقي، مما يتيح «التموقع القبلي» لفرق الإطفاء الأرضية والطائرات المختصة في إخماد الحرائق بالقرب من البؤر السوداء قبل اشتعالها، فضلاً عن تفعيل أنظمة المراقبة وإصدار تحذيرات مبكرة للسلطات المحلية والساكنة لتقنين الأنشطة البشرية في فترات الذروة الحرارية.
وخلص بنرامل إلى أن هذه المنظومة الاستباقية تمثل نقلة نوعية تنسجم مع أفضل المعايير الدولية في مواجهة أزمات المناخ، مستدركاً بأن استدامة هذه النجاعة وتطويرها يظلان رهينين بثلاثة محددات أساسية تتعلق بـ: التحديث المستمر لقواعد البيانات الآنية، وتعميق دمج تقنيات الذاء الاصطناعي في محاكاة سيناريوهات انتشار النيران، والأهم من ذلك، تحويل المخرجات الرقمية إلى وعي بيئي وسلوك مسؤول لدى المواطنين، باعتبار العنصر البشري هو الشريك المحوري في إنجاح أي استراتيجية وطنية للوقاية والاستباق.
رئيسية 








الرئيسية 




