Quantcast
2026 أغسطس 29 - تم تعديله في [التاريخ]

المتقاعدون... قوة انتخابية لا يجوز الاستهانة بها

يناقش الكاتب محمد العربي القباج القوة الانتخابية للمتقاعدين، مطالبا الأحزاب ببرامج واضحة لتحسين المعاشات وحماية القدرة الشرائية وصون كرامة كبار السن.



*بقلم: محمد العربي القباج*

هناك من يعتقد أن المتقاعد، بعد أن يغادر وظيفته، يغادر معها دائرة التأثير. وهناك من يتعامل مع كبار السن باعتبارهم فئة اجتماعية تبحث فقط عن الهدوء والرعاية، متناسيا أن المتقاعد ليس رقما في إحصائيات الصناديق، بل مواطن له تاريخ وذاكرة وأسرة، وحق كامل في المشاركة في تحديد مستقبل البلاد.

إن ملايين المغاربة الذين تجاوزوا سن الستين لا يمثلون فقط عددا مهما من الناخبين، بل يمثلون شبكة اجتماعية واسعة تمتد إلى الأبناء والبنات والأحفاد والأسر. ولذلك، فإن التعامل مع قضية المعاشات وكأنها تخص المتقاعد وحده خطأ سياسي كبير.

المتقاعد لا يطلب صدقة من الدولة، ولا يبحث عن امتياز مجاني. فالمعاش ثمرة سنوات طويلة من العمل والاقتطاعات والتضحيات.

فالموظف والعامل والأستاذ والطبيب والممرض والعسكري والعون والإداري وغيرهم، اقتُطع جزء من أجورهم طوال سنوات العمل، على أساس أن يحصلوا، بعد نهاية المسار المهني، على معاش يحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة.

لكن ماذا يعني أن يتقاعد الإنسان ثم يجد نفسه عاجزا عن مواجهة تكاليف الغذاء والدواء والسكن والطاقة؟ وماذا يعني أن تتحول نهاية العمر، التي يفترض أن تكون مرحلة راحة وطمأنينة، إلى مرحلة حساب يومي: ماذا سنشتري؟ ماذا سنترك؟ وهل يكفي المعاش حتى نهاية الشهر؟

سبع وعشرون سنة من الانتظار، أليست كافية؟ إذا كان تجميد المعاشات أو عدم مراجعتها بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة قد استمر لعقود، فإن السؤال لم يعد: متى ستتم معالجة الملف؟

السؤال الحقيقي أصبح: إلى متى سيظل المتقاعد ينتظر؟ فالوقت بالنسبة إلى المتقاعد ليس مثل الوقت بالنسبة إلى الشاب. والمتقاعد الذي انتظر سنوات طويلة لا يستطيع أن ينتظر عشرين سنة أخرى حتى تتحسن أوضاعه.

كل سنة تمر دون إصلاح حقيقي تعني تراجعا إضافيا في القدرة الشرائية، وتفاقما للأوضاع الاجتماعية، وتحول المرض والدواء إلى هاجس دائم لدى آلاف الأسر.

المتقاعد لا يصنع الضجيج، لكنه يصنع القرار. قد لا يكون المتقاعد حاضرا في الشارع كل يوم، وقد لا يقطع الطرقات، وقد لا يدخل في مواجهات، لكن ذلك لا يعني أنه بلا قوة. فهناك قوة أخرى أكثر هدوءا: قوة الاختيار يوم الاقتراع.

فالانتخابات ليست فقط مناسبة للأحزاب لتقديم البرامج والوعود، وإنما هي أيضا مناسبة للمواطن لكي يقيّم حصيلة السياسات العمومية ويحاسب من تولى المسؤولية. ومن حق المتقاعد أن يسأل كل حزب ومرشح: ماذا فعلتم من أجل كرامة المتقاعدين؟ وماذا اقترحتم لتحسين المعاشات؟ وماذا فعلتم لحماية القدرة الشرائية لكبار السن؟ وماذا ستفعلون إذا منحكم المواطنون ثقتهم من جديد؟

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق التي قد يغفل عنها السياسيون: المتقاعد لا يعيش منعزلا عن أسرته. عندما يعجز الأب المتقاعد عن شراء الدواء، تتأثر الأسرة كلها. وعندما لا تكفي معاشات الأم والأب لتغطية احتياجاتهما، يتحمل الأبناء جزءا من العبء.

وبالتالي، فإن قضية التقاعد ليست قضية مليوني متقاعد فقط، بل قضية اجتماعية تمتد آثارها إلى ملايين أفراد الأسر المغربية. ولهذا، فإن تجاهل المتقاعدين قد تكون له آثار انتخابية تتجاوز بكثير عدد المسجلين في صناديق التقاعد.

نريد برامج لا شعارات. لقد سمع المتقاعدون الكثير من الوعود والشعارات. واليوم، المطلوب ليس المزيد من الخطب، وإنما برامج واضحة ومكتوبة وقابلة للقياس.

نريد من الأحزاب والمرشحين أن يعلنوا بوضوح موقفهم من تحسين المعاشات وحماية قدرتها الشرائية، وتصورهم لإصلاح أنظمة التقاعد، والإجراءات التي يقترحونها لمواجهة ارتفاع كلفة العلاج والأدوية بالنسبة إلى كبار السن، وكيفية ضمان معاش يحفظ الكرامة بعد عقود من العمل، والآليات التي ستسمح للمتقاعد بالمشاركة في صياغة السياسات التي تمس حقوقه.

المتقاعدون لا يريدون وعودا انتخابية موسمية، بل يريدون التزامات سياسية واضحة.

نحتاج إلى منطق جديد: لا تصويت على بياض. لم يعد مقبولا أن تمنح فئات واسعة من المواطنين أصواتها بشكل تلقائي لأي حزب أو مرشح. فالديمقراطية تعني أن تكون هناك علاقة بين الثقة والمحاسبة.

ومن حق المتقاعد أن يقول: سأصوت لمن يقنعني ببرنامجه، وليس لمن يطلب صوتي اعتمادا على الماضي أو على الشعارات. وهذا لا يعني الدعوة إلى التصويت لفائدة حزب بعينه، وإنما يعني الدفاع عن مبدأ ديمقراطي بسيط: الصوت الانتخابي أمانة، ومن حق المواطن أن يمنحه لمن يقتنع بأنه سيدافع عن مصالحه وكرامته.

وهذه رسالة إلى الأحزاب قبل فوات الأوان، وإلى جميع المرشحين: لا تنظروا إلى المتقاعدين باعتبارهم جيلا انتهى دوره. نحن جيل شارك في بناء الدولة، وعمل في المدارس والمستشفيات والإدارات والمصانع والمؤسسات، ودفع الضرائب والاقتطاعات، وربّى أبناءه، وساهم في بناء المجتمع.

نحن لا نطلب امتيازا فوق القانون، بل نطلب فقط أن تكون سنوات العمل والتضحية قد أنتجت حقا معاشا يحفظ الكرامة.

وقبل أن تبدأ الحملات الانتخابية، نريد أن نرى ملف المتقاعدين حاضرا في البرامج، لا في الخطب الانتخابية فقط.

أما الرسالة الأخيرة، فهي أن المتقاعد قد يتعب، وقد يضعف جسده، وقد يحتاج إلى عصا تساعده على السير، لكن ذلك لا يعني أن صوته فقد قيمته. الجسد قد يشيخ، لكن الوعي لا يشيخ. والذاكرة الانتخابية لا تقاس بالعمر، وإنما بما عاشه المواطن وما لمسه من سياسات وقرارات.

لذلك، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة للمتقاعدين ليس الشفقة، بل الاعتراف بحقوقهم وصون كرامتهم. وأفضل ما يمكن أن تقدمه الأحزاب لهم ليس صورة في تجمع انتخابي، بل برنامج واضح والتزام قابل للمحاسبة.

أما صناديق الاقتراع، فهي في النهاية المكان الذي يملك فيه المواطن، شابا كان أو متقاعدا، أقوى وسيلة سلمية للتعبير عن رضاه أو عدم رضاه.

نحن لا نريد الانتقام من أحد... نريد فقط أن نتذكر، وأن نُسمع، وأن نُعامل كمواطنين كاملي الحقوق.

فمن أراد أصوات المتقاعدين، فليبدأ أولا باحترام حقوقهم، لأن من يحترم المتقاعد اليوم يحترم مستقبل كل مواطن سيصل غدا إلى سن التقاعد.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار