Quantcast
2026 سبتمبر 20 - تم تعديله في [التاريخ]

المشاركة السياسية ليست ترفًا.. «صوتك ليس رقمًا عابرًا»

حين ينسحب المواطن من المجال العام، لا تتوقف القرارات ولا تنتظر المؤسسات عودته.. فمن يترك موقعه شاغرًا يمنح الآخرين فرصة اختيار مستقبله نيابة عنه.


الدكتورة أسماء المسردي
الدكتورة أسماء المسردي
*بقلم​: الدكتورة أسماء المسردي*

في كل محطة سياسية يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ماذا يمكن أن يغير صوت فرد واحد؟ وقد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يخفي وراءه واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن أن تتسلل إلى الوعي العام، وهي الاعتقاد بأن المشاركة لا أثر لها، وأن القرارات ستتخذ في كل الأحوال بعيدا عن إرادة المواطنين. غير أن الديمقراطية، في جوهرها، لا تقوم على انتظار الآخرين ليتحملوا وحدهم مسؤولية الشأن العام، بل على حضور المواطنين في المجال الذي تصنع فيه القرارات التي تمس حياتهم اليومية.

المشاركة السياسية لا تختزل في يوم انتخابي ولا تنتهي بوضع ورقة في صندوق الاقتراع. إنها تبدأ بالاهتمام بالشأن العام، وفهم البرامج والمواقف، ومساءلة المنتخبين، والانخراط في النقاش العمومي، وممارسة الحقوق التي يتيحها القانون. فالسياسة ليست شأنا منفصلا عن حياة الناس؛ إنها حاضرة في المدرسة والمستشفى والنقل والسكن وفرص الشغل والضرائب والخدمات العمومية، وفي كل قرار يحدد كيفية توزيع الموارد وترتيب الأولويات.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة الديمقراطية ليس اختلاف المواطنين حول القضايا العامة، فاختلاف الآراء أمر طبيعي، وإنما انسحابهم من النقاش وترك المجال العام فارغا. فعندما يتراجع المواطن عن الاهتمام بالشأن السياسي، لا تتوقف القرارات، ولا تتعطل المؤسسات، وإنما تستمر الحياة العامة في إنتاج قراراتها من خلال من يشاركون فيها. ومن هنا تصبح المشاركة وسيلة للتعبير والمراقبة، لا مجرد ممارسة شكلية.

والتصويت، في هذا السياق، ليس مجرد حق دستوري يمارسه المواطن، بل هو أيضا واجب وطني ومسؤولية تجاه المجتمع. فالصوت الذي يضعه المواطن في صندوق الاقتراع ليس رقما عابرا، وإنما أمانة يعبر من خلالها عن اختياره بشأن من سيمثله داخل المؤسسات ويساهم في تدبير الشأن العام. ولذلك فإن التصويت يقتضي وعيا بقيمة هذه الأمانة، واختيارا مسؤولا يقوم على معرفة البرامج والمواقف، بعيدا عن اللامبالاة أو الاعتبارات العابرة، لأن كل صوت هو موقف، وكل موقف تترتب عنه مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.

ثم إن المشاركة لا تعني الموافقة الدائمة، كما أن الاختلاف لا يعني الانسحاب. المواطن يستطيع أن يشارك لأنه مؤيد، وأن يشارك لأنه معارض، وأن يشارك لأنه يريد أن يراقب ويحاسب ويطالب بالتغيير. وهذه إحدى أهم وظائف المشاركة السياسية: تحويل الاختلاف من حالة غضب فردي إلى نقاش عمومي منظم، وتحويل المطالب الاجتماعية من مجرد شكايات متفرقة إلى قضايا تجد طريقها إلى المؤسسات.

والانتخابات، في هذا السياق، ليست نهاية العلاقة بين المواطن والمؤسسات، بل إحدى حلقاتها. فالمواطن الذي يمنح صوته يظل معنيا بتتبع ما ينجزه المنتخبون، وبطرح الأسئلة حول الوعود والبرامج، وبممارسة حقه في النقد والمساءلة. كما أن الأحزاب والمنتخبين لا يمكن أن يختزلوا علاقتهم بالمواطن في موسم انتخابي؛ فالثقة السياسية لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالحضور المستمر والإنصات والقدرة على تقديم الحساب عن الممارسة.

وتكتسب مشاركة الشباب والنساء على وجه الخصوص أهمية في تجديد المجال السياسي، ليس باعتبارهما مجرد أرقام في الاستحقاقات الانتخابية، وإنما باعتبارهما جزءا أساسيا من المجتمع، يحملان انتظارات وتجارب وأسئلة ينبغي أن تجد تمثيلا داخل المؤسسات والنقاش العمومي. وكلما اتسعت دائرة المشاركة وتنوعت الأصوات، أصبح النقاش السياسي أكثر اتصالا بتعدد المجتمع وتعقيد حاجاته.

المطلوب، في النهاية، ليس مشاركة عمياء ولا ثقة بلا مساءلة، بل مواطن يعرف حقوقه وواجباته، يقرأ قبل أن يختار، ويسأل قبل أن يصدق، ويتابع بعد أن يمنح صوته. فالديمقراطية لا تقاس فقط بما تفعله المؤسسات، وإنما أيضا بدرجة اهتمام المجتمع بما تفعله هذه المؤسسات.

لهذا، فإن المشاركة السياسية ليست ترفا يمارس حين تكون الظروف ملائمة، ولا واجبا موسميا ينتهي بانتهاء الحملات الانتخابية. إنها إحدى الأدوات التي يمتلكها المواطن للتعبير عن رؤيته للشأن العام والمساهمة في توجيه النقاش ومراقبة تدبيره. أما العزوف، حين يتحول إلى موقف دائم، فلا يلغي القرار السياسي، بل يترك مساحة أكبر للآخرين كي يصنعوه.

صوت المواطن بداية للمشاركة والمسؤولية
صوت المواطن بداية للمشاركة والمسؤولية

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار