العلم - د. أنور الشرقاوي
يُقدَّم مشروع تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO) باعتباره أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
يُقدَّم مشروع تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO) باعتباره أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
فالهدف منه واضح وطموح: ضمان ولوج عادل لجميع المواطنين إلى العلاج، خاصة عندما تكون حياة الإنسان على المحك.
غير أن بعض الوقائع التي يكشفها الواقع الميداني تدفع إلى التساؤل بعمق حول مدى تجسيد هذا الوعد على أرض الواقع.
*وهذا ما حدث مع طبيب مغربي خلال شهر يوليوز 2026.*
فقد قضى سنوات طويلة في خدمة الصحة العمومية قبل أن يختار التقاعد النسبي ويواصل مساره المهني في القطاع الخاص.
وبموجب المقتضيات القانونية، احتفظ بانخراطه في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS)، دون الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
*ثم وقعت المأساة.*
أصيبت زوجته بتمزق في تمدد شرياني دماغي، وهي حالة استعجالية قصوى تتطلب تدخل مستعجل في جراحة الأعصاب ، حيث تصبح كل دقيقة حاسمة في إنقاذ الحياة.
وكان من الضروري إجراء تصوير الشرايين الدماغية (القسطرة الدماغية) بشكل مستعجل لتأكيد التشخيص، قبل إخضاعها لتدخل جراحي عاجل يهدف إلى إنقاذ حياتها والحد من المضاعفات العصبية الخطيرة.
توجه الزوج حاضنا زوجته المريضة إلى مؤسسة استشفائية مرجعية بالرباط جديثة العهد، مشهود لها بالكفاءة والخبرة في هذا المجال.
غير أنه، وقبل الشروع في العلاج، طُلب من الأسرة أداء مبلغ 5 آلاف درهم مقابل تصوير الشرايين الدماغية، و75 ألف درهم لإجراء العملية الجراحية، وهي مبالغ يتعين دفعها مسبقاً، ولا تشملها، بحسب المعطيات المقدمة، التغطية الفورية.
وأمام مثل هذه الوضعية، يبرز سؤال يتجاوز هذه الحالة الفردية.
*ماذا يتبقى من مبدأ التضامن الوطني إذا أصبح الولوج إلى علاج ينقذ الحياة رهيناً بالقدرة الفورية على توفير عشرات الآلاف من الدراهم؟*
ويزداد هذا التناقض حدة عندما يتعلق الأمر بطبيب أفنى جزءاً مهماً من حياته المهنية في خدمة المنظومة الصحية العمومية.
*فإذا كان مهني في قطاع الصحة، ملمٌّ بخبايا النظام الصحي ويتمتع بتغطية صحية، يجد نفسه عاجزاً أمام هذا الحاجز المالي في حالة استعجالية تهدد الحياة، فكيف سيكون حال آلاف الأسر المغربية ذات الدخل المحدود؟*
لا أحد يجادل في أن تعميم التأمين الإجباري عن المرض يمثل مكسباً اجتماعياً وتاريخياً مهماً.
غير أن نجاح أي نظام للتغطية الصحية لا يُقاس فقط بعدد المنخرطين فيه، بل أيضاً بقدرته الفعلية على حماية المواطنين عندما يواجهون أمراضاً خطيرة تستوجب علاجاً عاجلاً ودون تأخير.
فالاستعجالات الطبية التي تهدد الحياة تظل الاختبار الحقيقي لأي منظومة صحية.
وفي مثل هذه الحالات، ينبغي أن تتراجع الإجراءات الإدارية، وآليات الأداء والاسترجاع، وإشكالات الاتفاقيات، أمام أولوية واحدة لا تقبل التأجيل: إنقاذ حياة المريض.
*إن هذا الطرح لا يستهدف مؤسسة استشفائية بعينها، ولا يرمي إلى تحميل المسؤولية لطرف معين.*
*فالمؤسسات الصحية نفسها تواجه إكراهات مالية وتنظيمية وقانونية معقدة.*
لكن جوهر النقاش يتجاوز الحالات الفردية، لأنه يتعلق بطريقة اشتغال المنظومة برمتها، وهو نقاش يستحق أن يُفتح بهدوء ومسؤولية.
*فهل آن الأوان لإحداث آلية وطنية للضمان تُمكّن من التكفل الفوري بحالات الاستعجال التي تهدد الحياة، بغض النظر عن نظام انخراط المريض؟*
*فهل آن الأوان لإحداث آلية وطنية للضمان تُمكّن من التكفل الفوري بحالات الاستعجال التي تهدد الحياة، بغض النظر عن نظام انخراط المريض؟*
وهل أصبحت الاتفاقيات المبرمة بين الهيئات المدبرة للتأمين الإجباري عن المرض والمؤسسات الاستشفائية المرجعية مواكبة فعلاً لمتطلبات التدخل في الحالات الاستعجالية القصوى؟
إن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يُقاس فقط بعدد المؤمن لهم. بل سيُقاس، قبل كل شيء، بمدى الثقة التي سيضعها المواطنون في منظومتهم الصحية عندما يواجهون أصعب لحظات حياتهم.
ففي حالة استعجالية تهدد الحياة، ينبغي أن يكون أول همٍّ للأسرة هو الوصول إلى أفضل علاج ممكن، لا البحث عن عشرات الآلاف من الدراهم قبل أن يبدأ العلاج.
وعند هذا المعيار تحديداً، تُقاس في نهاية المطاف القوة الحقيقية لأي منظومة للحماية الاجتماعية، ومدى وفائها لوعدها الأساسي: حماية الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.
رئيسية 








الرئيسية



