رشيد الجبالي لـ«العلم الإلكترونية»: حماية المال العام تقتضي افتحاص مسار الدقيق المدعم وتحديد المسؤوليات
*العلم الإلكترونية – حكيمة الوردي*
بينما يستمر حضور الأفرنة والمخابز التقليدية في عدد من الأحياء المغربية باعتبارها مصدراً يومياً للخبز بأسعار في متناول شرائح واسعة من الأسر، يطرح استعمال دقيق الفرينة المدعم داخل بعض هذه الوحدات سؤالاً يتجاوز نقطة الاستعمال نفسها، ليمتد إلى كامل المسار الذي تقطعه المادة منذ خروجها من وحدات الإنتاج والتوزيع إلى حين وصولها إلى المستفيد النهائي.
ويعتبر مهنيون في القطاع أن أي معالجة جدية لهذا الملف تقتضي إخضاع سلسلة الدقيق المدعم بأكملها للتتبع والمراقبة، بدل التركيز حصراً على الأفرنة والمخابز، وذلك بهدف تحديد مسار المادة والوقوف على مدى احترام القنوات القانونية المخصصة لها، وترتيب المسؤوليات في حال ثبوت أي اختلال.
وفي هذا السياق، يدعو رشيد الجبالي، رئيس هيئة الأفرنة والمخابز بغرفة الصناعة التقليدية بالدار البيضاء وعضو المجلس الوطني للمقاولات والمهن، إلى افتحاص شامل لمسار الدقيق المدعم، مع تحديد المسؤوليات في مختلف مراحل السلسلة، معتبراً أن حماية المواد التي تستفيد من الدعم العمومي تبدأ من معرفة مصدرها والجهات التي تتولى توزيعها وتخزينها وتسويقها، وصولاً إلى نقطة استعمالها.
مسؤولية لا تبدأ عند باب الفرن
ويرى الجبالي أن الحديث عن الدقيق المدعم لا ينبغي أن يحصر في المهني الموجود في نهاية سلسلة التوزيع، لأن المادة تمر قبل وصولها إلى الأفرنة والمخابز عبر مراحل متعددة تشمل الإنتاج والتوزيع والتخزين والنقل والبيع وإعادة البيع.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اختلال محتمل، بحسب الطرح المهني، يستدعي العودة إلى بداية المسار لتحديد المكان الذي وقع فيه التجاوز، والجهة التي كانت مسؤولة عن المادة في تلك المرحلة، بدلاً من الاكتفاء بتحديد آخر حلقة وصلت إليها.
ويؤكد رئيس هيئة الأفرنة والمخابز بالدار البيضاء، في تصريح لـ«العلم الإلكترونية»، أن المهنيين مع احترام القانون والمراقبة والمحاسبة، وأن حماية المال العام وضمان توجيه الدعم إلى الأغراض المحددة له يقتضيان اعتماد قواعد واضحة تشمل مختلف المتدخلين في السلسلة.
كما يشدد على أن التتبع الفعلي للدقيق المدعم من شأنه أن يجعل عملية المراقبة أكثر دقة، ويسمح بتحديد مصدر الكميات ومسارها والجهات التي تعاملت معها، وبالتالي تحديد المسؤوليات على أساس المعطيات والوقائع.
من الإنتاج إلى نقطة الاستعمال
وتتمثل إحدى أبرز الإشكالات المطروحة، وفق المهنيين، في كيفية ضمان عدم خروج الدقيق المدعم عن المسار المخصص له خلال انتقاله بين مختلف حلقات التوزيع.
فوجود شبكة واضحة للتتبع يمكن أن يساعد، بحسب هذا التصور، على معرفة الكميات التي غادرت المصدر، والجهات التي تسلمتها، ومراحل تخزينها ونقلها، ثم وجهتها النهائية، بما يتيح رصد أي فارق أو اختلال عند وقوعه.
ولا يتعلق الأمر، وفق الطرح نفسه، بإعفاء أي جهة من المسؤولية، وإنما بإرساء مراقبة متكاملة تبدأ من المصدر ولا تنتهي إلا عند نقطة الاستعمال، بما يضمن عدم تحول الدعم العمومي إلى مجال للمضاربة أو إعادة البيع خارج القنوات القانونية، إذا ثبت وقوع ذلك.
ويعتبر المهنيون أن اعتماد مثل هذه الآليات من شأنه أيضاً أن يوفر حماية أكبر للمهنيين الذين يشتغلون في إطار قانوني، ويمنع تحميل القطاع بأكمله مسؤولية أي ممارسات فردية أو مخالفات قد تثبت في حالات محددة.
الأفرنة التقليدية.. أكثر من مجرد نقطة بيع
وبعيداً عن الجدل المرتبط بمسار الدقيق، يلفت المهنيون إلى أن الأفرنة والمخابز التقليدية تؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية تتجاوز إنتاج الخبز، إذ تشكل جزءاً من الحياة اليومية في عدد من الأحياء، وتوفر فرصاً للشغل، وتحافظ على نمط من الإنتاج ما يزال يحظى بإقبال المواطنين.
ويؤكد الجبالي أن هذه الوحدات توجد ضمن نسيج اقتصادي واجتماعي واسع، وأن التعامل مع القطاع ينبغي أن يقوم على التمييز بين الممارسات المنظمة وأي مخالفات محتملة، مع العمل في الوقت نفسه على تحسين ظروف العمل والتأهيل والسلامة والجودة.
وبحسب المهنيين، فإن تقوية المراقبة لا ينبغي أن تنفصل عن مواكبة القطاع وتنظيمه، لأن الهدف في نهاية المطاف هو ضمان احترام القوانين وحماية المستهلك والحفاظ على الوحدات التي تؤدي دوراً فعلياً في تزويد الأحياء بالخبز.
المواطن.. السعر والمذاق والقرب
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يتمسك عدد من سكان الأحياء بالأفرنة التقليدية، بالنظر إلى الأسعار التي يعتبرونها مناسبة، فضلاً عن قربها من أماكن السكن وطبيعة الخبز الذي توفره.
ويشير مواطنون إلى أن سعر خبز الفرينة أو السميد في عدد من هذه الأفرنة لا يتجاوز درهماً واحداً، فيما يصل سعر خبز الشعير والحبة الكاملة إلى نحو درهم ونصف في بعض المحلات، وقد يبلغ درهمين في محلات أخرى.
وتتجاوز علاقة المستهلك بهذه الوحدات مسألة السعر، إذ يرى عدد من المواطنين أن الخبز المنتج داخل الأفرنة التقليدية يحتفظ بمذاق وطريقة إعداد يفضلونها، كما أن وجود هذه الأفرنة داخل الأحياء يجعل اقتناء الخبز منها جزءاً من الروتين اليومي للأسر.
ويرى هؤلاء أن المطلوب ليس إضعاف الأفرنة التي تشتغل بصورة قانونية، وإنما ضمان خضوعها للمراقبة اللازمة، سواء فيما يتعلق بمصادر المواد المستعملة أو شروط النظافة والسلامة والجودة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية في حق كل من تثبت مخالفته.
حماية الدعم لا تنفصل عن حماية المستهلك
ويضع هذا النقاش السلطات المختصة أمام مهمتين متلازمتين: حماية الدعم العمومي الموجه إلى المواد الأساسية، وضمان استمرار توفير الخبز للمواطنين في ظروف تستجيب لشروط الجودة والسلامة.
ومن هذا المنظور، يرى مهنيون أن ضبط مسار الدقيق المدعم يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بالقطاع، شريطة أن تشمل المراقبة مختلف حلقات السلسلة، وأن تكون المسؤولية مرتبطة بالفعل المثبت والجهة التي ارتكبته.
كما أن حماية المستهلك لا تقتصر على ضمان السعر، بل تشمل أيضاً مراقبة جودة المواد المستعملة واحترام شروط السلامة الصحية، وهو ما يجعل تنظيم القطاع وتأهيل المهنيين وتتبع المواد ومراقبة أماكن الإنتاج والاستعمال عناصر متكاملة.
سؤال المسار يبقى في صلب القضية
وفي نهاية المطاف، يعيد ملف دقيق الفرينة المدعم طرح سؤال أساسي حول قدرة منظومة التوزيع والمراقبة على تتبع المادة منذ خروجها من مصدرها إلى أن تصل إلى نقطة استعمالها.
فإذا كانت الغاية من الدعم هي حماية القدرة الشرائية وضمان استفادة الفئات المستهدفة، فإن تحقيق هذه الغاية يتطلب وضوحاً في المسارات، ودقة في التتبع، وتحديداً للمسؤوليات عند ثبوت أي مخالفة.
وبين المنتج والموزع والمخزن والوسيط والبائع والمستعمل، تظل الإجابة عن سؤال «أين يمر الدقيق المدعم، وكيف يصل إلى وجهته النهائية؟» مفتاحاً لفهم مكامن الخلل، إن وجدت، بعيداً عن التعميم أو تحميل طرف واحد مسؤولية سلسلة كاملة.
وفي المقابل، تظل الأفرنة والمخابز التقليدية جزءاً من المشهد اليومي للأحياء المغربية، وهو ما يجعل معالجة أي اختلال في مسار الدعم مرتبطة أيضاً بالحفاظ على استمرارية النشاط المنظم، وضمان حق المواطن في خبز متاح، جيد وآمن، وبسعر يراعي قدرته الشرائية.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يتمسك عدد من سكان الأحياء بالأفرنة التقليدية، بالنظر إلى الأسعار التي يعتبرونها مناسبة، فضلاً عن قربها من أماكن السكن وطبيعة الخبز الذي توفره.
ويشير مواطنون إلى أن سعر خبز الفرينة أو السميد في عدد من هذه الأفرنة لا يتجاوز درهماً واحداً، فيما يصل سعر خبز الشعير والحبة الكاملة إلى نحو درهم ونصف في بعض المحلات، وقد يبلغ درهمين في محلات أخرى.
وتتجاوز علاقة المستهلك بهذه الوحدات مسألة السعر، إذ يرى عدد من المواطنين أن الخبز المنتج داخل الأفرنة التقليدية يحتفظ بمذاق وطريقة إعداد يفضلونها، كما أن وجود هذه الأفرنة داخل الأحياء يجعل اقتناء الخبز منها جزءاً من الروتين اليومي للأسر.
ويرى هؤلاء أن المطلوب ليس إضعاف الأفرنة التي تشتغل بصورة قانونية، وإنما ضمان خضوعها للمراقبة اللازمة، سواء فيما يتعلق بمصادر المواد المستعملة أو شروط النظافة والسلامة والجودة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية في حق كل من تثبت مخالفته.
حماية الدعم لا تنفصل عن حماية المستهلك
ويضع هذا النقاش السلطات المختصة أمام مهمتين متلازمتين: حماية الدعم العمومي الموجه إلى المواد الأساسية، وضمان استمرار توفير الخبز للمواطنين في ظروف تستجيب لشروط الجودة والسلامة.
ومن هذا المنظور، يرى مهنيون أن ضبط مسار الدقيق المدعم يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بالقطاع، شريطة أن تشمل المراقبة مختلف حلقات السلسلة، وأن تكون المسؤولية مرتبطة بالفعل المثبت والجهة التي ارتكبته.
كما أن حماية المستهلك لا تقتصر على ضمان السعر، بل تشمل أيضاً مراقبة جودة المواد المستعملة واحترام شروط السلامة الصحية، وهو ما يجعل تنظيم القطاع وتأهيل المهنيين وتتبع المواد ومراقبة أماكن الإنتاج والاستعمال عناصر متكاملة.
سؤال المسار يبقى في صلب القضية
وفي نهاية المطاف، يعيد ملف دقيق الفرينة المدعم طرح سؤال أساسي حول قدرة منظومة التوزيع والمراقبة على تتبع المادة منذ خروجها من مصدرها إلى أن تصل إلى نقطة استعمالها.
فإذا كانت الغاية من الدعم هي حماية القدرة الشرائية وضمان استفادة الفئات المستهدفة، فإن تحقيق هذه الغاية يتطلب وضوحاً في المسارات، ودقة في التتبع، وتحديداً للمسؤوليات عند ثبوت أي مخالفة.
وبين المنتج والموزع والمخزن والوسيط والبائع والمستعمل، تظل الإجابة عن سؤال «أين يمر الدقيق المدعم، وكيف يصل إلى وجهته النهائية؟» مفتاحاً لفهم مكامن الخلل، إن وجدت، بعيداً عن التعميم أو تحميل طرف واحد مسؤولية سلسلة كاملة.
وفي المقابل، تظل الأفرنة والمخابز التقليدية جزءاً من المشهد اليومي للأحياء المغربية، وهو ما يجعل معالجة أي اختلال في مسار الدعم مرتبطة أيضاً بالحفاظ على استمرارية النشاط المنظم، وضمان حق المواطن في خبز متاح، جيد وآمن، وبسعر يراعي قدرته الشرائية.
رئيسية 








الرئيسية 








