Quantcast
2026 أغسطس 29 - تم تعديله في [التاريخ]

الدكتور عبد الواحد الفاسي... هرم الطب والقيم في خدمة الوطن

يسلط الكاتب سعيد العتماني الضوء على مسار الدكتور عبد الواحد الفاسي، الطبيب والسياسي الاستقلالي الذي جمع بين الكفاءة الطبية ونزاهة المسؤول وخدمة المواطنين.


الكاتب سعيد العتماني
الكاتب سعيد العتماني

*بقلم: سعيد العتماني*

هناك رجال تُخلّدهم المناصب، وهناك رجال يُخلّدون المناصب بما يتركونه من أثر طيب في نفوس الناس، وبما يقدمونه من خدمات جليلة للوطن والمواطنين. ومن هذا الصنف الرفيع يبرز الدكتور عبد الواحد الفاسي، أحد كبار أطباء القلب والشرايين بالمغرب، وشخصية وطنية مرموقة جمعت بين الكفاءة العلمية، ونبل الأخلاق، ونظافة اليد، والتواضع، والحكمة، والإخلاص في خدمة الوطن.

استطاع الدكتور عبد الواحد الفاسي أن يجمع بين التميز العلمي في تخصص أمراض القلب والشرايين، وتحمل أسمى المسؤوليات الحكومية والسياسية، دون أن يتخلى عن رسالته الإنسانية طبيبًا. فقد ظل يزاول مهامه الطبية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، حتى وهو يتولى مسؤولية وزارة الصحة، إيمانًا منه بأن مهنة الطب رسالة إنسانية قبل أن تكون وظيفة.

ويُعد من الأطباء الذين راكموا خبرة واسعة في أمراض القلب والشرايين، من خلال تكوين علمي رصين ومسار مهني متميز، أهّله ليحظى باحترام زملائه وثقة مرضاه، وليصبح واحدًا من أبرز الأسماء في هذا التخصص الدقيق.

ورغم كونه نجل الزعيم الوطني علال الفاسي، فإنه كان يرفض أن تُربط مكانته باسم والده، وكان يؤكد دائمًا أن الإنسان يصنع مكانته بعلمه واجتهاده وإخلاصه، وأن قيمة المسؤول تُقاس بما يقدمه لوطنه، لا بما يحمله من نسب أو لقب.

وعندما تولى مسؤولية وزارة الصحة، قدم نموذجًا راقيًا في تدبير الشأن العام، إذ فضّل الإقامة بمنزله الخاص بدل السكن الوظيفي، وكان يعتمد على سيارته الخاصة في تنقلاته اليومية، بينما لم تكن سيارة الوزارة تُستعمل إلا في المهام الرسمية، في سلوك يعكس احترامه للمال العام وحرصه على ترشيد النفقات.

ورغم قِصر المدة التي قضاها وزيرًا للصحة، فقد كان من بين المسؤولين الذين أسهموا في وضع اللبنات الأولى لمشروع التغطية الاجتماعية الشاملة لفائدة جميع المغاربة، انطلاقًا من قناعته بأن الحق في العلاج والرعاية الصحية حق أساسي ينبغي أن يتمتع به كل مواطن.

وفي المجال التشريعي، انتُخب عضوًا بمجلس النواب، وتميز عن غيره من البرلمانيين بإحداث مكتب مستقل لاستقبال المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وتتبع ملفاتهم الإدارية والاجتماعية، في مبادرة رائدة جسدت مفهوم القرب من المواطن، وجعلت من العمل البرلماني خدمة يومية للمجتمع، وليس مجرد حضور داخل المؤسسة التشريعية.

كما ارتبط اسمه بعدد من المبادرات الاجتماعية النبيلة، ومن أبرزها مساهمته في إيجاد حل لمشكل السكن غير اللائق الذي كان يعيشه عدد من المواطنين، إذ عمل على توفير سكن لائق للمعنيين، بما يحفظ كرامتهم الإنسانية ويضمن لهم الاستقرار الاجتماعي، في مبادرة عكست حسه الإنساني وإيمانه بأن السكن اللائق حق من حقوق المواطن.

وسياسيًا، كان من أبرز قيادات حزب الاستقلال ورموزه، إذ انتُخب عضوًا في اللجنة التنفيذية للحزب، وكان يحصد باستمرار أعلى الأصوات في انتخابات المجلس الوطني الخاصة باختيار أعضاء اللجنة التنفيذية. كما تولى مهمة منسق الحزب بجهة الشاوية ورديغة، ويترأس حاليًا لجنة الأخلاقيات والسلوك في حزب الاستقلال، وهي مسؤولية تعكس الثقة الكبيرة التي يحظى بها داخل مؤسسات الحزب، وتنسجم مع مساره القائم على النزاهة والانضباط والالتزام بالقيم.

أما مدينة برشيد، فتحتفظ للدكتور عبد الواحد الفاسي بمواقف ستظل خالدة في ذاكرتها. فقد رفض بشكل قاطع مشروع تجزيء مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية، وقال عبارته الشهيرة: «لن أسمح بذلك ما دمت وزيرًا للصحة، لأن مستشفى الرازي موروث تاريخي». وكان يعتبر أن هذا الصرح الطبي يشكل جزءًا من التراث الصحي والتاريخي للمغرب، وأن المحافظة عليه مسؤولية وطنية.

كما صادق على مبدأ تفويت دور السكن التابعة لمستشفى الرازي لفائدة قاطنيها، شريطة إعداد التصاميم التقنية اللازمة، وكلّف الأستاذ أحمد الضحاك بمتابعة هذا الملف. وقد رافق عضوان من جمعية سكان دور المستشفى إلى قسم الممتلكات بوزارة الصحة للاطلاع على نموذج تقني مماثل، قصد إعداد التصاميم المطلوبة، غير أن المشروع لم يكتمل بسبب عدم إنجاز الوثائق التقنية اللازمة.

ومن المواقف الإنسانية التي تجسد نبل أخلاقه أن أحد المرضى كان بحاجة إلى عملية جراحية دقيقة على القلب، ولم يكن قادرًا على تحمل تكلفتها، فبادر إلى منحه رسالة توصية إلى إحدى الجمعيات العاملة داخل المستشفى، والتي تكفلت بنصف قيمة العملية، ثم تابع بنفسه حالته الصحية إلى أن تكللت العملية بالنجاح.

ويشهد كل من عرفه بأنه رجل متواضع، حسن الخلق، قريب من الناس، شديد الانضباط في احترام المواعيد، بل كان يحضر قبل الموعد المحدد، مهما كانت مكانة الشخص الذي يلتقيه. وكان يخصص الوقت الكافي للاستماع إلى المواطنين، دون استعجال أو تبرم، مع حرصه على تنظيم مواعيده وعدم استقبال أي شخص خارج المواعيد المحددة.

كما عُرف بصراحته ووضوحه، فلم يكن يقدم وعودًا يعلم أنه لن يستطيع الوفاء بها، وكان يؤمن بأن الصدق مع المواطنين أساس الثقة. واتسم بالحكمة والرصانة في النقاش، فكان ينصت أكثر مما يتحدث، ويزن الأمور بعقلانية، ويتخذ قراراته بعد دراسة متأنية، واضعًا المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

لقد جسد الدكتور عبد الواحد الفاسي نموذج الطبيب المقتدر، والمسؤول النزيه، والبرلماني القريب من المواطنين، والسياسي الذي جعل من الأخلاق والالتزام منهجًا في حياته. وستظل سيرته عنوانًا للعطاء الصادق، ونموذجًا يُحتذى في الجمع بين العلم والإنسانية وخدمة الوطن، بما يجعل اسمه من أسماء الشخصيات الوطنية التي تستحق أن تُخلّد في ذاكرة الأجيال، تقديرًا لما قدمه للمغرب وللمغاربة.

الدكتور عبد الواحد الفاسي
الدكتور عبد الواحد الفاسي

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار