*بقلم: الدكتور محمد الركراكي*
لم يعد التكوين مدى الحياة خياراً إضافياً، بل أصبح ضرورة حتمية في عصر تتسارع فيه وتيرة إنتاج المعرفة والتطور التكنولوجي، بالتوازي مع الانتشار المتنامي للرقمنة والذكاء الاصطناعي. وهي تحولات أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في سوق الشغل، وفي تحديد فرص الاندماج المهني والاستمرار والتطور داخله.
ويتوقع الخبراء أن تعرف العديد من المهن اختفاءً تدريجياً أو تحولات عميقة في طبيعة المهام والمهارات المطلوبة، في الوقت الذي ستظهر فيه مهن جديدة تستدعي اكتساب كفاءات ومهارات متجددة باستمرار. ولم يعد التكوين الذي يحصل عليه الفرد في بداية مساره المهني كافياً لضمان استمراره في سوق شغل سريع التغير.
* الكفاءة بدل الدبلوم في سوق سريع التحول
في هذا السياق، أصبح التوظيف والترقي المهنيان يرتبطان بشكل متزايد بمستوى الكفاءة والقدرة على التكيف والتعلم المستمر، أكثر من ارتباطهما بالدبلوم المحصل عليه في مرحلة معينة من المسار الدراسي.
وهو ما يجعل المقاربة التقليدية القائمة على اعتبار الدبلوم معياراً أساسياً للتوظيف والترقي مقاربة متجاوزة، تفرض مراجعتها لفائدة نموذج جديد يجعل الكفاءة والمهارات والتعلم مدى الحياة في صلب المسار المهني.
ويشمل التكوين مدى الحياة في المغرب نمطين من التكوين، في مقدمتهما تكوينات تلقن في توقيت ميسر وتتوج بدبلومات وطنية معترف بها، على غرار الدبلومات التي تمنحها مسالك التكوين الأساسي.
وفي المقابل، هناك التكوين المستمر المتوج بشهادات ودبلومات جامعية غير معترف بها. ولا تقتصر التكوينات المستمرة على الشهادات الجامعية، بل تشمل أيضاً مستويات دبلومية من قبيل الإجازة والماستر والدكتوراه.
* جودة التكوين وأثره في الاندماج المهني
اعتباراً لما سبق، وتعزيزاً للتميز والفعالية اللذين ينبغي أن يميزا مؤسسات التعليم العالي في تقديم تكوينات في هذا المجال، فإن المعيار الأساسي لاعتماد أي تكوين مستمر يجب أن يتمثل في قدرته على إكساب المستفيدين كفايات ومهارات حقيقية تعزز فرصهم في الولوج إلى سوق الشغل والارتقاء داخله.
كما ينبغي أن يشكل هذا المعيار أساساً لتحديد جودة التكوين، ومعياراً للتميز، وآلية للمنافسة بين مؤسسات التعليم العالي. فالتنافس الحقيقي في مجال التكوين المستمر لا ينبغي أن يقوم على عدد التكوينات أو أعداد المسجلين، وإنما على جودة التكوين، وقابليته للاندماج المهني، والقيمة المضافة التي يحققها للمستفيدين، والأثر الذي يتركه على مساراتهم المهنية.
ففي عصر تتغير فيه المهن والمهارات بوتيرة متسارعة، تتعزز وجاهة سرعة اكتساب مهارات وكفايات محددة يطلبها المجتمع وسوق الشغل، بدل التركيز حصراً على التكوينات الطويلة المؤدية إلى دبلومات يتم الحصول عليها بعد سنوات من الدراسة، بينما قد لا تتلاءم في نهاية المطاف مع حاجيات سوق الشغل ومتطلباته.
ولذلك، ينبغي أن يحظى التكوين القصير والمرن بمكانة أكبر ضمن منظومة التكوين مدى الحياة، شريطة أن يستند إلى حاجيات حقيقية، وأن يخضع لمعايير واضحة للجودة والتقييم وقياس الأثر.
* رسوم التوقيت الميسر تفتح سؤال التمويل
يثير التكوين الملقن في توقيت ميسر والمتوج بدبلومات معترف بها جدلاً واسعاً خلال هذا الدخول الجامعي، خصوصاً في ظل تقديمه باعتباره المسار الوحيد المتاح، بل والإلزامي، أمام العاملين في القطاعين العام والخاص الراغبين في مواصلة دراستهم في التكوين الأساسي.
ويتركز جانب من هذا الجدل حول الرسوم المفروضة على المستفيدين، والتي يُبرَّر جزء منها بخصوصية هذا النمط من التكوين، باعتبار أن الدروس تُنظم في المساء وخلال عطل نهاية الأسبوع، الأمر الذي يستدعي تعويض الأساتذة والأطر الذين يؤدون مهامهم خارج أوقات عملهم المعتادة.
غير أن هذا التبرير يفتح، في المقابل، نقاشاً أوسع حول كلفة التكوين وكيفية تمويله، وحول مدى ملاءمة الرسوم المفروضة مع القيمة المضافة التي يفترض أن يوفرها هذا التكوين للمستفيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموظفين وأجراء يسعون إلى تطوير كفاءاتهم وتحسين فرصهم في الاندماج والترقي المهني.
كما يطرح هذا النمط من التكوين إشكالية المساواة بين الطلبة والموظفين والأجراء؛ إذ قد يجد طالب متفرغ للدراسة نفسه عاجزاً عن الولوج إلى بعض التكوينات بسبب محدودية المقاعد أو شروط الولوج، في حين يستطيع موظف أو أجير، حتى بمؤهلات علمية أقل، الالتحاق بالتكوين نفسه في إطار مسار مؤدى عنه، متى توفرت لديه الإمكانيات المالية.
* تكافؤ الفرص بين الاستحقاق والقدرة المالية
إن حصر إمكانية مواصلة الموظفين والأجراء لدراستهم في التكوين المؤدى عنه، ومنعهم في المقابل من الولوج إلى مسالك التكوين الأساسي المجاني، بدعوى صعوبة التوفيق بين الدراسة والعمل، يطرح عدداً من التساؤلات حول مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم العالي.
وقد يؤدي ذلك، عملياً، إلى خلق نوع من التمييز بين المستفيدين من التعليم العالي على أساس الوضعية المهنية والقدرة المالية، بدل الاحتكام أساساً إلى الاستحقاق والكفاءة وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الباب، فإن المسؤولين في المؤسسات العمومية والقطاع الخاص مطالبون بوضع مخططات واضحة لتشجيع موظفيهم ومستخدميهم على الانخراط في التكوين المستمر.
فمواكبة التحولات المتسارعة في سوق الشغل لا يمكن أن تظل مسؤولية الفرد وحده، بل ينبغي أن تتحول إلى استثمار مشترك في الرأسمال البشري. ويتطلب ذلك اتخاذ إجراءات عملية، من قبيل السماح للموظفين بمتابعة الدروس خلال أوقات العمل، أو المساهمة في تحمل رسوم التسجيل.
* التكوين عن بُعد لكسر الحاجز الجغرافي
يفرض تعميم التكوين المستمر وإنصاف كل المواطنين اعتماداً أوسع على التكوين عن بُعد، بما يتيح لسكان الأقاليم والمناطق التي لا تتوفر على مؤسسات للتعليم العالي إمكانية الولوج إلى تكوينات ذات جودة، وتطوير مهاراتهم وكفاءاتهم المهنية، من دون أن يشكل البعد الجغرافي عائقاً أمامهم.
* الدكتوراه والبحث العلمي ليسا عبئاً على الباحث
أما بالنسبة إلى الدكتوراه، فإن تحميل الموظفين الباحثين، الذين يساهمون في إنتاج المعرفة وتطوير البحث العلمي، رسوم التسجيل يمثل أمراً يحتاج إلى مراجعة.
فالبحث العلمي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره عبئاً مالياً على الباحث، بل باعتباره استثماراً وطنياً في إنتاج المعرفة والابتكار. وتمويل البحث العلمي يمكن أن يتم عبر آليات متعددة، من بينها الشراكات الوطنية والدولية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة بشكل أكبر من برامج ومشاريع البحث العلمي الدولي. فالمغرب، رغم ما يتوفر عليه من كفاءات وباحثين ومؤسسات جامعية، ما يزال بحاجة إلى تعزيز حضوره في برامج التمويل الدولي للبحث العلمي، والاستفادة بصورة أكبر من الفرص التي تتيحها الشراكات والمشاريع الدولية، بما يمكن من تعبئة موارد إضافية وتطوير البنيات البحثية وتعزيز إشعاع الجامعات المغربية.
* الاستثمار في الإنسان مسؤولية مشتركة
إن تطوير التكوين مدى الحياة يقتضي، في نهاية المطاف، تغييراً في فلسفة التدبير والتمويل؛ إذ أشارت تقارير وتقييمات إلى أن الموارد المالية المرصودة للجامعات لا يتم صرفها بالكامل، وأن تنفيذ عدد من الاعتمادات يعرف تعثرات.
كما يستوجب الانتقال من منطق تحميل الفرد كلفة تطوير كفاءاته إلى بناء منظومة تشاركية تعتبر الاستثمار في الإنسان رافعة أساسية للتنمية وتعزيز القدرة التنافسية.
رئيسية 








الرئيسية 






