العلم الإلكترونية - أسماء لمسردي
فجرت قضية اعتقال الصحفي والمدون التونسي زياد الهاني موجة جديدة من القلق في الأوساط الحقوقية والإعلامية، بعد أن قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بتونس، في 24 أبريل 2026، وضعه رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية نشر تدوينة ذات طابع أكاديمي. خطوة وصفتها الرابطة العالمية للمدونين بأنها تمثل مساسا خطيرا بحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومة، خصوصا حين يتعلق الأمر بعمل السلطة القضائية.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن الهاني أوقف من طرف الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم السيبرانية التابعة للحرس الوطني، قبل أن يحال على النيابة العامة، بسبب نشره على صفحته بموقع "فيسبوك" خلاصة مداخلة علمية كان قد قدمها في ندوة جامعية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. وقد تناولت تلك المداخلة قراءة نقدية لقرار صادر عن محكمة الاستئناف بتونس، قضى في يناير 2025 ببراءة الصحفي خليفة القاسمي والضابط الراحل عبد العزيز الشمخي، بعد إدانتهما ابتدائيا بموجب الفصل 62 من قانون مكافحة الإرهاب.
الهاني، في تعليقه، اعتبر الحكم الابتدائي "خطأ قضائيًا"، دون أن يتضمن منشوره أي دعوة للعنف أو كشف لمعطيات سرية، وهو ما يعزز، بحسب متابعين، الطابع المشروع لتدخله في إطار النقاش العمومي حول أداء العدالة. غير أن هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية التوازن بين حماية هيبة المؤسسات القضائية وضمان حرية التعبير، خاصة في السياقات التي تتعلق بانتقاد الأحكام القضائية.
الرابطة العالمية للمدونين، التي تابعت الملف، شددت على أن الحق في نقد القرارات القضائية، حتى بأسلوب حاد، يعد من صميم حرية التعبير في الأنظمة الديمقراطية القائمة على سيادة القانون، كما ذكرت بالالتزامات الدولية لتونس، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حرية تداول المعلومات والأفكار دون قيود تعسفية.
وفي هذا السياق، يثير تفعيل المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بالجرائم السيبرانية، إلى جانب بعض مقتضيات القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب، تساؤلات متزايدة بشأن مدى توظيف هذه النصوص في تقييد النقاش العام. وتؤكد تقارير حقوقية أن اللجوء المتكرر لهذه الآليات القانونية قد يخلق مناخا من الرقابة الذاتية، يدفع الصحفيين والمدونين إلى تجنب الخوض في قضايا حساسة، خشية المتابعة أو التضييق.
ولا تنفصل هذه القضية عن سياق أوسع، يتصل بما خلفته قضية خليفة القاسمي وعبد العزيز الشمخي من أثر عميق في الرأي العام التونسي، خاصة بعد صدور حكم بالبراءة في مرحلة الاستئناف، ووفاة أحد المتهمين خلال فترة الاعتقال. وهو ما جعل من هذه القضية رمزا للنقاش حول الأخطاء القضائية المحتملة، وأهمية فتح المجال أمام النقد البناء كآلية لتطوير العدالة وتعزيز الثقة فيها.
ويرى متابعون أن متابعة صحفي بسبب إعادة طرح هذه القضية، استنادا إلى معطيات علنية، قد يفهم على أنه رسالة مقلقة بشأن حدود حرية التعبير، بل وقد يثني الفاعلين الإعلاميين عن تناول قضايا مماثلة مستقبلا. وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمام السلطات التونسية في ما يتعلق بإيجاد توازن دقيق بين تطبيق القانون واحترام الحريات الأساسية.
وفي خضم هذا الجدل، دعت الرابطة العالمية للمدونين إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن زياد الهاني، مع ضمان حقه في محاكمة عادلة، وإسقاط المتابعات المرتبطة بتعبيراته التي تندرج ضمن حرية الرأي. كما طالبت بمراجعة الإطار القانوني الذي يسمح بمتابعة الصحفيين بسبب آرائهم، وبالالتزام الصارم بالمعايير الدولية في مجال حرية الصحافة وحماية مصادرها.
وتبقى هذه القضية اختبارا حقيقيا لمدى قدرة المنظومة القانونية في تونس على التوفيق بين مقتضيات الأمن القانوني وضمان الحقوق والحريات، في سياق إقليمي ودولي يشهد تزايد الاهتمام بمسألة حرية التعبير في الفضاء الرقمي.
رئيسية 








الرئيسية




