العلم الإلكترونية - بقلم محمد الغياط
أصبحت ظاهرة الغش في الامتحانات من أبرز التحديات التي تواجه المنظومات التعليمية المعاصرة، خصوصاً مع التطورالمتسارع لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات. وقد انتقلت هذه الظاهرة من أشكالها التقليدية البسيطة إلى ممارسات رقمية معقدة تستعين بوسائل إلكترونية متطورة، الأمر الذي دفع إلى وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد آليات مراقبة تكنولوجية متزايدة الصرامة.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات تربوية وأخلاقية وقانونية حول حدود المراقبة وفعاليتها في معالجة الأسباب العميقة للغش.
ان هذا الموضوع يد عونا كباحثين الى تحليل الظاهرة من خلال مقاربات تربوية وقانونية ونفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وإعلامية، مع ربطها بالواقع المغربي واستحضار نماذج من النقاش العمومي الذي رافق امتحانات الباكالوريا خلال العقد الأخير.
اولا : الامتحان وتقويم التحصيل الدراسي
يشكل الامتحان إحدى الآليات الأساسية لتقويم التحصيل الدراسي وقياس الكفايات المكتسبة، غير أن نجاح هذه الآلية رهين بتوفر شروط النزاهة والشفافية.
وفي ظل التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، برزت تحديات جديدة مرتبطة باستعمال الوسائط الإلكترونية في عمليات الغش، مما دفع العديد من الدول، ومنها المغرب، إلى تعزيز إجراءات المراقبة والضبط داخل مراكز الامتحانات.
وتطرح هذه التحولات إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل الآتي:
1/هل يمثل الغش في الامتحانات أزمة تربوية وأخلاقية بالأساس، أم أنه أصبح قضية أمنية وتقنية تستدعي مزيداً من الرقابة والمراقبة الإلكترونية؟
ثانيا : المقاربة التربوية للغش في الامتحانات
تنظر الأدبيات التربوية إلى الغش باعتباره مؤشراً على اختلال في عملية التنشئة التعليمية أكثر من كونه مجرد مخالفة فردية (دوركايم , 1922). فالمدرسة لا تؤدي وظيفة نقل المعرفة فقط، بل تضطلع أيضاً بمهمة بناء القيم المدنية والأخلاقية.
وفي السياق المغربي، ترتبط بعض مظاهر الغش بانتشار ثقافة الشهادة والنجاح الاجتماعي المرتبط بالحصول على الدبلوم أكثر من الارتباط بالكفاءة المعرفية. كما أن الضغوط الأسرية والمجتمعية تجعل بعض المتعلمين ينظرون إلى النجاح باعتباره غاية تبرر الوسيلة.
وقد أكدت تقارير صادرة عن وزارة التربية الوطنية المغربية أن حملات التوعية والتحسيس بمخاطر الغش أصبحت جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الظاهرة، إلى جانب الإجراءات الزجرية والتنظيمية.ولكن النتيجة تكاد تكون ضعيفة بالمقارنة مع المجهودات المبذولة
ثالثا : المقاربة القانونية بين الردع والحماية
أمام تزايد حالات الغش الإلكتروني، اتجه المغرب إلى تعزيز الإطار القانوني المنظم للامتحانات الإشهادية، وخاصة امتحانات الباكالوريا ، حيث تم تجريم بعض الأفعال المرتبطة بتسريب المواضيع أو نشر الأجوبة عبر الوسائط الرقمية.
ويستند هذا التوجه إلى مبدأ حماية المصلحة العامة وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين. غير أن المقاربة القانونية وحدها تظل محدودة الأثر إذا لم تترافق مع معالجة الأسباب الاجتماعية والنفسية المنتجة للغش.
وتشير التجارب المقارنة، خاصة في فرنسا وكندا، إلى أن التشريعات الصارمة نجحت في الحد من بعض الممارسات المنظمة، لكنها لم تقض نهائياً على الظاهرة، وهو ما يبرز الحاجة إلى التكامل بين الردع القانوني والتربية على النزاهة الأكاديمية.
رابعاً: المقاربة النفسية وسؤال القلق من الفشل
ترى المدرسة النفسية أن الغش يرتبط في كثير من الأحيان بالخوف من الفشل وضعف الثقة بالنفس وارتفاع مستويات القلق الامتحاني (بنديرا Bandura, 1997).
فالمتعلم الذي يشعر بعدم قدرته على النجاح بوسائله الذاتية يصبح أكثر قابلية للبحث عن حلول بديلة قد تتخذ شكل الغش أو التحايل. كما أن المنافسة الحادة داخل المنظومة التعليمية قد تدفع بعض التلاميذ إلى اعتبار الغش آلية دفاعية للحفاظ على تقدير الذات.
وفي المغرب، تبرز هذه المعطيات بشكل خاص خلال امتحانات الباكالوريا التي ينظر إليها اجتماعياً باعتبارها محطة فاصلة في المسار الدراسي والمهني.
رابعاً: المقاربة السوسيولوجية والثقافية
يرتبط الغش أيضاً ببنية القيم السائدة داخل المجتمع. فكلما تراجعت قيمة الاستحقاق والكفاءة وارتفعت مكانة النجاح الشكلي، ازدادت احتمالات انتشار السلوكيات غير المشروعة.
ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن المؤسسة التعليمية تعكس في جزء منها التناقضات القائمة داخل المجتمع (Bourdieu, 1970). ومن هذا المنطلق، فإن انتشار الغش قد يكون انعكاساً لأزمة أوسع تمس منظومة القيم والثقة في المؤسسات.
وقد شهد الرأي العام المغربي خلال السنوات الماضية نقاشات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي عقب تداول صور أو مقاطع مرتبطة بحالات غش أو تسريب محتمل لمواضيع الامتحانات، حيث انقسمت الآراء بين من يطالب بمزيد من الصرامة والردع، ومن يرى أن التركيز على العقوبات يغفل الأسباب البنيوية للظاهرة.
خامساً: المقاربة الاقتصادية وصناعة المراقبة التكنولوجية
أفرزت ظاهرة الغش الإلكتروني سوقاً اقتصادية جديدة تشمل صناعة الأجهزة الإلكترونية الدقيقة ووسائل الكشف والمراقبة.وربما أن المسألة تم استغلالها من طرف بعض المؤسسات الصناعية للاستثمار في معدات لكشف الغش أصبحت مذرة للربح بواسطة صفقات مالية كما وقع هذه السنة بتسويق جهاز للكشف عن معدات الغش الإلكتروني في امتحانات الباكالوريا بالمغرب.
فمع كل موسم امتحانات، تتزايد عمليات بيع السماعات المصغرة والساعات الذكية وأدوات الاتصال الخفي، مقابل ارتفاع الطلب على أجهزة الكشف والتشويش والمراقبة.وقد شهدت هذه السنة اقتناء وزارة التربية الوطنية بالمغرب أجهزة كاشفة عن للغش تم استعمالها لمراقبة داخل أقسام مراكز الامتحانات لاول مرة في المغرب
مما ادى إلى عدة ردود أفعال متباينة بين مؤيد ومعارض .
وهنا يطرح سؤال جوهري:
هل أصبح الغش مجالاً لإنتاج سوق اقتصادية متكاملة تستفيد منها جهات متعددة؟ إن الإجابة لا تنفي الحاجة إلى المراقبة، لكنها تدعو إلى التفكير في حدود تحويل الفضاء التربوي إلى مجال متزايد الضبط الأمني والتقني.
سادساً: المقاربة الإعلامية وصناعة الرأي العام
لعب الإعلام التقليدي والرقمي دوراً مركزياً في تشكيل صورة الغش داخل المجتمع المغربي. فقد تحولت امتحانات الباكالوريا خلال السنوات الأخيرة إلى حدث إعلامي موسمي تواكبه حملات توعوية وتغطيات صحفية واسعة.
كما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تضخيم بعض الحالات الفردية وتحويلها إلى قضايا رأي عام، الأمر الذي عزز الإحساس الجماعي بخطورة الظاهرة، لكنه أحياناً أدى إلى إنتاج حالة من الهلع الأخلاقي (Moral Panic) حول الامتحانات.
وتبرز هنا مسؤولية الإعلام في تحقيق التوازن بين التوعية بمخاطر الغش وعدم اختزال العملية التعليمية في بعدها الأمني فقط.
سابعاً: المراقبة التكنولوجية بين الضرورة وحدود الفعالية
اعتمد المغرب خلال السنوات الأخيرة إجراءات متنوعة تشمل:
منع الأجهزة الإلكترونية داخل مراكز الامتحان.
تكثيف المراقبة الميدانية.
تتبع التسريبات الرقمية.
استعمال وسائل تقنية للكشف عن الأدوات المستعملة في الغش.
غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى نسبية، لأن التكنولوجيا التي تكشف الغش تقابلها تكنولوجيا جديدة تسعى إلى التحايل عليها.
ومن ثم فإن التركيز الحصري على الوسائل التقنية قد يؤدي إلى إغفال البعد القيمي والتربوي الذي يمثل أساس المشكلة.
ختاما ، تكشف ظاهرة الغش في الامتحانات عن تداخل معقد بين العوامل التربوية والقانونية والنفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإعلامية. وفي الحالة المغربية، لا يمكن اختزال الظاهرة في مجرد خرق تنظيمي يستدعي المزيد من الرقابة، كما لا يمكن تجاهل الحاجة إلى حماية مصداقية الشهادات الوطنية.
إن بناء الثقة داخل المؤسسة التعليمية يظل رهاناً أساسياً يقتضي الانتقال من منطق المراقبة المستمرة إلى منطق التربية على المسؤولية والنزاهة. فالمجتمعات التي نجحت في الحد من الغش لم تحقق ذلك فقط عبر الكاميرات وأجهزة الكشف، بل من خلال ترسيخ ثقافة الاستحقاق واحترام القانون والاقتناع الأخلاقي بقيمة الانسان ....
رئيسية 








الرئيسية





