*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بهدف التضليل واستهداف بلد مستقر، جرى تحويل موظفين ورجال أمن، أحياء وأمواتاً، إلى «جواسيس» بضغطة زر.. لكن بلاغ قطب الأمن والتدقيق في الملفات أعادا السؤال إلى مكانه الصحيح: أين الدليل؟
هناك أخبار تحتاج إلى دقائق كي تنتشر، وهناك أكاذيب تحتاج إلى رقم كبير كي تصبح قابلة للتصديق.
وفي قصة «سبعين ألف جاسوس مغربي»، كان الرقم وحده كافياً لإشعال الفضاء الرقمي.
سبعون ألفاً.. رقم ضخم، صادم، مثير، يصلح عنواناً جاهزاً ومادة سهلة لإعادة النشر، ويكفي أن يوضع بجواره لفظ «الجواسيس» حتى يصبح في أعين كثيرين حقيقة مكتملة، رغم أن السؤال الذي كان يفترض أن يسبق كل شيء ظل غائباً: من أثبت أصلاً أن هؤلاء السبعين ألفاً جواسيس؟
ومن قال إن الأسماء المنشورة مأخوذة من قاعدة استخباراتية؟
ومن أثبت أن الأجهزة الأمنية المغربية تعرضت للاختراق؟
ومن تحقق من أن الصفة التي أُلصقت بكل هؤلاء الأشخاص موجودة فعلاً في مصدر البيانات الأصلي؟
مع مرور الأيام، بدأت الإجابات تظهر، وبدأ معها بناء ضخم من الإثارة الرقمية يفقد جزءاً كبيراً من أساسه.
من أسماء حقيقية إلى «جواسيس» بقرار مجهول
الخلط الأكبر في هذه القضية كان بين صحة بعض البيانات وبين صحة القصة التي بُنيت حول تلك البيانات.
قد يكون الاسم صحيحاً. وقد يكون الرقم الإداري صحيحاً. وقد تكون بعض البيانات الشخصية صحيحة. لكن ذلك كله لا يثبت أن صاحبها جاسوس.
فالبيانات الإدارية لموظف في الأمن يمكن أن توجد، مثل بيانات موظفين آخرين، لدى مؤسسات للتأمين أو التغطية الصحية والاجتماعية، أو لدى جهات تتولى خدمات مرتبطة بوضعه الإداري.
وجود تلك البيانات خارج المؤسسة الأمنية لا يحولها إلى «ملف استخباراتي».
والأخطر أن يوضع آلاف الأشخاص في خانة الجواسيس لمجرد أن جهة مجهولة قررت أن تسمي ملفاً بهذه التسمية.
فالجاسوسية صفة خطيرة لا تثبت باسم ورقم وتاريخ ولوج إلى الوظيفة.
إنها تحتاج إلى أدلة على طبيعة النشاط والمهمة والجهة التي يعمل الشخص لفائدتها والأفعال التي قام بها.
أما جدول أسماء، مهما كان حجمه، فلا يستطيع وحده أن يحول الموظف إلى جاسوس.
قطب الأمن يحسم نقطة الاختراق
وجاء الرد الرسمي لقطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ليضع القضية في سياق مختلف تماماً.
فقد نفى بشكل قاطع تعرض أنظمته المعلوماتية وقواعد بياناته الأمنية لأي عملية اختراق، مؤكداً أن هذه الأنظمة تخضع لمعايير عالية في مجال الأمن المعلوماتي.
لكن الأهم من النفي كان تحديد مصدر البيانات المتداولة.
فالبلاغ أوضح أن البيانات الشخصية المنشورة مؤخراً قديمة، وتم تحميلها من قواعد بيانات وأنظمة معلوماتية تشرف عليها شركات للتأمين ومنظمات للتغطية الصحية والاجتماعية، وليست نتيجة اختراق لقواعد الأمن الوطني أو مراقبة التراب الوطني.
وهنا تتغير القصة جذرياً. فالحديث لم يعد عن «هاكرز اخترقوا قلب الأجهزة الأمنية المغربية وكشفوا شبكة سبعين ألف جاسوس».
بل أصبح الحديث، وفق الرواية الرسمية، عن بيانات قديمة موجودة لدى مؤسسات خارج الأجهزة الأمنية، تم الاستيلاء عليها أو إعادة تداولها، ثم جرى تقديمها في قالب استخباراتي جديد.
وهذا فرق جوهري لا يجوز أن يضيع وسط الإثارة.
تحليل إعلامي سبق البلاغ إلى النتيجة نفسها
وقبل صدور البلاغ الأمني، كانت مصادر إعلامية قد أخضعت الملفات للفحص والتقاطع، وخلصت إلى أن الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين قُدموا باعتبارهم «جواسيس» تبدو في الواقع مرتبطة بموظفين في المديرية العامة للأمن الوطني.
كما أثار التحليل احتمال أن تكون البيانات قديمة، وأعيد تجميعها من قواعد سبق أن تعرضت للتسريب أو أصبحت بياناتها متاحة خارج مصدرها الأول.
وهنا نكون أمام ظاهرة معروفة في عالم التسريبات الرقمية:
بيانات حقيقية تُسرق أو تُسرّب في وقت سابق، ثم يعاد ترتيبها وتصنيفها وإلباسها قصة جديدة، لكي تبدو وكأنها نتيجة اختراق جديد أكثر خطورة.
وإذا صح ذلك، فإن الذي تغير ليس البيانات نفسها، بل العنوان الذي وُضع فوقها.
سبعون ألفاً.. هل هي سجلات أم أشخاص فريدون؟
حتى الرقم الذي تحول إلى عنوان عالمي يحتاج إلى تدقيق.
فالملفات التي يجري تداولها قد تتضمن تكرارات، أو سجلات متعددة للشخص نفسه، أو بيانات قديمة تم دمجها من أكثر من مصدر. وفي نموذج من الجداول التي جرى تداولها رقمياً، ظهرت بالفعل حالات لتكرار بعض السطور والبيانات.
وهذا يجعل استعمال الرقم الإجمالي باعتباره عدد «الأشخاص»، قبل حذف التكرارات والتحقق من هوية كل سجل، أمراً غير دقيق.
ثم يأتي السؤال الأهم: حتى لو افترضنا أن هناك سبعين ألف اسم مختلف فعلاً، فمن أين جاءت القفزة التي حولت سبعين ألف اسم إلى سبعين ألف جاسوس؟
لا توجد علاقة منطقية بين الرقمين ما لم توجد أدلة مستقلة على صفة الأشخاص. وهذه الأدلة لم تظهر.
الشرطي ليس جاسوساً
ربما تكون أبسط حقيقة هي التي غابت وسط الضجيج. المديرية العامة للأمن الوطني جهاز كبير يضم موظفين وأطر شرطة في مختلف المدن والمصالح والرتب والتخصصات.
وهؤلاء ليسوا «جواسيس» لمجرد أنهم يعملون في مؤسسة أمنية.
كما أن الموظف الذي يحمل رقماً إدارياً ورتبة شرطية ليس «مخبراً». والمخبر نفسه ليس بالضرورة جاسوساً. وضابط الشرطة ليس ضابط استخبارات بالضرورة.
والموظف الأمني العامل بصورة رسمية في مؤسسة عمومية لا يتحول إلى عنصر سري بمجرد وضع اسمه داخل ملف مجهول المصدر. هذه بديهيات، لكن الحملة الرقمية جعلتنا مضطرين إلى إعادة شرحها.
الصور المفبركة فضحت جزءاً من الرواية
البلاغ الأمني لم يتوقف عند قواعد البيانات. فقد حذر كذلك من نشر صور فوتوغرافية مفبركة يجري تقديمها على أنها لموظفين وموظفات في المصالح الأمنية، ومن مستندات ووثائق تعرضت للتحريف والتزوير.
وأشار إلى وجود صور تستعمل أزياء نظامية ورتباً عسكرية غير موجودة أصلاً في المغرب وغير معتمدة داخل جهاز الأمن الوطني، إلى جانب هويات بصرية خاطئة وأخطاء لغوية واضحة.
وهنا يُطرح سؤال ثقيل على من صدق الرواية كاملة: كيف لجهة تزعم أنها بلغت أعمق أسرار الأجهزة الأمنية المغربية أن تخطئ في رتبها وأزيائها وهويتها البصرية؟
قد تكون بعض البيانات حقيقية، نعم.
لكن وجود وثائق وصور مفبركة إلى جانبها يعني أن الواجب هو فحص كل عنصر على حدة، لا قبول الحزمة كاملة.
أخطر التضليل هو الذي يبدأ بالحقيقة
في حروب المعلومات، الكذب الساذج يسهل كشفه. أما التضليل الأكثر فعالية فهو ذلك الذي يبدأ بجزء حقيقي.
اسم حقيقي. رقم حقيقي. وظيفة حقيقية. ثم تضاف إليه صفة لا دليل عليها: «جاسوس». ويعاد نشره آلاف المرات.
وبعد ساعات، لا يعود الناس يناقشون هل الصفة صحيحة، بل يبدأون في مناقشة ما الذي كان يفعله «الجاسوس».
وهكذا تتحول الفرضية إلى حقيقة، ثم تتحول الحقيقة المصنوعة إلى نقطة انطلاق لتحليلات جديدة.
وهذا بالضبط ما يجعل قصة «السبعين ألف جاسوس» تستحق أكثر من مجرد تكذيب. إنها درس كامل في صناعة السردية الرقمية.
وهل يحتاج المغرب إلى سبعين ألف جاسوس أصلاً؟
بعيداً عن الجانب التقني، هناك سؤال منطقي بسيط.
هل يعقل أن تكون دولة قد كشفت فجأة عن سبعين ألف جاسوس سري في لائحة إدارية تضم أسماء وأرقاماً ورتباً؟
الأجهزة الاستخباراتية في العالم لا تُبنى بهذه الصورة المبسطة.
هناك موظفون رسميون. وهناك ضباط استخبارات. وهناك مصادر بشرية. وهناك ملحقون أمنيون. وهناك عناصر شرطة. وهناك موظفون إداريون. وكل فئة لها وضع مختلف.
تحويل عشرات الآلاف من موظفي جهاز أمني إلى «جواسيس» يعني تجاهل أبسط الفروق المهنية والتنظيمية داخل مؤسسات الدولة.
وهذا وحده كان ينبغي أن يدفع وسائل الإعلام إلى التريث.
أين التحقيق المستقل الذي أثبت «الجاسوسية»؟
الذين روجوا للعبارة مطالبون الآن بالإجابة.
أين التحقيق التقني الذي أثبت أن الملفات أُخذت مباشرة من قاعدة استخباراتية؟
أين التقرير الذي يثبت أن كل اسم وارد فيها يعود إلى ضابط مخابرات أو جاسوس؟
أين الوثائق العملياتية؟ أين المهمات السرية؟
أين ما يربط الأشخاص المدرجين في القوائم بعمل استخباراتي؟
وجود الاسم ليس دليلاً. وجود الرقم الإداري ليس دليلاً. وجود الرتبة ليس دليلاً. وحتى وجود الشخص داخل جهاز أمني ليس دليلاً على أنه «جاسوس».
إن ضخامة الادعاء تستوجب ضخامة في الإثبات. وعندما يقال إن سبعين ألف جاسوس لدولة واحدة قد كُشفوا دفعة واحدة، فإننا أمام ادعاء استثنائي يحتاج إلى أدلة استثنائية.
وهذه الأدلة غير موجودة إلى الآن في المجال العام.
إنصاف الأمن المغربي ليس تصفيقاً
حين ندافع عن الأمن المغربي في هذه القضية، فنحن لا نقول إن مؤسسات الدولة لا تخطئ، ولا إن كل بلاغ رسمي يجب أن يُقبل دون سؤال. الصحافة الجدية لا تفعل ذلك.
بل إن البلاغ نفسه يفرض طرح أسئلة مهمة: كيف حصلت الجهة الناشرة على البيانات القديمة؟ ما المؤسسات التي تعرضت قواعدها للاختراق؟ كيف وصلت معلومات موظفين أمنيين إلى الخارج؟
وهل قامت شركات التأمين وهيئات التغطية الصحية والاجتماعية بما يلزم لحماية المعطيات الحساسة للمنخرطين؟ ومن المسؤول عن التسريب الأول؟
هذه أسئلة مشروعة وينبغي ألا تختفي.
لكنها أسئلة مختلفة كلياً عن الادعاء بأن قواعد الأمن المغربي اخترقت وكُشف سبعون ألف جاسوس.
يمكن أن نطالب بالتحقيق في حماية البيانات، وفي الوقت نفسه نرفض رواية لا يوجد عليها دليل.
وهذا هو الإنصاف.. الأمن المغربي مؤسسة لا لائحة أسماء
اختزال مؤسسة أمنية مغربية بكامل بنيتها وخبرتها وموظفيها في جدول إلكتروني أعيد نشره على شبكة التواصل ليس فقط تبسيطاً، بل ظلم لعشرات الآلاف من النساء والرجال الذين يعملون بصورة رسمية داخل جهاز عمومي.
من بينهم من يحرس الشوارع. ومن يحقق في الجرائم. ومن يعمل في الشرطة القضائية. ومن يتولى السير. ومن يعمل في المصالح الإدارية والتقنية. ومن يسهر على حماية المواطنين والمؤسسات.
ثم يأتي ملف مجهول المصدر ليضعهم جميعاً تقريباً تحت عنوان واحد: «جواسيس».
هل هذا كشف استخباراتي؟ أم تشهير جماعي؟
السؤال مشروع.
الصحافة ليست مكتب توزيع للتسريبات
هذه القضية امتحان للصحافة أيضاً.
ليس كل ملف يصل إلى صندوق بريد صحفي خبراً جاهزاً. وليس كل تسريب حقيقة.
وليس كل عنوان يضعه صاحب التسريب وصفاً موضوعياً لمحتواه.
وظيفة الصحفي ليست أن يقول: «ها هي لائحة الجواسيس».
بل أن يسأل: من قال إنهم جواسيس؟ بأي دليل؟ ومن أين جاءت البيانات؟ وهل تتطابق مع تسريبات أقدم؟ وهل توجد سجلات مكررة؟ وهل الوثائق المرافقة حقيقية؟ وهل يستطيع مصدر مستقل إثبات الرواية؟
حين تختفي هذه الأسئلة، تتحول الصحافة إلى جزء من الحملة بدلاً من أن تكون جهة تحقق فيها.
سبعون ألف جاسوس وهمي.. والعبرة أكبر من الرقم
اليوم، وبعد البلاغ الرسمي لقطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وبعد الفحص الذي قامت به مصادر إعلامية للبيانات المتداولة، لم يعد من المقبول التعامل صحفياً مع عبارة «سبعون ألف جاسوس مغربي» وكأنها حقيقة مثبتة.
ما لدينا هو شيء مختلف: بيانات شخصية وإدارية قديمة.
أسماء لموظفين حقيقيين في جزء منها.
مصدر رسمي يقول إنها جاءت من قواعد لشركات التأمين وهيئات التغطية الصحية والاجتماعية.
صور ووثائق يقول الأمن إن بعضها تعرض للفبركة والتزوير.
وادعاء ضخم بأن أصحاب تلك البيانات «جواسيس»، لم يقدم ناشروه حتى الآن الدليل الذي يتناسب مع خطورته.
وهذا هو جوهر القضية. المغرب ليس مطالباً بإثبات براءته من كل منشور مجهول.
لقد أصبح سهلاً جداً اليوم اتهام دولة. حساب مجهول ينشر. صفحات تعيد النشر. مصادر إعلامية تنقل. مواقع التواصل تضخم.
وبعد ساعات، يصبح على الدولة أن تثبت أنها لم تفعل ما لم يثبت أحد أنها فعلته أصلاً.
وهذه معادلة خطيرة. الأصل في الصحافة والقانون والمنطق ليس أن يتولى المتهم نفي كل إشاعة، بل أن يقدم صاحب الادعاء الدليل.
من يقول إن قواعد الأمن المغربي اخترقت، فليثبت الاختراق.
ومن يقول إن لديه سبعين ألف جاسوس، فليثبت صفة الجاسوسية.
ومن يقول إن الوثائق أمنية، فليخضعها للتحقق المستقل.
أما أن نطلب من المغرب وأجهزته أن يدافعوا عن أنفسهم أمام كل ملف يعاد نشره تحت اسم مجهول، بينما لا نطالب ناشر الملف بإثبات ادعائه، فذلك قلب لقواعد الحقيقة والإنصاف.
إنصاف المغرب هنا إنصاف للحقيقة قبل كل شيء
لست مع إعطاء أي مؤسسة حصانة من النقد. ولست مع تحويل البلاغ الرسمي إلى حقيقة مقدسة لا تناقش. لكنني أيضاً لست مستعداً لأن أعتبر آلاف المغاربة «جواسيس» لأن مجهولاً قرر أن يسميهم كذلك.
الإنصاف يقتضي المعيار نفسه للجميع. المؤسسة الرسمية مطالبة بالتوضيح. والصحافة مطالبة بالتحقق. والجهة التي تتهم مطالبة بالدليل. والرأي العام له الحق في الحقيقة، لا في الإثارة.
وفي ملف «السبعين ألف جاسوس»، تبدو الحقيقة إلى الآن أبسط بكثير من الرواية المثيرة:
هناك بيانات قديمة، وهناك موظفون حقيقيون، منهم متقاعدون ومنهم متوفون. وهناك مواد يقول الأمن المغربي إن بعضها مفبرك، لكن لا توجد أمامنا لائحة مثبتة لسبعين ألف جاسوس.
وحتى يظهر الدليل، فإن وصف هؤلاء المغاربة بالجواسيس لا يكون كشفاً للحقيقة بقدر ما يكون مساهمة في صناعة اتهام جماعي.
فالمغرب ليس فوق النقد. والأمن المغربي ليس فوق المساءلة. لكنهما أيضاً ليسا مباحين لكل اتهام مجهول المصدر.
والصحافة التي تريد أن تنصف الحقيقة لا ينبغي أن تسأل فقط: ماذا سُرّب؟
بل عليها قبل ذلك أن تسأل: من قال إن هؤلاء جواسيس؟ وأين الدليل؟
رئيسية 








الرئيسية 






