Quantcast
2026 أكتوبر 25 - تم تعديله في [التاريخ]

فرنسا بعد السبت المنتظر… الشوارع لم تهدأ والغضب يؤجل موعده إلى 5 نونبر

انقضى السبت وبقي ما وراء الحشود والحواجز… بوشعيب حمراوي يقرأ مأزق فرنسا بين تأمين الشوارع وفتح أبواب الحل.


◆ السبت الذي انتظرته فرنسا… ماذا حدث وماذا بقي

الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
410 آلاف متظاهر وفق الداخلية و800 ألف وفق النقابات ونحو ألف موقوف وإصابات خطيرة في عدة مدن… ماكرون يعزز الإجراءات الأمنية لكن الغضب الاجتماعي مستمر والنقابات تضرب موعداً جديداً للاحتجاج.

مرّ السبت 24 أكتوبر 2026، الذي انتظرته فرنسا بكثير من القلق والترقب، بعدما استنفرت الدولة أجهزة الأمن، وعززت انتشار الشرطة والدرك، واستعانت بالعسكريين لحماية المواقع الحساسة، وفرضت قيوداً على المظاهرات في عدد من المدن.

كان السؤال الذي شغل الحكومة والشارع والإعلام الفرنسي واحداً: هل يتكرر سيناريو السبت 17 أكتوبر، بما حمله من مظاهرات واسعة وأعمال تخريب ونهب ومواجهات؟ أم تنجح الإجراءات الاستثنائية في احتواء الغضب الشعبي وإعادة الهدوء إلى الشوارع؟

انتهى السبت الثاني دون تكرار حجم الدمار الذي شهدته بعض المدن قبل أسبوع، لكنه لم ينتهِ بعودة الاستقرار الاجتماعي أو بإعلان تسوية سياسية.

فقد خرج مئات الآلاف مجدداً، ووقعت مواجهات وتوقيفات وإصابات، بعضها خطير، واستمرت الخلافات بشأن الأجور والتعليم والقدرة الشرائية وحرية التظاهر.

والأهم أن المحتجين لم يعلنوا نهاية التعبئة، بل ظل موعد الخامس من نونبر حاضراً في حسابات النقابات والحكومة.

وهكذا، لم يكن السبت المنتظر خاتمة للأزمة، وإنما محطة جديدة في مسارها.

◆ الأرقام تتحدث… والغضب لم يغادر الشوارع

أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة 410 آلاف متظاهر في مختلف أنحاء البلاد، مقابل 800 ألف وفق تقديرات الكونفدرالية العامة للشغل «CGT».

وفي باريس وحدها، أحصت السلطات 110 آلاف مشارك، بينما تحدثت النقابة عن 250 ألفاً.

وإذا كانت الأرقام الحكومية تشير إلى تراجع المشاركة مقارنة بالسبت السابق، الذي شهد خروج 550 ألف شخص وفق الداخلية، فإن الأرقام النقابية تعتبر أن التعبئة حافظت على حجمها.

لكن، بعيداً عن التفاوت بين التقديرات، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: مئات الآلاف من الفرنسيين اختاروا العودة إلى الشارع، رغم الإجراءات الأمنية والقيود المفروضة على التجمعات.

وقد توزعت المظاهرات على مدن كبرى، بينها باريس ومرسيليا وليون وليل وتولوز ونانت وبوردو، ورفعت مطالب تتعلق بالأجور وغلاء المعيشة والخدمات العمومية والتعليم.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن قياس نجاح السياسة الحكومية بانخفاض عدد المتظاهرين وحده، أم ينبغي قياسه أيضاً بمدى معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الاحتجاج؟

◆ سبعون ألف عنصر أمني… لكن الأمن ليس بديلاً عن الحوار

عبأت السلطات الفرنسية نحو 70 ألف شرطي ودركي لمواكبة مظاهرات السبت، مع تعزيز وحدات التدخل واستعمال وسائل مراقبة وتدخل إضافية.

كما كُلّف عسكريون من عملية «سانتينيل» بحماية المواقع الحساسة، بما يسمح بتوجيه المزيد من عناصر الشرطة والدرك إلى حفظ النظام.

وقد أكد وزير الداخلية لوران نونيز أن التدخلات الأمنية ساهمت في منع تكرار الهجمات على المباني العامة وأعمال النهب الواسعة التي شهدتها البلاد يوم 17 أكتوبر.

ولا يمكن التقليل من أهمية حماية الأشخاص والممتلكات، ولا من مسؤولية الدولة في منع الاعتداءات والتخريب. فالتظاهر السلمي حق، لكنه لا يمنح أحداً حق إحراق المؤسسات أو الاعتداء على المواطنين ورجال الأمن.

غير أن النجاح الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده للحكم على معالجة أزمة اجتماعية عميقة.

فالشرطة تستطيع تأمين شارع، لكنها لا تستطيع رفع الأجور. ويمكن للسلطات تغيير مسار مظاهرة، لكنها لا تستطيع بقرار أمني إصلاح مدرسة أو جامعة، أو تخفيض تكاليف المعيشة.

والسؤال المطروح على الحكومة الفرنسية ليس فقط كيف تمنع الفوضى، بل كيف تجعل المواطنين أقل حاجة إلى الاحتجاج أصلاً.

◆ نحو ألف موقوف… وإصابات خطيرة تعيد الجدل حول وسائل حفظ النظام

أعلن وزير الداخلية، مساء السبت، اقتراب عدد الموقوفين من ألف شخص، مع استمرار عمليات التدخل في بعض المدن.

لكن الحصيلة لم تقتصر على التوقيفات، إذ سُجلت إصابات خطيرة ومؤلمة في صفوف المتظاهرين، إلى جانب إصابات أخرى طالت مدنيين وعناصر من قوات الأمن.

في تولوز، أصيب شاب يبلغ من العمر 20 سنة إصابة خطيرة في يده، خلال مواجهات أعقبت انتهاء المظاهرة بمنطقة أرين، غرب وسط المدينة.

وأكدت محافظة هوت غارون نقل المصاب إلى المستشفى وفتح تحقيق قضائي لتحديد ظروف إصابته.

ونقلت وكالة فرانس برس عن مسعف متطوع شارك في إسعاف الشاب أن يده اليمنى تعرضت لإصابة بالغة شملت بتر عدة أصابع، نتيجة انفجار جسم بالقرب منه.

غير أن السلطات لم تؤكد بعد طبيعة الجسم المتسبب في الإصابة أو الجهة المسؤولة عنها.

كما سجلت المحافظة إصابتين خفيفتين أخريين خلال الأحداث.

وفي كليرمون فيران، تعرض متظاهر لإصابة خطيرة في يده قرب ساحة جود، خلال مواجهات شهدت استعمال القنابل الصوتية والمسيلة للدموع.

ونشرت صحيفة «لوموند» تحليلاً لمقاطع مصورة أظهرت انفجار قنبلة من طراز «GM2L» بالقرب من يد شخص تتطابق ملابسه مع ملابس المصاب.

وتستخدم هذه القنبلة في عمليات حفظ النظام، وقد ارتبط استعمال هذا الطراز بإصابات خطيرة خلال أحداث سابقة.

وفي المقابل، أوضحت المحافظة أن المصاب لم يفقد أياً من أصابعه، وأن تحديد ظروف الإصابة يستوجب المزيد من التحقيق.

كما سجلت المدينة إصابة مدنيين اثنين بجروح خفيفة، وإصابة عنصر من شرطة مكافحة الشغب نُقل إلى المستشفى الجامعي.

أما في بواتييه، فقد أصيب شاب يبلغ 19 سنة في عينه اليسرى، خلال تدخل أمني وقع نحو الساعة الخامسة والنصف مساءً.

ونقلت صحيفة «لا نوفيل ريبوبليك» تفاصيل الإصابة، بينما أفاد مسعفون ميدانيون باحتمال تعرض عينه لشظية خلال استعمال وسائل تفريق المتظاهرين.

وتولى مسعفون متطوعون تقديم الإسعافات الأولية له قبل تسليمه إلى طاقم الإسعاف.

ولم تكن طبيعة الإصابة النهائية أو مدى تأثيرها على بصره قد تأكدت عند نشر المعطيات الأولية.

وتعيد هذه الإصابات طرح أسئلة بشأن استعمال القنابل الصوتية والمسيلة للدموع، ومدى ملاءمة وسائل التدخل الأمني لحماية الأشخاص الموجودين في محيط المواجهات.

ومن الضروري التحقيق في أعمال التخريب والاعتداء على عناصر الأمن، كما يجب التحقيق في ظروف الإصابات الخطيرة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

ولا يجوز الخلط بين المتظاهر السلمي ومن يرتكب أعمال عنف، كما لا يجوز اعتبار كل موقوف مداناً قبل استكمال الإجراءات القضائية.

إن حماية النظام العام وحماية الحريات ليستا مهمتين متعارضتين بالضرورة. بل إن قوة المؤسسات الديمقراطية تظهر في قدرتها على ضمانهما معاً.

◆ التلاميذ والطلبة… جيل يطالب بمستقبل مختلف

من أبرز ملامح الاحتجاجات الفرنسية الحضور المتواصل للتلاميذ والطلبة، الذين لم تعد مطالبهم محصورة في قضايا مدرسية ضيقة.

فهم يتحدثون عن نقص الأطر التعليمية، وظروف الدراسة، والتمويل العمومي، والسكن والمنح الجامعية، ومستقبل الولوج إلى التعليم العالي.

وتحتل منصة التوجيه الجامعي «باركورسيب» موقعاً بارزاً في هذه المطالب، إذ تطالب بعض التنظيمات بإلغائها، بينما تتحدث الرئاسة الفرنسية عن إصلاحها وتحسين شفافيتها.

وقد استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون ممثلين عن منظمات تلاميذية يوم الجمعة 23 أكتوبر، وأُعلن عن مشاورات حكومية أوسع يوم الاثنين 26 أكتوبر.

لكن أهمية هذه اللقاءات ستتحدد بما ينتج عنها من إجراءات، لا بمجرد انعقادها.

فالشباب الذين يطالبون بتحسين ظروف الدراسة والعيش يحتاجون إلى أجوبة قابلة للتنفيذ، ومواعيد واضحة، والتزامات يمكن تقييمها.

◆ ماكرون بين استعادة النظام والاستجابة للمطالب

اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التدخل المباشر في إدارة الجانب الأمني من الأزمة، من خلال اجتماعات مع المسؤولين الأمنيين وتوجيهات تتعلق بتنظيم المظاهرات.

وقد أثارت القيود على بعض التجمعات نقاشاً سياسياً وقانونياً بشأن حرية التظاهر وحدود صلاحيات السلطات الإدارية.

وتدافع الحكومة عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لمنع تكرار أعمال التخريب، بينما ترى منظمات نقابية وحقوقية أن القيود الواسعة قد تمس ممارسة حق أساسي.

وهنا تكمن إحدى المعضلات التي تواجه الرئاسة الفرنسية: كيف يمكن استعادة الثقة في مؤسسات الدولة دون أن يشعر جزء من المجتمع بأن مطالبه تُختزل في مشكلة أمنية؟

كما أن مطالبة الأحزاب والنقابات بتحمل مسؤولياتها ينبغي أن تقابلها مسؤولية حكومية واضحة في تقديم حلول للمشكلات التي فجرت الاحتجاجات.

فالدعوة إلى الهدوء قد تكون ضرورية، لكنها تصبح أكثر إقناعاً عندما ترافقها استجابة اجتماعية ملموسة.

◆ الخامس من نونبر… موعد جديد لمواجهة اجتماعية مفتوحة

لم تنتظر المنظمات النقابية نهاية احتجاجات السبت لتحديد موعد جديد للتعبئة.

فقد أعلنت عدة نقابات، بينها «CGT» و«CFDT» و«FO» و«Unsa» و«FSU»، الدعوة إلى يوم إضراب ومظاهرات الخميس 5 نونبر 2026.

وتسعى «CGT» إلى توسيع المشاركة عبر عقد جمعيات عامة في أماكن العمل، وتشجيع العمال على الانخراط في الإضراب.

وتتمحور المطالب حول تحسين الأجور والمعاشات، ومواجهة غلاء المعيشة، وتعزيز الخدمات العمومية، وتوفير موارد إضافية للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

وهناك أيضاً دعوات صادرة عن بعض تنسيقيات السترات الصفراء لتحركات يوم السبت 31 أكتوبر، لكن حجم المشاركة المرتقبة فيها ومدى انخراط مختلف التنظيمات لم يتضحا بعد.

وبذلك، فإن الخامس من نونبر ليس مجرد تاريخ جديد في أجندة الاحتجاجات، بل موعد تريد النقابات أن تجعل منه مرحلة أوسع من التعبئة، خصوصاً إذا لم تثمر المشاورات الحكومية إجراءات مقنعة.

◆ الاقتصاد الفرنسي حاضر في قلب الاحتجاجات

لا تنفصل الأزمة الاجتماعية عن الوضع الاقتصادي والمالي الذي تعيشه فرنسا، ولا عن النقاشات البرلمانية بشأن الميزانية والإنفاق العمومي.

فالحكومة مطالبة بضبط المالية العامة، بينما تطالب النقابات بزيادة الأجور والإنفاق على الخدمات الأساسية.

وتجد السلطات نفسها أمام خيارات صعبة تتعلق بتمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، دون تعميق اختلالات الميزانية.

لكن النقاش الاقتصادي لا ينبغي اختزاله في الأرقام المحاسبية وحدها.

فالميزانية العامة تعكس أيضاً أولويات سياسية واجتماعية، وتحدد كيفية توزيع الأعباء والموارد بين الفئات المختلفة.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى نقاش شفاف بشأن الخيارات المالية، يوضح للمواطنين ما تستطيع الدولة تنفيذه، وما يتطلب وقتاً، وكيف يمكن توزيع كلفة الإصلاح بصورة عادلة.

◆ السبت انتهى… لكن الأسئلة الكبرى لم تنتهِ

انتهى السبت الذي انتظرته فرنسا، ونجحت السلطات في تجنب تكرار بعض مشاهد التخريب الواسع، لكنها لم تُنهِ الاحتجاجات، ولم تُغلق ملفات الأجور والتعليم والقدرة الشرائية والحريات العامة.

لقد أظهر يوم 24 أكتوبر أن الدولة قادرة على تعبئة موارد أمنية كبيرة، وأن المجتمع لا يزال قادراً على تنظيم مظاهرات واسعة، وأن التوتر بين الطرفين لم يتحول بعد إلى تسوية اجتماعية.

كما كشفت الإصابات الخطيرة المسجلة في تولوز وكليرمون فيران وبواتييه عن ضرورة إخضاع عمليات حفظ النظام للمراقبة والمساءلة، والتحقيق في كل إصابة دون استثناء.

وستكون المشاورات الحكومية المرتقبة، والقرارات المتعلقة بالتعليم والأجور، ثم التعبئة النقابية يوم الخامس من نونبر، محطات أساسية لمعرفة اتجاه الأزمة.

فالرهان لا يتعلق بمن ينتصر في الشارع، ولا بمن يفرض آخر قرار أمني، بل بقدرة المؤسسات والقوى الاجتماعية على الانتقال من المواجهة إلى التفاوض، ومن تبادل الاتهامات إلى تقديم حلول.

لقد مرّ السبت المنتظر، لكن موعداً احتجاجياً آخر ينتظر فرنسا. وبين السبت والخامس من نونبر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الحكومة معالجة أسباب الغضب قبل أن يتجدد، أم ستظل البلاد تنتقل من موعد احتجاجي إلى آخر؟

بين غضب الشارع والحضور الأمني تبقى طاولة الحوار في الانتظار
بين غضب الشارع والحضور الأمني تبقى طاولة الحوار في الانتظار

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار