Quantcast
2026 يوليو 17 - تم تعديله في [التاريخ]

​في الحاجة إلى قناة عمومية متخصصة في تاريخ المغرب


​في الحاجة إلى قناة عمومية متخصصة في تاريخ المغرب
العلم - بقلم - محمد أبيهي

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تصنع الروايات والسرديات التاريخية قبل أن يصوغها المؤرخون، لم يعد التاريخ مجرد مادة أكاديمية تدرس في الجامعات، بل أصبح مجالا للتأثير في الوعي الجماعي وتشكيل صورة الأمم عن نفسها وعن غيرها. وبين آلاف المقاطع والمنشورات التي تتناول تاريخ المغرب، تختلط الحقائق بالتأويلات، وتنتشر أحيانا روايات تفتقر إلى الدقة العلمية أو تتعمد تحريف الوقائع. لذلك، يبرز سؤال مشروع: ألا يحتاج المغرب إلى قناة عمومية متخصصة في تاريخه، تجعل المعرفة التاريخية الرصينة في متناول الجميع؟

لقد نجحت العديد من القنوات العالمية في تحويل التاريخ إلى مادة إعلامية تجمع بين المتعة والمعرفة، بينما لا يزال الإنتاج الوثائقي التاريخي المغربي محدودا ومتقطعا، رغم ما يزخر به المغرب من رصيد حضاري يمتد لآلاف السنين، من تاريخ الممالك الأمازيغية، مرورا بالدول المغربية المتعاقبة، والحضارة الإسلامية، والعلاقات الإفريقية والأندلسية، وتاريخ الصحراء المغربية، والمقاومة الوطنية، وبناء الدولة الحديثة، وصولا إلى التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية المعاصرة.

وتؤكد بعض التجارب الدولية نجاح فكرة تخصيص فضاءات إعلامية للتاريخ والتراث. ففي فرنسا مثلا، تؤدي قناة Histoire TV دورا مهما في تقريب التاريخ من الجمهور من خلال إنتاج وبث أفلام وثائقية، وسلاسل تاريخية، وبرامج حوارية يشارك فيها مؤرخون وباحثون، وهو ما أسهم في نشر الثقافة التاريخية خارج أسوار الجامعة، وتحويل التاريخ إلى مادة إعلامية تحظى باهتمام مختلف الفئات العمرية.

إن قناة عمومية متخصصة في تاريخ المغرب لن تكون مجرد وسيلة لعرض الوثائقيات، بل مشروعا ثقافيا واستراتيجيا يعزز مكانة المعرفة التاريخية في تكوين مواطن واع بتاريخ بلاده. فالتاريخ، حين يقدم وفق منهجية علمية، معتمدا على الوثائق والأرشيف والشهادات والبحث الأكاديمي، يصبح حصنا في مواجهة الأخبار الزائفة، وأداة لترسيخ الهوية المغربية، وتحصين الأجيال الصاعدة من الاختزال والتضليل.

ومن شأن هذه القناة أن تجعل التاريخ حاضرا في الحياة اليومية للمغاربة من خلال إنتاج برامج وثائقية احترافية تستثمر أحدث تقنيات الصورة، والخرائط الرقمية، والرسوم التوضيحية، لإحياء الأحداث والشخصيات التاريخية. كما يمكنها إنتاج سلاسل وثائقية حول المدن العتيقة، والمسالك التجارية، والقصبات، والزوايا، والقبائل، والموانئ التاريخية، والمواقع الأثرية، والذاكرة العسكرية، والرحلات المغربية، والعلاقات الدبلوماسية للمملكة عبر العصور، بما يجعل المشاهد يكتشف تاريخ وطنه بصورة مشوقة وعميقة.

ولا تقل أهمية البرامج الحوارية عن الوثائقيات، إذ يمكن تخصيص لقاءات دورية تجمع المؤرخين، والباحثين، وعلماء الآثار، وخبراء التراث لمناقشة القضايا التاريخية التي تشغل الرأي العام، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وشرح خلفيات الأحداث الكبرى بلغة مبسطة تحترم عقل المشاهد. فالإعلام ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل فضاء لإنتاج المعرفة وترسيخ ثقافة الحوار العلمي.

كما ينبغي أن تضطلع هذه القناة برسالة نبيلة تتمثل في إنصاف الذاكرة المغربية، عبر إعادة الاعتبار لشخصيات وأحداث ومناطق لم تحظ بما تستحقه من اهتمام، وتسليط الضوء على إسهامات العلماء، والنساء، والقبائل، والحرفيين، والمبدعين، وسكان القرى والجبال والصحراء في بناء تاريخ المغرب. كما يمكنها الاهتمام بالتاريخ المحلي والجهوي، باعتباره رافدا أساسيا من روافد الذاكرة المغربية.

ومن المهم أيضا أن تتحول هذه القناة إلى جسر حقيقي بين الجامعة والمجتمع، من خلال إشراك الأساتذة والباحثين وطلبة الدكتوراه في إنتاج المحتوى، وعرض نتائج الأبحاث الحديثة، والتعريف بالمخطوطات والأرشيفات الوطنية. كما يمكن أن تفتح المجال أمام المؤسسات الثقافية والمتاحف ومؤسسة أرشيف المغرب للمساهمة في إنتاج محتوى علمي موثوق ومتجدد.

إن الاستثمار في قناة عمومية متخصصة في تاريخ المغرب ليس ترفا ثقافيا، بل ضرورة مجتمعية تفرضها تحديات العصر. فالأمم التي تمتلك ذاكرة قوية هي الأكثر قدرة على الدفاع عن قضاياها، وصيانة هويتها، وبناء مستقبلها بثقة. والتاريخ، عندما يخرج من رفوف المكتبات إلى شاشات الإعلام، يتحول من ذاكرة للماضي إلى قوة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ومن سجل للأحداث إلى مدرسة دائمة لبناء الوعي الجماعي وترسيخ الانتماء.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل استعداد المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، وهو حدث عالمي لا يقتصر على المنافسة الرياضية، بل يشكل فرصة لإبراز التاريخ والحضارة المغربية أمام ملايين المتابعين عبر العالم. فإلى جانب الترويج للمؤهلات السياحية والاقتصادية، يحتاج المغرب إلى الاستثمار في رصيده الحضاري من خلال إنتاج وثائقيات تاريخية وبرامج حوارية تعرف بالعمق التاريخي للدولة المغربية، بما يعزز إشعاع المغرب الثقافي والدبلوماسي، ويجعل من التاريخ أداة لتصحيح الكثير من المغالطات من أجل فهم الحاضر وبناء المستقبل.محمد أبيهي/أستاذ التاريخ المعاصر والراهن،جامعة محمد الخامس.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار