Quantcast
2026 أغسطس 5 - تم تعديله في [التاريخ]

من حرّك جموع سبتة؟.. تقرير استخباراتي يكشف أسابيع من التعبئة الرقمية وشبكات عابرة للحدود تمتد من المغرب إلى الجزائر وتونس

مجموعات واتساب بأرقام جزائرية، فضاءات رقمية تضم مغاربة وجزائريين وتونسيين، خمس مجموعات على فيسبوك بنحو 250 ألف عضو، خرائط ومسارات وتعليمات ومعدات للعبور… معطيات تعيد طرح السؤال: هل كانت الهجرة الجماعية انفجارًا عفويًا أم نتيجة تعبئة رقمية منظمة سبقت لحظة الاقتحام؟


شاشة الهاتف بوابة إلى الحدود

من حرّك جموع سبتة؟.. تقرير استخباراتي يكشف أسابيع من التعبئة الرقمية وشبكات عابرة للحدود تمتد من المغرب إلى الجزائر وتونس

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

كلما ظهرت تفاصيل جديدة بشأن التدفق البشري غير المسبوق نحو مدينة سبتة، تتراجع شيئًا فشيئًا الصورة البسيطة التي حاولت اختزال ما وقع في آلاف الشباب والأطفال والقاصرين الذين قرروا فجأة، وفي وقت متقارب، مغادرة بيوتهم والتوجه نحو الحدود، لتظهر أمامنا صورة أكثر تعقيدًا تستوجب التحقيق والتدقيق؛ لأننا لم نعد فقط أمام شباب دفعتهم أوضاع اجتماعية واقتصادية ونفسية مختلفة إلى البحث عن الهجرة، وإنما أمام عالم رقمي سبق العالم الحقيقي، ومجموعات وصفحات ومنشورات وتعليمات ومسارات ومعلومات كانت تتحرك على الهواتف قبل أن تتحرك الجموع على الأرض، بما يجعل السؤال حول من حرّك جموع سبتة؟ سؤالًا مشروعًا لا ينبغي أن يضيع بين المزايدات السياسية ومحاولات تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك قبل اكتمال التحقيقات.

حقائق صادمة تؤكد حجم المؤامرة التي أجهضها الشباب المغربي
 
لندقق فيما كشفت عنه الخدمة الإخبارية التابعة لقناة «تيليسينكو»، إحدى أبرز القنوات التلفزيونية الخاصة في إسبانيا التابعة لمجموعة «ميدياست إسبانيا». والتي تقدم نشرات وبرامج إخبارية تغطي القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية الإسبانية والدولية.  اهتمت القناة بأحداث التدفق الجماعي نحو مدينة سبتة، مؤكدة أنها اطلعت على تقرير استخباراتي يتضمن معطيات وتفاصيل بشأن التعبئة الرقمية التي سبقت الأحداث وكيفية تنظيمها وانتشارها عبر شبكات التواصل وتطبيقات المراسلة. 

معطيات  تفرض إعادة قراءة ما حدث من البداية؛ إذ تتحدث عن عملية تعبئة امتدت لأسابيع عبر مجموعات على تطبيق واتساب، وعن فضاءات رقمية لم تكن مغربية خالصة، وإنما ضمت أعضاء من المغرب والجزائر وتونس، إلى جانب خمس مجموعات على فيسبوك بلغ مجموع أعضائها، وفق المعطيات المنشورة، نحو 250 ألف عضو، جرى داخلها تداول خرائط ومسارات ومعلومات مرتبطة بالعبور، بل وعروض لبيع بدلات الغوص والعوامات وتبادل معلومات حول أماكن الإيواء.

وهنا نغادر تدريجيًا سؤال: لماذا هاجر هؤلاء الشباب؟، وهو سؤال اجتماعي وسياسي مشروع لا يجوز تجاهله، إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تم جمع هذا العدد الكبير وتوجيهه نحو المكان نفسه وفي الزمن نفسه تقريبًا؟ ومن صنع البيئة الرقمية التي جعلت آلاف الأشخاص يعتقدون أن الطريق نحو سبتة أصبحت فجأة مفتوحة أمامهم؟

أسابيع من التحضير… ما وقع لم يبدأ صباح الوصول إلى الحدود

أبرز ما يستوقف في المعطيات الجديدة هو أن التعبئة، بحسب التقرير الذي تحدثت عنه القناة الإسبانية، لم تبدأ في اليوم الذي شاهد فيه العالم آلاف الأشخاص يتحركون نحو سبتة، وإنما سبقت ذلك بأسابيع، وهذه المسافة الزمنية مهمة جدًا؛ لأنها تعني أن هناك مرحلة رقمية كاملة سبقت المرحلة الميدانية، جرى خلالها تداول المعلومات وتوسيع دوائر المشاركين والإجابة عن أسئلتهم وتوجيههم نحو الطرق والمسارات المحتملة، وهو ما يجعل من الضروري البحث في الأرشيف الرقمي لتلك المجموعات لمعرفة لحظة ولادتها، وهوية مؤسسيها، وطبيعة الحسابات الأكثر نشاطًا داخلها، ومن أطلق الدعوات الأولى، وكيف انتقلت الرسائل من مجموعات محدودة إلى فضاءات تضم عشرات ومئات الآلاف.

إن الفقر والهشاشة والبطالة وفقدان الأمل وغيرها من الأسباب الاجتماعية قد تفسر قابلية بعض الشباب للهجرة، لكنها لا تفسر وحدها كيف يتحول آلاف الأشخاص في فترة متقاربة إلى الاتجاه نفسه؛ فهناك فارق كبير بين وجود الرغبة في الهجرة وبين صناعة لحظة جماعية للهجرة، وبين شاب يفكر منفردًا في العبور وبين شبكة رقمية تخبره أين يذهب ومتى يتحرك وكيف يصل وما الذي يحتاج إليه.

مجموعتان على واتساب بأرقام جزائرية… مؤشر مهم لا يجوز تجاهله

أما المعطى الأكثر حساسية فهو ما كشف عنه التقرير، وفق العرض التلفزيوني، بشأن مجموعتين على واتساب تحملان رمز اتصال جزائريًا، وضمتا مشاركين من الجزائر وتونس والمغرب، وكان يجري داخلهما التنسيق والإجابة عن الاستفسارات وتقديم المعلومات المرتبطة بالتحرك نحو سبتة.
إن ظهور أرقام جزائرية داخل هذه الشبكة يمثل بلا شك معطى يستحق التحقيق، خصوصًا في ظل البعد العابر للحدود الذي تكشفه العضوية المتعددة الجنسيات، لكنه لا يمنح أحدًا الحق في القفز مباشرة إلى اتهام الدولة الجزائرية أو أجهزتها بالوقوف وراء العملية..
 فالرقم الجزائري دليل على أن رقم الهاتف مرتبط بمفتاح الاتصال الجزائري، لكنه لا يخبرنا وحده من كان يمسك الهاتف، ولا أين كان يوجد صاحبه لحظة إدارة المجموعة، ولا من كان يموله أو يوجهه، إن كان هناك أصلًا من يوجهه.
لكن في المقابل، يتعين معرفة من أنشأ المجموعتين، ومن كان يديرهما، وما الحسابات التي كانت أكثر تأثيرًا، وهل كان هناك تنسيق بينهما وبين مجموعات أخرى؟

250  ألف عضو على فيسبوك… عندما يتحول الفضاء الافتراضي إلى قوة تعبئة حقيقية

الرقم الذي ينبغي ألا يمر مرور الكرام هو الحديث عن خمس مجموعات على فيسبوك بلغ مجموع أعضائها حوالي ربع مليون شخص، وهو حجم لم نعد معه أمام دردشات جانبية بين عشرات الشباب، وإنما أمام فضاء رقمي قادر، نظريًا على الأقل، على إيصال الرسالة إلى جمهور هائل.

والأخطر أن النشاط، وفق المعطيات المنقولة، لم يكن مجرد شعارات من قبيل «لنهاجر إلى سبتة»، وإنما شمل تداول خرائط ومسارات ومعلومات تساعد على الوصول والعبور، إضافة إلى عروض مرتبطة ببدلات الغوص والعوامات ومعلومات حول الإيواء، وهو ما يكشف كيف يمكن أن تنشأ حول الهجرة غير النظامية منظومة رقمية كاملة تختلط داخلها الأحلام بالمعلومات والشائعات، ويتقاطع فيها الباحث عن الهجرة مع المروج والسمسار وصاحب المعدات والحساب الباحث عن المشاهدات، وربما مع جهات أخرى لا تزال هويتها ودوافعها تحتاجان إلى تحقيق.
ربع مليون عضو ليس رقمًا صغيرًا، ومن هنا ينبغي ألا يقتصر التحقيق على من عبر الحدود، بل يجب أن يمتد إلى من صنع المحتوى الذي دفعه إليها.

من الشائعة إلى الجموع… تتحول المعلومة القانونية إلى وعد بالجنة الأوروبية

وتزداد الصورة خطورة عندما نربط هذه التعبئة بما راج بشأن تفسير أحد الأحكام القضائية الإسبانية، والذي تحول في شبكات التواصل من قضية قانونية معقدة مرتبطة بإجراءات التعامل مع من يصل إلى سبتة أو مليلية إلى رسالة مبسطة وصلت إلى الشباب كما لو أن إسبانيا قد فتحت أبوابها، وأن مجرد الوصول إلى الجانب الآخر يعني استحالة الإعادة.

وهنا يظهر الوجه الأكثر خطورة للحروب الرقمية الحديثة؛ فليس ضروريًا أن تقول للإنسان: «اذهب إلى الحدود». يكفي أحيانًا أن تقنعه بأن الحدود أصبحت مفتوحة، وأن آلافًا غيره يستعدون للعبور، وأن الفرصة قد لا تتكرر، ثم تقدم له الخريطة والمسار والمعدات والمعلومات، ليقوم الباقي بنفسه.

وبذلك تتحول الإشاعة من كلمات على شاشة صغيرة إلى آلاف الأقدام على الطريق، ومن منشور مجهول المصدر إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية تتجاوز حدود دولة واحدة.

ليس كل من تحرك جزءًا من مخطط… الضحية لا ينبغي أن تتحول إلى متهم

وفي خضم البحث عن الجهات التي حركت التعبئة الرقمية، سيكون من الخطأ الفادح أن نضع عشرات الآلاف من الشباب والأطفال والقاصرين في خانة المتآمرين؛ فالكثير منهم قد يكون ضحية قبل أن يكون فاعلًا، صدق ما قرأه، أو انساق خلف أصدقائه، أو تصور أن بابًا نحو حياة أفضل قد فُتح فجأة، أو وجد في الجموع فرصة لتحقيق حلم قديم بالوصول إلى أوروبا.

وهنا تبقى مسؤولية السياسات العمومية قائمة أيضًا، لأن الشبكات لا تستطيع استقطاب شباب لا يجد خطابها طريقًا إلى مخاوفهم وأحلامهم. ولذلك فإن كشف الجهات التي روجت للهجرة لا يعفينا من مواجهة البطالة والهشاشة والانقطاع المدرسي والإدمان الرقمي وفقدان الثقة والأفق لدى جزء من الشباب.
فالتحقيق في من استغل الأزمة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهروب من السؤال الأصعب: لماذا وجد ذلك الخطاب كل هذه القابلية للانتشار؟

المغرب والجزائر وتونس… شبكة عابرة للحدود أم مجرد فضاء مغاربي للهجرة؟

وجود مغاربة وجزائريين وتونسيين داخل المجموعات يضيف بُعدًا مغاربيًا جديدًا للملف، ويؤكد أن الهجرة غير النظامية لم تعد مسألة وطنية مغلقة داخل حدود كل دولة، بل أصبحت سوقًا رقمية عابرة للحدود تنتقل فيها الأخبار والصور والإشاعات والتعليمات بسرعة هائلة.
لكن هذا المعطى ينبغي أن يقود إلى تحقيق مغاربي وأوروبي واسع بدل أن يتحول تلقائيًا إلى مادة للاتهامات المتبادلة.

الأكيد أن هناك أفرادًا من عدة دول شاركوا في إدارة تلك الشبكات، يجب تحديد هوياتهم ودوافعهم وصلاتهم ومصادر تمويلهم. وأن الحدث لاشك له علاقة بدول وأنظمة حاقدة ومعادية  للمغرب. والتي جيشت شبكات للاتجار بالبشر. ومعها جهات منظمة تستفيد ماليًا أو سياسيًا من تحريك المهاجرين، يجب كشفها ومحاسبتها.

السؤال الذي لم يُجب عنه بعد: من ضغط على زر البداية؟

قد نعرف اليوم أسماء المنصات وعدد المجموعات وجنسيات بعض المشاركين وطبيعة المعلومات المتداولة، لكن الحلقة الأهم لا تزال مفقودة: من أطلق الدعوة الأولى التي صنعت الزخم؟
من أنشأ مجموعات واتساب؟ ومن كان يديرها؟ ومتى؟ ومن أسس مجموعات فيسبوك الخمس؟ وهل ظهرت كلها بصورة مستقلة أم كانت بينها حسابات مشتركة؟ وهل كانت المنشورات التي حققت أكبر انتشار عفوية أم جرى تعزيزها بطريقة منظمة؟ وهل استُعمل الإعلان الممول؟ وهل كانت هناك حسابات وهمية؟ ومن نشر الخرائط؟ ومن حول الحكم القضائي الإسباني إلى رسالة تقول للشباب إن الطريق أصبحت مفتوحة؟ 
فالأكيد أن المشرف والممول جهة قادرة على التعبئة ماليا. والمفروض أن يستمر التحقيق إلى حين إفراز هوية تلك الجهة وفضحها. أما الحديث عن شبكات وأشخاص سعوا من أجل تحقيق الأرباح من بيع المعدات أو النقل أو الإيواء.. فهذا لن يستقيم مع قيمة الحدث.
 
من يملك البيانات يملك جزءًا كبيرًا من الحقيقة

إن كشف الحقيقة لن يتحقق فقط باستجواب الشباب الذين عبروا أو حاولوا العبور، وإنما يحتاج إلى تعاون قضائي وتقني مع شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل، في إطار القانون وحماية الحقوق، للحفاظ على الأدلة الرقمية المرتبطة بالحسابات والمجموعات محل التحقيق.
فالحدث الذي بدأ رقميًا يجب أن يُحقق فيه رقميًا أيضًا. وإذا كانت هناك فعلًا شبكة منظمة أو ناظم معادي للمملكة، فإن آثارها ستوجد في تاريخ إنشاء الحسابات، وروابط الإدارة بينها، وتسلسل المنشورات، وأنماط النشر والترويج، وتحويلات الأموال المرتبطة بأنشطة غير مشروعة إن وُجدت، وغيرها من القرائن التي تستطيع التحقيقات المختصة جمعها.

لا تجعلوا الضحايا يدفنون الحقيقة… افتحوا تحقيقًا في من صنع الطريق الرقمي نحو سبتة

إن مأساة سبتة أكبر من أن تختزل في صور آلاف الشباب وهم يركضون نحو الحدود، وأعمق من أن تتحول إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية بين المغرب وإسبانيا أو المغرب والجزائر، لأنها في جوهرها قصة بشر جرى دفع جزء منهم، عن وعي أو عن جهل، إلى الاعتقاد بأن أبواب أوروبا فتحت فجأة، قبل أن يصطدموا بواقع مختلف تمامًا. 

المعطيات الجديدة بشأن أسابيع من التعبئة، ومجموعات واتساب بأرقام جزائرية تضم مشاركين من المغرب والجزائر وتونس، وخمس مجموعات على فيسبوك يناهز مجموع أعضائها ربع مليون شخص، وتداول الخرائط والمسارات ومعدات العبور ومعلومات الإيواء، تجعل التحقيق في المسار الرقمي الذي سبق المسار البشري ضرورة لا ترفًا.
نريد الأسماء، ونريد التسلسل الزمني، ونريد معرفة من أنشأ ومن أدار ومن نشر ومن روّج ومن استفاد.

ومن يريد معرفة حقيقة ما جرى عليه ألا يكتفي بالسؤال عن آلاف الشباب الذين وصلوا إلى الحدود، بل عليه أن يعود أسابيع إلى الوراء ويسأل: 

من جمعهم رقميًا قبل أن تجمعهم الحدود؟
من أقنعهم بأن الطريق مفتوحة؟
من أعطاهم الخرائط والمسارات؟
ومن كان المستفيد من تحويل حلم الهجرة لدى آلاف الشباب إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والأمنية والسياسية التي عرفتها المنطقة؟
هناك، خلف شاشات الهواتف والحسابات والمجموعات التي صنعت التعبئة، قد توجد أهم مفاتيح الحقيقة.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار