Quantcast
2026 أبريل 5 - تم تعديله في [التاريخ]

في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!

افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 2 أبريل 2026


في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!
العلم - محمد بشكار
 
في مثل هذا الشهر وتحديدا يوم 24 أبريل من عام 2012، ودّعنا إلى حيث يتماهى الممكن مع المستحيل في دار البقاء، رجل أنقذتنا حكمته السديدة من الحب القاسي، ذلك الحب الذي تصنعه الأهواء الأمّارة بالسوء، وقد يجعل من الفقاعة بضربة هواء، منطادا لا نظير لتضخمه الذاتي، رحم الله عبد الجبار السحيمي الذي سبق صرخة محمود درويش بسنوات ضوئية، وأنقذنا من حب يزين بالغرور أوهام أنفسنا، أوَليس ما يجر استعمال الكلمة إلى الشطط، هو ذات الشعور الكاذب بالتحليق فوق الجميع، لكن هيهات فبِقدْر ما طار الفلُّوس سقط!

عبد الجبار السحيمي بدربته التي اختبرت الرؤوس وما يختلج في النفوس، أدرك مبكرا أن الحياة برمتها لا تستقيم بدون قسم للتصحيح، مَنْ ينكر أننا جميعا  أحوج إلى أن نقف في سعينا الجامح، وقفة تصحيحية لبعض أخطائنا حتى لا أقول خطايانا، لذلك  فهمت متأخراً  أن السنة التي قضيتها في قسم التصحيح حين التحاقي بمهنة الصحافة، قد نفعتني كثيرا ليس فقط في المسالك الملغومة للتحرير، بل في كل شؤون الحياة، تلك التي يستدعي عبورها بديهة أسرع تُميِّز بين الدرب الأسلم والخطير، كانت هذه السنة التي توهمتها أول عقاب في مساري المهني، كفيلة بأن تنمي في داخلي حاسة تتجاوز الخامسة، ولست أبالغ إذا قلت إنها ليست حاسة فقط، بل آلة تسْتشعِر الخطأ قبل أن تضع الذبابة نقطتها السوداء على الورقة !

قلَّدني الأديب عبد الجبار السحيمي مسؤولية ملحق "العلم الثقافي" التي ما زلتُ أنوء بشرفها على رقبتي عام 2004 ، أيْ منذ اثنتين وعشرين سنة  قدْ تنقص أو تزيد بساعات أو أيام أو شهور، ومنذئذٍ وأنا واضِعٌ لساني في فمي ليس خرساً، إنما لأني أفضِّل بدل الالتحاق بفيالق المُرْتجِلة المُتكلِّمة، أن أتحدث كاتبا للافتتاحية كل أسبوع، وإذا لم تُسعفني الكلمة أكْسِر رتابةَ النثر بالشِّعر وأنشر قصيدة من ديوان أجعله بتطلُّعي للمستقبل قادما، أما الرواية فما زلتُ أنتظر أن تندمل الملامح المُمزَّقة لبعض الوجوه كي أكتبها أوضح، كنت أفرح مغتبطا كلما كتب أحدهم عن الملحق أو سجَّل أطروحة بصدده وما أكثرها لو نفضْنا الغبار عن رفوف جامعاتنا المغربية، فهو رغم بعض النماذج التقليدية التي سبقته، مازال الأول الرائد  في بلدنا بطرازه الحداثي المستقل، سواء من حيث شكله (التابلويد) أو مضمونه الفكري الذي لم يفرض على كاتب أو مثقف أي لون سياسي، إيمانا بجدوى الثقافة في التعبير عن إرادة الشعوب، فكان "العلم الثقافي" في ذروة الغليان الإيديولوجي والمد اليساري طيلة السبعينيات، كوة الأمل المفتوحة حتى لكتابات أدباء يُراسلونه من أقصى يسار زنازينهم بالمعتقل !

ولا أبالغ إذا قلت، إن هذا المنبر الثقافي، ما زال صامدا يواكب بروح المغامرة الموجة المعلوماتية بكل تلاطماتها العاصفية، وأعترف بيني وبين نفسي التي تحاول أن تُصالحني فأخاصمها عُنوةً كي لا أصاب بالغرور، أن ملحق "العلم الثقافي" بفضل أقلامه الوازنة  والموزونة حقَّق ذيوعاً امتد واصلا بإشعاعه الأدبي إلى كل الأصقاع والربوع مغربا و مشرقا، ولَكَمْ أغتبط وأنا أنظر كيف تتَّسع يوما عن يوم رقعته الجغرافية رغم الإكراهات، بنفس حجم اتِّساع حُضنه لكل الأجيال ما دامت تتوفر في ما يكتبونه شروط الجودة والأدبية، وكأنه يقول بلسان حالي: أنا في حدودي الضيقة لا حدود لي..!

رحم الله الرائدين الأديبين الكبيرين عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي، هما من أرهفا بدل السمع القلب، فلبَّيَا كما مع الوطن، نداءً أصدرهُ الإعلام المغربي، كان بأمسِّ الحاجة إلى منبر ثقافي أكثر رحابةً واستيعابا للدينامية الأدبية من مُجرد صفحة " أصوات"، تلكم بعض الأيادي البيضاء لغلاب والسحيمي التي تظلل عاليا الملحق، تأبى رغم إكراهات بعض الأيادي السوداء، إلا أن تسطع بنورها في الأفق، ومع ذلك نقول لمن أخطأ في حقِّ هذا المنبر العريق ومؤسِّسَيْه، ولم يستمر في غيِّه المؤذي، إن عُذرَ العاشق في قلبه المجروح، هو الذي جعله يَهْذي بعواهن الكلام، فاللَّهُمَّ اكْفِ القلبَ المنكسر لكل حبيبٍ، مَغبَّةَ السقوط على صخرة !

ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 2 أبريل 2026


              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار