العلم الإلكترونية - هشام الدرايدي
تحولت عاصمة النخيل مراكش من هذا اليوم إلى منصة دولية تناقش التحولات السريعة التي بات يشهدها قطاع الطيران الدولي المدني، حيث اختار المغرب أن يبعث برسالة واضحة من قلب أشغال الندوة العالمية لدعم التنفيذ جيسس 2026، مضمونها: لا تنمية عادلة دون إدماج الجميع، ولا طيران مستدام دون تعاون دولي فعّال.
بهذه العبارة القوية افتتح عبد الصمد قيوح وزير النقل واللوجيستيك كلمته خلال المائدة الوزارية المستديرة، واضعا شعار “عدم ترك أي دولة خلف الركب” في صلب النقاش العالمي، كالتزام عملي ينتقل من التصور النظري إلى التنفيذ على أرض الواقع.
وأكد الوزير أن احتضان المغرب لهذه التظاهرة الدولية الكبرى، المنظمة بشراكة مع منظمة الطيران المدني الدولي، يرسخ موقع المملكة كفاعل صاعد في منظومة الطيران العالمية، ميرزا أن القطاع انتقل من مجرد وسيلة للنقل، إلى رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجسرا لتعزيز التقارب بين الشعوب.
وفي هذا السياق، شدد قيوح على أن التحدي تجاوز مرحلة تطوير البنيات التحتية وتوسيع الشبكات الجوية، وأصبح مرتبطا بقدرة الدول على تنفيذ المعايير الدولية بفعالية، خاصة في ظل عالم متشابك تزداد فيه التحديات التقنية والأمنية والبيئية تعقيدا.
واعتبر الوزير أن الانتقال من الالتزام إلى التنفيذ هو الرهان الحقيقي الذي يواجه الدول الأعضاء في منظمة الطيران المدني الدولي، مؤكدا أن نجاح المنظومة العالمية للطيران رهين بمدى قدرة كل دولة، دون استثناء، على الامتثال لمعايير السلامة والأمن والاستدامة.
وفي هذا الإطار، دعا قيوح إلى تعزيز التعاون الدولي، وتكثيف برامج نقل الخبرات وبناء القدرات، بما يسمح للدول الأقل تجهيزا بمواكبة التحولات المتسارعة، كما جدد الثقة في دور منظمة “الإيكاو” كفاعل مركزي في مواكبة هذا المسار.
المغرب نموذج إقليمي في الحكامة
أبرزت الوزير أن المغرب لم يكتف بالدعوة إلى التعاون، وإنما جسد ذلك عمليا من خلال تطوير منظومة طيران مدني متكاملة، بلغت نسبة امتثالها للمعايير الدولية 87% ضمن برنامج التقييم الشامل للسلامة (USOAP)، وهو مؤشر يكشف بالأرقام مدى نجاعة الحكامة ويعزز مكانة المملكة كمرجع إقليمي مهم بين باقي الدول، مما يؤكد فعالية الرؤية الاستراتيجية المتعثرة لجلالة الملك التي تستند إلى الاستثمار في البنيات التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، واعتماد أحدث التكنولوجيات في إدارة المجال الجوي والمطارات.
وضمن هذا التوجه، كشف الوزير عن طموح المغرب لمضاعفة الطاقة الاستيعابية لمطاراته من 40 إلى 80 مليون مسافر سنويا بحلول 2030، في إطار استراتيجية “مطارات 2030” كمحطة مفصلية في تاريخ المملكة التي تتزامن مع تنظيمها لأكبر حدث كروس في العالم، حيث لا يرتبط الأمر فقط بالأرقام، بقدر ما يتعلق بتحول نوعي نحو “مطارات ذكية” تعتمد الرقمنة لتبسيط الإجراءات وتحسين تجربة المسافر، إذ أن هذا الورش شمل إصلاح مساطر المراقبة وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات أمنية وجمركية، بما يضمن انسيابية أكبر وكفاءة تشغيلية عالية وفق المعايير الدولية.
وموازاة مع ذلك، أكد الوزير أن شركة الخطوط الملكية المغربية تمضي قدما في تنفيذ خطة توسعية طموحة، تروم رفع أسطولها إلى حوالي 200 طائرة في أفق 2037، مع توسيع شبكة الربط الجوي داخليا ودوليًا. وهو ما يعكس إرادة واضحة لترسيخ موقع المغرب كمحور جوي بين إفريقيا وأوروبا وباقي العالم.
ولم يغفل قيوح الإشارة إلى الدينامية المتسارعة لصناعة الطيران بالمغرب، التي أصبحت تضم نحو 150 شركة وتوفر أكثر من 25 ألف منصب شغل مباشر، برقم معاملات يقارب 26 مليار درهم سنويًا. هذه المؤشرات تؤكد اندماج المملكة في سلاسل القيمة العالمية، وتعزز جاذبيتها كوجهة صناعية واعدة.
كما أشار إلى توقيع اتفاقيات استراتيجية حديثة لإنشاء وحدات صناعية متخصصة، من بينها ورشة لصيانة محركات الطائرات، ووحدة لإنتاج معدات الهبوط، ما يعزز السيادة الصناعية في هذا المجال الحيوي.
كما شدد الوزير، في ظل التحديات البيئية، على أن مستقبل الطيران لن يقاس فقط بحجم النمو، بل بمدى احترامه للبيئة، حيث أكد في هذا الإطار على انخراط المغرب في الجهود الدولية لتحقيق الحياد الكربوني، عبر تطوير الطاقات المتجددة والاستثمار في الهيدروجين الأخضر.
وأشار المسؤول الحكومي إلى مشاريع واعدة لإنتاج وقود طيران مستدام، ينسجم مع الأهداف العالمية لخفض الانبعاثات بحلول 2050، ويجعل من المغرب فاعلا في التحول البيئي العالمي للطيران.
وفي ختام كلمته، أعلن الوزير عن إطلاق برنامج تكويني طموح لفائدة مفتشي هيئات الطيران المدني، يروم تعزيز قدراتهم التقنية والتشغيلية، ليترجم بشكل ملموس شعار “عدم ترك أي دولة خلف الركب”، من خلال دعم الكفاءات وتبادل الخبرات على الصعيد الدولي.
رئيسية 








الرئيسية 





