Quantcast
2026 سبتمبر 12 - تم تعديله في [التاريخ]

نزار بركة.. سياسة التوازن بين إرث الحركة الوطنية وعقلانية الدولة

بين إرث علال الفاسي وصلابة رجل الدولة، شق نزار بركة طريقه بعيدًا عن الصخب، جامعًا بين ذاكرة الحركة الوطنية وعقلانية الخبير الاقتصادي. في هذا البروفايل السياسي العميق، يفكك الكاتب "عبد العزيز كوكاس" مسار زعيم اختار التوازن أسلوبًا للقيادة، ويطرح السؤال الأصعب: هل يستطيع رجل الاستمرارية أن يتحول إلى قائد للتغيير؟


الكاتب عبد العزيز كوكاس
الكاتب عبد العزيز كوكاس
*بقلم: عبد العزيز كوكاس*

في السياسة، يصنع البعض حضورهم بالصخب، ويتركون للخطابة والاستعراض مهمة رسم صورتهم أمام الجمهور، بينما يختار آخرون طريقًا أكثر هدوءًا وأشد تعقيدًا: طريق التراكم داخل المؤسسات، وبناء الثقة، وتحويل المعرفة إلى قرار. وينتمي نزار بركة إلى الصنف الثاني؛ فهو سياسي لا تمنح سيرته الصحافي أو الباحث تلك المشاهد الصاخبة التي تُبنى منها عادة صور الزعماء، فلا خطابة استعراضية، ولا انقلابات حادة في المواقف، ولا رغبة ظاهرة في تحويل كل حضور إلى واقعة إعلامية.

إنه ينتمي إلى صنف آخر من الفاعلين؛ صنف تشكلت مكانته داخل المؤسسات، وفي المساحة الفاصلة بين المعرفة التقنية والقرار السياسي، وبين الانتماء إلى حزب تاريخي والعمل داخل أجهزة الدولة.

لهذا، لا يُختزل مساره في انتقال اقتصادي متخصص إلى السياسة، ولا في صعود حفيد علال الفاسي إلى قيادة حزب الاستقلال. فما يميز تجربته هو هذا التداخل بين ثلاث شرعيات يصعب جمعها في شخصية واحدة: شرعية الذاكرة الوطنية، وشرعية الخبرة التقنية، وشرعية التدبير الحزبي. ومن تفاعل هذه الشرعيات تكوّن أسلوبه في ممارسة السلطة: هادئًا، وتدريجيًا، وحذرًا، وقليل الميل إلى المغامرة، وأكثر ثقة في التراكم المؤسساتي من لحظات القطيعة.

* النسب السياسي: مورد رمزي وعبء في آن

وُلد نزار بركة في الرباط سنة 1964، داخل عائلة تنتمي إلى القلب التاريخي للحركة الوطنية المغربية. وهو حفيد علال الفاسي، أحد أبرز وجوه الوطنية المغربية والحركة التحررية العربية والإسلامية، ومؤسس حزب الاستقلال، وصاحب مشروع فكري وسياسي تجاوز النضال من أجل الاستقلال إلى التفكير في الدولة والمجتمع والهوية والإصلاح.

غير أن استحضار هذا النسب لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير جاهز لمسار الرجل؛ فالانتماء إلى عائلة سياسية عريقة يمنح صاحبه رأسمالًا رمزيًا وشبكة من العلاقات والذاكرة، لكنه يضعه أيضًا تحت ضغط المقارنة المستمرة. وكان على نزار بركة أن يكون امتدادًا لإرث علال الفاسي، من دون أن يبدو نسخة متأخرة منه، وأن يستفيد من شرعية العائلة، من دون أن يُختزل فيها.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اختياره طريق الاقتصاد والجامعة والإدارة. فلم يدخل المجال العام من باب البلاغة الوطنية أو الزعامة الجماهيرية، بقدر ما دخله من باب المعرفة المتخصصة. حصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة إيكس مارسيليا سنة 1992، بعد تكوينه الأول في جامعة محمد الخامس، ثم اشتغل في التدريس الجامعي قبل التحاقه بوزارة المالية سنة 1996. وكان ذلك، في جانب منه، تأسيسًا لشرعية شخصية موازية لشرعية النسب: شرعية الكفاءة.

ولم يكن بركة طارئًا على حزب الاستقلال؛ فقد بدأ نشاطه في صفوف الحزب منذ شبابه، وانتُخب عضوًا في مجلسه الوطني سنة 1989، ثم في لجنته المركزية سنة 1998، قبل أن يصبح عضوًا في اللجنة التنفيذية سنة 2003. ويؤكد هذا المسار الطويل أن انتماءه الحزبي كان مبكرًا، وأن بناء صورته العمومية تم أساسًا داخل الحزب، ثم الإدارة والدولة.

* من معرفة الاقتصاد إلى معرفة الدولة

بالإضافة إلى التنشئة الاستقلالية، كانت وزارة المالية المدرسة الأساسية التي تشكّل داخلها نزار بركة. ففي هذه المؤسسة، فهم الدولة من خلال مواردها وحدودها واختلالاتها وطرائق توزيعها، وهناك تعلم أن السياسات العمومية مفاضلة دائمة بين مطالب اجتماعية متزايدة وإمكانات مالية محدودة.

تركت هذه الخبرة أثرًا واضحًا في لغته السياسية؛ فهو يتحدث عادة بمنطق المؤشرات والبرامج والآجال والأرقام الدقيقة التي لا تكذب، كما يُقال. وحتى عندما يتناول موضوعات اجتماعية، مثل الفقر والتفاوت والبطالة والعدالة المجالية، فإنه يقاربها من زاوية السياسات القابلة للقياس، التي لا تمثل عنده زينة تقنية، وإنما طريقة في رؤية المجتمع.

وبحكم بقائه في قلب حزب تاريخي كبير، لم يكتف بالنظر إلى الواقع من خلال المؤشرات لتشخيص الاختلالات، بل ظل يلتقط دائمًا كثافة التجربة الاجتماعية الكامنة خلفها، وما تعكسه من أوضاع تمس الكرامة، وتعيد ترتيب العلاقات بين المواطن والدولة والمجال.

وقد نجح نزار بركة في منح الخطاب السياسي بُعد عقلانية التدبير ودفء الحساسية السياسية المرتبطة بقضايا المجتمع، بحكم المسؤولية السياسية والتربية الحزبية.

دخل الحكومة سنة 2007 وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالشؤون الاقتصادية والعامة، ثم عُيّن، في يناير 2012، وزيرًا للاقتصاد والمالية في حكومة عبد الإله بنكيران. وجاء ذلك في سياق بالغ الحساسية، اتسم بتداعيات الأزمة المالية العالمية، وحراك 20 فبراير، ودستور 2011، وارتفاع الانتظارات الاجتماعية، وصعود حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة.

وجد بركة نفسه في وضع مركب: وزيرًا استقلاليًا داخل حكومة يقودها حزب منافس، واقتصاديًا مطالبًا بحماية التوازنات المالية في ظرف اجتماعي لا يحتمل بسهولة إجراءات التقشف. وكان عليه أن يوفق بين المحافظة على ثقة المؤسسات الاقتصادية والمالية، وبين كلفة الإصلاحات على الفئات الاجتماعية، ولا سيما في ملفات المقاصة والدعم والمالية العمومية.

حصل، خلال هذه المرحلة، على تقدير مهني دولي كبير، كان من أبرز مظاهره اختياره من طرف مجلة «The Banker» وزيرًا للمالية لسنة 2012 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولأنه يعي أن الجوائز لا تكفي لتقييم تجربة وزير المالية، وأن نجاحه لا يُقاس بالتوازنات الماكرو اقتصادية وحدها، فقد دفعه حسه السياسي وانتماؤه الحزبي إلى البحث دائمًا عن الطريقة التي توزَّع بها كلفة حماية هذه التوازنات اجتماعيًا.

وعندما قرر حزب الاستقلال الانسحاب من حكومة بنكيران سنة 2013، قدم بركة استقالته منسجمًا مع قرار حزبه. وتكشف هذه الواقعة جانبًا مهمًا في شخصيته؛ فهو رجل دولة، لكنه لم يتصرف باعتباره عضوًا مستقلًا عن التنظيم الذي ينتمي إليه.

لقد غادر موقعًا وزاريًا مهمًا حين أصبح البقاء فيه متعارضًا مع القرار الحزبي، رغم أنه لم يكن موافقًا عليه، قبل أن يُعيَّن، في غشت من السنة نفسها، رئيسًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

* المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: مختبر الرؤية الاجتماعية

أتاح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لنزار بركة فرصة الخروج النسبي من إكراهات التدبير الحكومي المباشر؛ فالوزارة مطالبة باتخاذ القرار والدفاع عنه، أما المؤسسة الاستشارية فوظيفتها إنتاج التشخيص، والاستماع إلى الفاعلين، وتقديم البدائل.

وفي هذه المرحلة، اتسع قاموسه من الاقتصاد المالي إلى الاقتصاد الاجتماعي: العدالة المجالية، والفوارق، وحماية الفئات الهشة، والتنمية المستدامة، والاندماج الاجتماعي.

ولم يكن ذلك تحولًا من «الأرقام إلى الإنسان»؛ فالرقم لم يغب عن مقاربته، وإنما وُضع داخل تصور أوسع للسياسات العمومية.

وأظهرت هذه التجربة إحدى قدراته الأساسية: إدارة التعدد. فالمجلس فضاء يضم نقابات ومقاولات وجمعيات وخبراء وفاعلين مهنيين، ولا يمكن إنتاج رأي داخله إلا عبر الإنصات والتفاوض وصياغة أرضيات مشتركة. وهنا تبلورت شخصية «رجل التوافق» والصدق السياسي، التي ستصبح لاحقًا عنوانًا لقيادته حزب الاستقلال.

إن التوافق عند بركة قناعة وتربية سياسية؛ فهو وسيلة لخفض مستوى التوتر، وفتح إمكان التسوية، والحفاظ على استمرارية المؤسسات، وطريقة فعالة لحسم الخلافات بدل الاكتفاء بتأجيلها.

* قيادة حزب الاستقلال: ترميم المؤسسة قبل تجديدها

عندما انتُخب نزار بركة أمينًا عامًا لحزب الاستقلال، في 7 أكتوبر 2017، ورث حزبًا وتنظيمًا خرجا من مرحلة داخلية صاخبة. وكانت صورة الحزب قد تضررت بفعل الصراعات والتصريحات المثيرة والانقسامات، وأصبح المطلوب، أولًا، استعادة قدر من الاستقرار والاعتبار.

فاز بركة بـ924 صوتًا، مقابل نحو 230 صوتًا لمنافسه. وكان انتخابه انتقالًا سياسيًا إلى قيادة تفضل العمل الميداني والتفاوض والعمل المؤسساتي، من دون التخلي عن جوهر المطالب الحزبية.

نجح بركة، إلى حد بعيد، في إعادة الانضباط إلى صورة الحزب، وتخفيف حدة صراعاته العلنية، وإعادته إلى موقع الشريك الوازن في المعادلة السياسية. وانتقل الحزب، في عهده، من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة التي تشكلت سنة 2021، وتولى بركة فيها وزارة التجهيز والماء، ثم أُعيد انتخابه لولاية ثانية خلال المؤتمر الثامن عشر للحزب سنة 2024.

لقد نجح في تحقيق استقرار الحزب عبر بناء توافقات بين مراكز القوة داخله، ثم سار تدريجيًا نحو إعادة صياغة بنيته بصورة جذرية، وهي مهمة ما تزال تعترضها معوقات ومقاومات موضوعية.

لذلك، فإن ما أنجزه بركة بدأ بإدارة التوازنات التي اعتبرها مدخلًا لإحداث ثورة تنظيمية. فقد أعاد نزار بركة إلى حزب الاستقلال قدرًا من وحدته، وساهم في تجديد نخبه، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإنتاج وساطة حقيقية مع المجتمع، واستقطاب أجيال لا تستمد علاقتها بالسياسة من ذاكرة الحركة الوطنية.

ويمكن اعتبار هذا الأمر نقلة نوعية في مسار حزب الاستقلال، من خلال انفتاحه على طاقات جديدة ونوعية في المركز، كما في الهوامش.

* بين حس السياسة ولغم الإدارة

جمع نزار بركة بين عضوية طويلة في أجهزة حزب الاستقلال ومسار مهني داخل الدولة. فهو لا يمثل انفصال التقنية عن السياسة، بل يمثل منطقة التداخل بينهما.

ويتمثل مركز قوته في أنه يفهم لغة الإدارة، ويعرف آليات القرار، ويستطيع تحويل التصورات العامة إلى برامج ومؤشرات. ورغم أن معرفته الدقيقة بمنطق الدولة تجعله أكثر تفهمًا لإكراهاتها، فإنه يمتلك قدرة على مساءلتها جذريًا، باعتباره زعيمًا لحزب له وجوده السياسي الوازن وامتداده الاجتماعي.

ويتضح هذا التوتر أكثر منذ جمعه بين منصب الأمين العام لحزب مشارك في الأغلبية ومنصب وزير التجهيز والماء. فمن موقعه الحزبي، يُنتظر منه الدفاع عن الهوية السياسية لحزب الاستقلال وانتقاد الاختلالات الحكومية، ومن موقعه الوزاري، يصبح جزءًا من التضامن الحكومي ومسؤولًا عن الحصيلة المشتركة.

لذلك، جمع في خطابه بين لغة الوزير الذي يشرح البرامج والإكراهات، ولغة الأمين العام الذي ينبه إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع الفوارق وبطء بعض الإصلاحات.

لقد امتلك لغة نادرة، فيها الكثير من الصدق السياسي والأخلاقي أيضًا، جعلته يقف في منطقة وسطى بين رجل الدولة والزعيم السياسي. كما حافظ على توهج البنية التاريخية لحزب الاستقلال، وربطها بإرث كبار زعماء الحزب، من توازن امحمد بوستة إلى براغماتية عباس الفاسي، في مرحلة دقيقة تغيرت فيها المعطيات داخل الحزب وداخل الدولة ذاتها.

* امتحان الماء: من تدبير البنية إلى تدبير الندرة

وضعت وزارة التجهيز والماء نزار بركة أمام واحد من أعقد الملفات الاستراتيجية في المغرب. فندرة الموارد المائية لم تعد مسألة قطاعية، بل أصبحت، بعد توالي ست سنوات عجاف، قضية أمن اقتصادي واجتماعي وترابي.

وهي تمس علاقة المدن بالقرى، والفلاحة بالماء الصالح للشرب، والاستثمار بالاستدامة، والحق في الماء بسلطة الدولة على الموارد.

وفي هذا القطاع، ظهر ميله إلى التخطيط بعيد المدى، من خلال تسريع بناء السدود، والربط بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتقليص ضياع المياه، والحد من استنزاف الفرشات الجوفية، ضمن مخطط ملكي منح أهمية استراتيجية لمواجهة ندرة الماء في المغرب.

وبحكم خبرته بأزمة الماء، تجاوز نزار بركة حدود المقاربة التقنية، ولفت الانتباه إلى أن بناء المنشآت وزيادة العرض لا يحسمان، وحدهما، سؤال توزيع الموارد: من يستهلك الماء؟ وفي أي قطاعات؟ ومن يتحمل كلفة الندرة؟ وكيف يمكن التوفيق بين الزراعات الموجهة إلى التصدير وحاجات السكان؟ وهل يجري التعامل مع الماء بوصفه حقًا عموميًا أم موردًا اقتصاديًا نادرًا؟

ويمكن اعتبار أن القيمة السياسية التي أضافها نزار بركة إلى هذا الملف، إلى جانب عدد السدود ومحطات التحلية والطريق السيار للماء، تتمثل في القدرة على بناء تعاقد اجتماعي جديد حول الماء. ومن هنا، يصبح الحكم على تجربته مرتبطًا بمدى نجاحه في هندسة العدالة المائية.

* الهدوء بوصفه أسلوبًا في ممارسة السلطة

لا يملك نزار بركة كاريزما خطابية صاخبة، وربما لا يسعى إليها. فقوته الأساسية هي الثقة والصدق اللذان يولدهما سلوكه المتزن، ومعرفته بالملفات، وقدرته على الإنصات، ونزاهته التي لا يطعن فيها أحد.

وهو يدخل الصراع السياسي باعتباره عملية تفاوض طويلة. وهذا الهدوء يميزه عن نماذج سياسية تقوم على الإثارة. وقد ظل يعرف، بحكم تربيته وانخراطه في حزب سياسي كبير، أن السياسة تحتاج إلى تسمية المسؤوليات بوضوح، وإلى خوض مواجهات فكرية واجتماعية، لا إلى الاكتفاء بتدبير الاختلاف، وأن الحذر قد يتحول إلى عنصر قوة في حماية المؤسسات.

نزار بركة ليس زعيمًا شعبويًا، ولا رجل قطيعة، بل هو رجل التراكم المنظم؛ يقيس نجاحه بما يستطيع إضافته، ويمتلك رؤية استراتيجية عميقة مدت حزب الاستقلال بنَفَس جديد وبُعد عقلاني، على مستوى الخطاب والتدبير والرؤية السياسية.

كما أنه لم يخن يومًا قناعاته أو مبادئ حزبه، وتظل نزاهته عملة نادرة بين زعماء الأحزاب، بما فيها الأحزاب الوطنية.

* رجل الاستمرارية وسؤال التحول

تكشف تجربة نزار بركة عن تحول أعمق في طبيعة النخبة السياسية المغربية؛ فالمشروعية التاريخية للحركة الوطنية لم تعد كافية وحدها، والكفاءة التقنية لا تصنع زعامة حزبية بالضرورة، والانتماء إلى الدولة لا يعفي السياسي من بناء شرعية مجتمعية.

وقد حاول بركة الجمع بين هذه العوالم الثلاثة، من دون أن يقطع نهائيًا مع أي منها.

لقد نجح في بناء صورة رجل موثوق وصافي الذمة، وهو أمر نادر في السياسة بالمغرب، كما نجح في إخراج طائرة حزب الاستقلال من دائرة المطبات الجوية، والحفاظ على حضور متوازن داخل الدولة والحكومة والحزب.

ولا يحتاج نزار بركة إلى أن يُقدَّم بوصفه استثناءً أخلاقيًا في زمن العتمة، ولا بوصفه تجسيدًا للنقاء في مواجهة فساد السياسة؛ إذ تكمن أهميته الحقيقية في كونه يعبر عن إمكانية الجمع بين الحزب والدولة، وبين المعرفة والقرار، وبين الذاكرة والتحديث، وبين الوفاء لسلالته والاستجابة لانشغالات زمنه.

لقد نجح نزار بركة، حيث فشل كثير من الزعماء السياسيين، في أن ينتقل داخل حزب الاستقلال من موقع رجل التوازن إلى موقع رجل التحول. فقد حافظ، في مرحلة أولى، على خيط التواصل بين أجيال الحزب وحساسياته، وعلى قدر من الاستقرار داخل تنظيم عُرف تاريخيًا بتعدد مراكزه وثقل رموزه.

لكنه لم يكتفِ بإدارة هذا التوازن، إذ شرع في إعادة ترتيب بنية التنظيم، عبر توسيع حضور الكفاءات الشابة والنساء، وإعطاء الأجهزة الجهوية والإقليمية دورًا أكبر، وربط العمل الحزبي بقضايا التأطير والتكوين والانتخاب، لا بمجرد الولاءات التقليدية.

كما اتجه إلى تحديث الخطاب السياسي للحزب؛ فخفف من لغته التاريخية المغلقة، وأعاده إلى أسئلة المعيش اليومي: العدالة المجالية، والماء، والتشغيل، والمدرسة، والحماية الاجتماعية، والتحول الاقتصادي.

وبذلك، لم يعد حزب الاستقلال يقدم نفسه بوصفه حارسًا لذاكرة وطنية مجيدة فقط، بل باعتباره قوة اقتراحية تسعى إلى ترجمة تلك الذاكرة إلى حلول عملية لمغرب متغير.

غير أن الانتقال من رجل التوازن إلى رجل التحول لا يُحسم بالنوايا ولا بالرصيد الرمزي وحده، بل بمدى القدرة على تحويل الاستقرار التنظيمي إلى قوة سياسية، والخبرة التقنية إلى أثر ملموس، والذاكرة الوطنية إلى مشروع يجيب عن انتظارات المغاربة.

وهنا يكمن الرهان الحقيقي في تجربة نزار بركة: أن يجعل من هدوئه قوة لا ترددًا، ومن توافقه وسيلة للتغيير لا غطاءً لتأجيله، ومن إرث الحركة الوطنية طاقة تتجه نحو المستقبل. فالنسب يمنح صاحبه مكانًا في الذاكرة، والكفاءة تفتح له أبواب الدولة، لكن القيادة وحدها هي التي تمنحه مكانًا في التاريخ.

نزار بركة بين التراث والحداثة
نزار بركة بين التراث والحداثة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار