Quantcast
2026 سبتمبر 13 - تم تعديله في [التاريخ]

القاهرة تفتح بوابة التاريخ.. أول ألعاب عربية بارالمبية أكبر من بطولة

ما يبدأ في القاهرة ليس بطولة عابرة ولا سب00اقًا جديدًا نحو الميداليات؛ الكاتب "بوشعيب حمراوي" يضع أول دورة للألعاب العربية البارالمبية أمام امتحانها الحقيقي: هل تؤسس موعدًا عربيًا دائمًا يمنح الأبطال من ذوي الإعاقة حقهم في المنافسة والاحتضان والإعلام، أم تنتهي الحكاية لحظة إطفاء أنوار الملاعب؟


الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بعد قرابة أربعة عقود من تأسيس الاتحاد العربي، تلتقي 19 دولة في 11 رياضة بمصر… والنجاح الحقيقي لن يُقاس بالميداليات فقط، بل بقدرة الدورة على تأسيس موعد عربي دائم يعيد إلى الرياضيين من ذوي الإعاقة مكانتهم وحقهم في الاهتمام والاحتضان والإعلام

هناك أحداث رياضية تُقاس بعدد المشاركين والميداليات والأرقام القياسية، وهناك أحداث أخرى تتجاوز الملعب والمنصة والنتيجة، لأنها تأتي لتصحح تأخرًا تاريخيًا، وتفتح بابًا ظل موصدًا طويلًا، وتؤسس لمسار جديد كان يُفترض أن يبدأ منذ سنوات. ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن ننظر إلى إسناد تنظيم أول دورة للألعاب العربية البارالمبية إلى مصر، لا باعتبارها مجرد منافسات رياضية أخرى تُضاف إلى أجندة البطولات العربية.

فعندما يجتمع رياضيون ورياضيات من 19 دولة عربية للتنافس في 11 رياضة، ضمن أول دورة جامعة من هذا النوع منذ تأسيس الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة سنة 1987، فإننا لا نكون أمام بطولة عادية، بل أمام لحظة تأسيسية في تاريخ الرياضة العربية البارالمبية، وفرصة لكي تقول المنطقة العربية لأبطالها من ذوي الإعاقة إنهم لم يعودوا هامشًا في المشهد الرياضي، وإن بطولاتهم وإنجازاتهم وتضحياتهم تستحق فضاءً عربيًا جامعًا يليق بها.

ويؤكد الاتحاد أن من بين أهدافه تنظيم الدورات والبطولات العربية، وتعزيز تنافسية الرياضيين العرب وصولًا إلى المنصات الدولية والبارالمبية.

قد يكون السؤال المشروع هو: لماذا انتظر العرب قرابة أربعة عقود بعد تأسيس اتحادهم حتى يروا أول دورة عربية بارالمبية جامعة؟

لا ينبغي طرح السؤال من أجل جلد المؤسسات أو تبخيس ما تحقق اليوم، بل لأن الاعتراف بالتأخر ضروري لفهم قيمة الخطوة الحالية، والحرص على ألا تكون الدورة الأولى حدثًا استثنائيًا وحيدًا، ثم تمر سنوات أخرى قبل أن نسمع عن نسخة ثانية وثالثة.

فالرياضة البارالمبية العربية لم تبدأ اليوم، والعالم العربي أنجب، منذ عقود، أبطالًا وبطلات صعدوا إلى المنصات العالمية والبارالمبية، ورفعوا أعلام بلدانهم في مناسبات دولية كبرى، وأحرزوا ميداليات ربما عجزت رياضات تحظى بميزانيات وتغطيات إعلامية أوسع عن تحقيق مثلها.

ومع ذلك، ظل جزء كبير من الرياضة البارالمبية العربية يعاني تفاوتًا واضحًا في الإمكانات والبنيات وبرامج التكوين والاحتضان والتغطية الإعلامية بين دولة وأخرى.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية للدورة التي ستحتضنها مصر لا تكمن فقط في كونها الأولى، وإنما في قدرتها على أن تصبح نقطة انطلاق لتاريخ جديد، وأن تجعل ما سيأتي بعدها مختلفًا عما سبقها.

وتشير المعطيات المعلنة إلى تنظيم النسخة الأولى في يناير 2027، بمشاركة 19 دولة عربية في 11 رياضة، وبحضور متوقع يتجاوز ألف رياضي ورياضية، وفق تصريحات رئيس اللجنة البارالمبية المصرية، حسام الدين مصطفى.

وهي أرقام تمنح الحدث، منذ نسخته الأولى، حجمًا عربيًا معتبرًا، وتضع في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة على المنظمين والاتحاد العربي والدول المشاركة.

* مصر تؤسس والإعلام أمام الامتحان

يحمل إسناد النسخة الأولى إلى مصر رمزية خاصة؛ فالدولة التي تستضيف البداية لا تنظم بطولة فحسب، بل تضع النموذج الذي ستُقاس عليه الدورات المقبلة.

وتمتلك مصر من المنشآت والخبرة التنظيمية والثقل الرياضي ما يجعل اختيارها مفهومًا، لكن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في جودة الملاعب والإقامة والنقل وحفلي الافتتاح والاختتام، بل في قدرة التنظيم على تقديم الرياضي البارالمبي العربي بالصورة التي يستحقها، وأن تكون جميع تفاصيل الدورة منسجمة مع فلسفة الرياضة البارالمبية القائمة على الكرامة والاستقلالية وتكافؤ الفرص وإزالة الحواجز.

وهنا تصبح المسؤولية الملقاة على اللجنة البارالمبية المصرية، برئاسة الدكتور حسام الدين مصطفى، أكبر من مجرد إنجاح برنامج تنافسي؛ لأن نجاح مصر في النسخة الأولى سيمنح الاتحاد العربي قاعدة صلبة يستطيع الانطلاق منها نحو نسخ لاحقة أكثر قوة واتساعًا، بينما قد يجعل أي ارتباك تنظيمي تحويل الحدث إلى موعد عربي ثابت أكثر صعوبة.

وحين يصف إيهاب حسنين، رئيس الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، الدورة بأنها حدث تاريخي في مسيرة الاتحاد، فهو توصيف في مكانه، لكن التاريخ لا يصنعه افتتاح البطولة وحده، وإنما ما يُبنى بعدها.

فإيهاب حسنين، وهو رياضي بارالمبي سابق شارك بنفسه في دورات بارالمبية دولية قبل انتقاله إلى مواقع المسؤولية الرياضية، يعرف أكثر من غيره معنى أن يبحث الرياضي من ذوي الإعاقة عن المنافسة والاعتراف والاحتضان، ويعرف كذلك أن بناء بطل بارالمبي لا يبدأ قبل البطولة بأشهر، بل يحتاج إلى منظومة مستمرة لاكتشاف المواهب وتكوينها، وتأطير طبي، وتصنيف رياضي، ودعم نفسي واجتماعي، ومنافسات منتظمة.

ولهذا سيكون التحدي الأكبر أمام الاتحاد، بعد إنجاح النسخة المصرية، أن يحدد مبكرًا الدولة التي ستستضيف النسخة الثانية، وأن يضع دورة زمنية ثابتة للألعاب، وألا يبقى تنظيمها مرتهنًا بالمبادرات الظرفية أو بتوفر بلد مستعد للاستضافة.

يجب أن نصل إلى يوم يصبح فيه السؤال الطبيعي بعد ختام كل دورة هو: أين ستقام الدورة المقبلة؟ لا: هل ستقام دورة أخرى أصلًا؟

ويمكن كذلك أن تتحول هذه الألعاب إلى منصة عربية لاكتشاف المواهب قبل البطولات القارية والعالمية، وفرصة للدول التي ما تزال رياضتها البارالمبية محدودة للاحتكاك بدول قطعت أشواطًا مهمة، على أن يصاحبها برنامج لتكوين المدربين والحكام والمصنفين والأطر الطبية والإدارية؛ لأن صناعة الرياضة لا تتم داخل الملعب وحده.

لكن هناك طرفًا لا يقل دوره أهمية عن الاتحاد والمنظمين، وهو الإعلام العربي.

فالرياضي البارالمبي لا يحتاج إلى صحفي يذهب إليه مرة كل أربع سنوات ليسأله عن معاناته، ولا إلى كاميرا تبحث في قصته عن مشهد عاطفي ثم تختفي، بل يحتاج إلى إعلام رياضي يعامله باعتباره بطلًا ورياضيًا كامل الحقوق، يناقش أرقامه وإنجازاته وأخطاءه وطموحاته ومسيرته بالطريقة نفسها التي يناقش بها نجوم كرة القدم وأبطال الرياضات الأخرى.

إن أكبر إساءة يمكن أن نقدمها إلى الرياضة البارالمبية هي اختزال أبطالها في قصص الشفقة.

هؤلاء لا يدخلون الملاعب لكي نشفق عليهم، بل لكي ينافسوا ويفوزوا ويخسروا ويحطموا الأرقام ويرفعوا الأعلام. ومنهم أبطال قضوا سنوات طويلة في التدريب والانضباط من أجل ثانية واحدة أو سنتيمترات قليلة تفصل بين الذهب والفضة.

ومن هنا، أتمنى أن تكون الدورة العربية الأولى أيضًا ثورة إعلامية صغيرة، وأن نرى قنوات عربية تنقل المنافسات، وصحفًا ومواقع تخصص لها مساحات حقيقية، وبرامج رياضية تحلل النتائج، وحوارات مع الرياضيين والمدربين، بدل الاكتفاء بخبر قصير عن الافتتاح وآخر عن الاختتام.

وإذا كانت 19 دولة عربية ستجتمع في حدث واحد، فمن حق هؤلاء الأبطال أن يجتمع حولهم الإعلام العربي أيضًا.

* لا نريد بطولة تنتهي بإطفاء الأنوار

لا ينبغي أن نحصر هذه الألعاب داخل أسوار الملاعب؛ لأن الرياضة البارالمبية تحمل في جوهرها رسالة اجتماعية وحقوقية أوسع بكثير.

فكل بطل بارالمبي يظهر على شاشة التلفزيون، وكل طفلة أو طفل من ذوي الإعاقة يشاهد رياضيًا يشبهه يرفع ميدالية عربية أو دولية، يمكن أن تتغير أمامه صورة المستقبل.

وهنا تبدأ قوة الرياضة. فهي لا تقول للشخص ذي الإعاقة فقط إنه يستطيع أن يصبح بطلًا رياضيًا، بل تقول للمجتمع كله إن الإعاقة لا تلغي الكفاءة، وإن الحواجز الحقيقية ليست دائمًا في الجسد، وإنما قد تكون في مدرسة غير مهيأة، وشارع غير متاح للولوج، ووسيلة نقل لا تستقبله، وفرصة عمل يُحرم منها، ونظرة اجتماعية تضع أمامه سقفًا قبل أن يحاول رفعه بنفسه.

ولهذا، فإن نجاح الألعاب العربية البارالمبية يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في موقع الأشخاص ذوي الإعاقة داخل السياسات العمومية العربية؛ لأن الاحتفاء ببطل فوق منصة التتويج يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا ظل شخص آخر يحمل الإعاقة نفسها عاجزًا عن دخول مدرسة أو إدارة أو ملعب أو وسيلة نقل.

في يناير 2027، ستتنافس الوفود، وترتفع الأعلام، وتوزع الميداليات، وتلتقط الصور، ثم يُسدل الستار على النسخة الأولى.

لكن السؤال الأهم سيبدأ صباح اليوم التالي: ماذا بقي؟

إذا بقيت شبكة عربية أقوى للرياضة البارالمبية، وبرامج منتظمة لاكتشاف الأبطال، وتعاون بين اللجان الوطنية، ودورات تكوينية للمدربين والحكام، واتفاق على موعد النسخة الثانية ومكانها، وتغطية إعلامية أصبحت أكثر عدلًا، فإن مصر ستكون قد نظمت فعلًا دورة تاريخية.

أما إذا بقيت الصور والكؤوس والخطب فقط، فسيكون العرب قد نظموا بطولة ناجحة، لكنهم لم يؤسسوا بعد مشروعًا ناجحًا.

ولهذا، فإن ما يبدأ في القاهرة أكبر من 11 رياضة، وأكبر من 19 دولة، وأكبر حتى من حصيلة الميداليات التي ستوزع.

إنها فرصة لكي يكتب الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، برئاسة إيهاب حسنين وبمشاركة مجلس إدارة يمثل دولًا عربية عدة، فصلًا جديدًا في مسيرة بدأت سنة 1987، وأن ينتقل من تنظيم البطولات المتفرقة إلى امتلاك موعد عربي جامع له هويته واستمراريته وقيمته الرياضية والإنسانية.

والقاهرة التي نالت شرف تنظيم البداية، أمامها فرصة أكبر من شرف الاستضافة: أن تمنح العرب نموذجًا يمكن البناء عليه.

فالأبطال موجودون، والإرادة موجودة، والدول موجودة، والمؤسسات موجودة، وما كان ينقص هو الموعد.

وها هو الموعد يولد أخيرًا.

فلتكن دورة يناير 2027 بداية تقويم رياضي عربي جديد، لا مجرد أيام جميلة تنتهي بإطفاء الأنوار وإغلاق الملاعب.

فجر الألعاب البارالمبية العربية في القاهرة
فجر الألعاب البارالمبية العربية في القاهرة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار