Quantcast
2026 أغسطس 31 - تم تعديله في [التاريخ]

«وطني.. مستقبلي».. من جذور المشروع المجتمعي إلى تعاقد متجدد من أجل المستقبل

أي مغرب نريد أن نبني؟ من الأسرة والقدرة الشرائية ودولة الرعاية إلى محاربة الفساد وتمكين الشباب وتعزيز السيادة، يقرأ الكاتب رفيق بلقرشي برنامج حزب الاستقلال «وطني.. مستقبلي» بوصفه تعاقداً متجدداً يجعل كرامة المواطن أساساً لقوة الوطن، ويضع التنفيذ وبناء الثقة في قلب الرهان على المستقبل.


الكاتب رفيق بلقرشي
الكاتب رفيق بلقرشي

*بقلم: رفيق بلقرشي*

ليست الانتخابات، في جوهرها، مجرد سباق نحو صناديق الاقتراع، ولا البرامج الانتخابية مجرد قوائم من الوعود والتدابير؛ إنها لحظة لإعادة طرح السؤال الكبير: أي مغرب نريد أن نبني؟ وأي مستقبل نريد أن نصنع؟ وكيف نجدد التعاقد بين الدولة والمجتمع على أساس الكرامة والإنصاف والمسؤولية والثقة؟

من هذا الأفق يقدم حزب الاستقلال برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، باعتباره برنامجاً ينهل من المشروع المجتمعي لحزب الاستقلال، ويترجم اختياراته ومبادئه الكبرى إلى التزامات وسياسات عمومية قابلة للتنفيذ. إنه ليس مشروعاً منفصلاً عن المرجعية الفكرية والسياسية للحزب، بقدر ما يمثل تنزيلاً مرحلياً لاختياراته المجتمعية في مواجهة أسئلة المغرب الراهنة ورهانات المستقبل.

ويطرح البرنامج، في العمق، سؤالاً يتجاوز تدبير المرحلة: كيف نجدد التعاقد مع المجتمع؟ وكيف نجعل التنمية في خدمة الإنسان، والدولة أكثر قدرة على حماية المواطن، والمواطن أكثر ثقة في مؤسسات وطنه وأكثر استعداداً للمشاركة في بنائه؟

وتحت شعار «وطني.. مستقبلي»، يعيد الحزب وصل قضايا المواطن اليومية بالرهانات الكبرى للوطن؛ فالكرامة الاجتماعية، واستقرار الأسرة، وجودة المدرسة والمستشفى العموميين، وحماية القدرة الشرائية، ومحاربة الفساد والريع، وتمكين الشباب، وتعزيز السيادة، ليست قضايا منفصلة، بل حلقات في رؤية متكاملة تستمد من المشروع المجتمعي للحزب تصورها للإنسان والمجتمع والدولة.

فالمغرب القوي، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ فقط من مؤشرات النمو والاستثمار، وإنما من حياة المواطن اليومية: طفل ينشأ في أسرة مستقرة، ويتلقى تعليماً جيداً، ويجد العلاج في مرفق عمومي يحفظ كرامته، وتعيش أسرته من دخل يضمن لها شروط الحياة الكريمة، في مجتمع تحكمه دولة القانون والاستحقاق، وتواجه الفساد والريع، وتفتح أمام الشباب أبواب المستقبل.

ومن هذه الفلسفة ينتظم البرنامج حول خمسة محاور كبرى، يضاف إليها ميثاق الشباب باعتباره الركن السادس، بما يجعل منه تصوراً متدرجاً يبدأ من الأسرة والمجتمع، ويمر عبر الدولة والاقتصاد، وينتهي إلى تعزيز قدرة المغرب على حماية مصالحه وصناعة مستقبله.

* الأسرة… حجر الأساس في مشروع مجتمع متماسك

يضع المحور الأول الأسرة والقيم في قلب الأولويات، باعتبار الأسرة النواة الأولى للاستقرار والتضامن والارتقاء الاجتماعي.

ويقترح البرنامج دعم الشباب المقبلين على الزواج، وإقرار عطلة مرنة لرعاية الطفولة، وإدماج الاستشارة النفسية ضمن التغطية الصحية، إلى جانب تأطير مهنة «المساعد الأسري» وتنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية.

واللافت أن حماية الأسرة لا تُطرح باعتبارها خطاباً قيمياً مجرداً، بل باعتبارها سياسة عمومية متكاملة تستجيب للتحولات الاجتماعية والديمغرافية والرقمية التي يعرفها المجتمع المغربي.

ويبرز في هذا السياق اقتراح حماية الناشئة من المخاطر الرقمية، بما يعكس وعياً بأن حماية الطفل لم تعد مسؤولية الأسرة والمدرسة وحدهما، وإنما أصبحت تشمل أيضاً فضاءً رقمياً مفتوحاً تتشكل داخله أجزاء مهمة من شخصية الأجيال الجديدة.

* الاستحقاق في مواجهة الريع… معركة استعادة الثقة

في المحور الثاني، ينتقل البرنامج إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في علاقة المواطن بالدولة: الفساد والريع وتضارب المصالح.

وهنا يحاول حزب الاستقلال الانتقال من الإدانة الأخلاقية للفساد إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية أكثر فعالية، من خلال إخراج قانون لتضارب المصالح، وتعزيز فعالية التصريح بالممتلكات، ومراجعة منطق الرخص والامتيازات، وإقرار قواعد أكثر شفافية في تدبيرها.

كما يقترح فرض ضريبة قد تصل إلى 40 في المائة على الأنشطة المستفيدة من وضعيات احتكارية أو من ريع اقتصادي استثنائي، وتحويل الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات واضحة وشفافة.

ويحمل مقترح «سكوت الإدارة بمثابة موافقة» دلالة مهمة، لأنه يستهدف إحدى أكثر نقاط الاحتكاك بين المواطن والمقاولة والإدارة: طول المساطر وعدم وضوح آجالها.

وبذلك تصبح محاربة الفساد والريع أكثر من معركة ضد اختلالات مالية أو إدارية؛ إنها معركة من أجل استعادة الثقة، وربط المسؤولية بالاستحقاق، وإرساء دولة القانون والمؤسسات.

* الكرامة قبل الأرقام… اقتصاد في خدمة الإنسان والطبقة الوسطى

إذا كانت الأسرة نقطة الانطلاق، فإن القدرة الشرائية تمثل الاختبار اليومي لأي سياسة اقتصادية واجتماعية.

ولهذا يركز المحور الثالث على إرساء آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح في السلع والخدمات الأساسية، والرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإقرار «عقد اجتماعي للخروج من الفقر»، إلى جانب خطة وطنية لتقوية الطبقة الوسطى وتيسير تمويل السكن الأول.

والأهم أن الطبقة الوسطى لا تظهر في البرنامج باعتبارها مجرد فئة اقتصادية، وإنما باعتبارها رافعة للاستقرار الاجتماعي والتوازن الوطني.

فالرهان لا يقتصر على محاربة الفقر، وإنما يتجه إلى منع التدهور الاجتماعي وتوسيع دائرة الأسر القادرة على العيش الكريم، والاستثمار في تعليم أبنائها، وتحسين شروط حياتها، والمساهمة في الدورة الاقتصادية.

* دولة الرعاية… حين تصبح الخدمة العمومية حقاً لا امتيازاً

في المحور الرابع، يعلن البرنامج تمسكه بدور الدولة في توفير الخدمات الأساسية، واضعاً المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والفرصة المتكافئة في قلب دولة الرعاية.

ويأتي مقترح إحداث وكالة وطنية للمستعجلات، وتطوير نظام الطبيب المرجعي، والتعميم الفعلي والمجاني للتعليم الأولي، في إطار محاولة لإعادة بناء المرفق العمومي على أساس الجودة والنجاعة والإنصاف.

أما برنامج «آفاق»، الذي يستهدف ألا يبقى أي شاب أو شابة خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر، وبرنامج «100 ألف موهبة رقمية»، فيعكسان رهاناً واضحاً على الشباب باعتباره ليس فقط مستفيداً من السياسات العمومية، بل قوة إنتاجية جديدة ومصدراً لصناعة الثروة.

وفي زمن تتغير فيه طبيعة العمل بسرعة، يمكن للمهارات الرقمية أن تفتح أمام الشباب المغربي أسواقاً عالمية للعمل عن بعد وتصدير الخدمات من داخل المغرب.

* السيادة الاستراتيجية… حين يمتلك المغرب مفاتيح مستقبله

يصل البرنامج في محوره الخامس إلى بعده الأكثر استراتيجية: السيادة.

ففي عالم شديد الاضطراب، لم تعد السيادة تقاس بالحدود والمؤسسات وحدها، وإنما بقدرة الدولة على تأمين الماء والغذاء والطاقة والدواء والبيانات وسلاسل التوريد، وبناء صناعة وطنية تخلق القيمة والثروة وفرص الشغل.

ومن هنا تأتي مقترحات التخزين الاستراتيجي للمحروقات والحبوب والأدوية، واعتماد قاعدة «الماء أولاً» في السياسة الفلاحية، ورفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية، وإدراج معيار «القيمة المنتجة بالمغرب» في الصفقات العمومية، وصولاً إلى مقترح إنشاء أسطول تجاري وطني لنقل جزء من الواردات الاستراتيجية.

إنها رؤية تنطلق من أن السيادة الاقتصادية والصناعية والغذائية والطاقية أصبحت جزءاً من الأمن الوطني، وأن استقلال القرار السياسي يحتاج، في عالم اليوم، إلى امتلاك جزء من أدوات القوة الاقتصادية والمعرفية والإنتاجية.

* ميثاق الشباب… من الانتظار إلى صناعة المستقبل

يكتسب ميثاق الشباب، باعتباره الركن السادس للبرنامج، دلالة سياسية خاصة، لأنه لا يتعامل مع الشباب فقط باعتباره موضوعاً للسياسات العمومية، وإنما باعتباره طرفاً في صياغة التصور نفسه.

ووفق البرنامج، فقد ساهم الشباب المغربي من مختلف الجهات والأقاليم في صياغة هذا الميثاق، بما يعكس رغبة في الانتقال من الحديث عن الشباب إلى إشراكه في صناعة القرار وصناعة المستقبل.

وهذا التحول مهم، لأن الجيل الجديد لا يريد فقط فرصاً في التعليم والشغل والسكن، بل يريد أيضاً أن يشعر بأنه شريك كامل في بناء وطنه، وأن صوته قادر على التأثير في السياسات التي ترسم مستقبله.

* من البرنامج إلى التعاقد: رهان التنفيذ وبناء الثقة

تكمن قوة هذا التصور في أنه يحاول بناء سلسلة مترابطة: أسرة مستقرة، مجتمع أكثر تماسكاً، دولة أكثر عدلاً، اقتصاد يحمي القدرة الشرائية، مرفق عمومي يستعيد دوره، وشروط سيادية تضمن استقلال القرار الوطني.

غير أن الرهان الأهم يظل هو تحويل هذه الاختيارات إلى التزامات واضحة ومؤطرة زمنياً، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات للمواكبة والمساءلة. فالتعاقد مع المجتمع يكتسب معناه الحقيقي عندما تتحول الأولويات المعلنة إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

وهنا تبرز أهمية الفترة 2026-2031 باعتبارها أفقاً زمنياً لتحويل الرؤية إلى عقود تنفيذية واضحة، تربط الالتزام بالنتيجة، والمسؤولية بالمحاسبة، والبرنامج بثقة المواطن.

* مشروع للمستقبل يستمد قوته من الإنسان والوطن

في المحصلة، يقدم حزب الاستقلال من خلال «وطني.. مستقبلي» برنامجاً انتخابياً ينهل من مشروعه المجتمعي، ويترجم مبادئه واختياراته الكبرى إلى أولويات وتدابير للفترة المقبلة. وهو بذلك يحاول الجمع بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية، ودولة الرعاية والسيادة الاستراتيجية، وحقوق المواطن ومسؤوليته، في إطار تعاقد متجدد مع المجتمع.

فالرسالة الأعمق للبرنامج تبدو واضحة: لا يمكن بناء مغرب المستقبل من دون بناء إنسان المستقبل؛ ولا يمكن أن تكون قوة الوطن مستدامة من دون كرامة المواطن، وثقة المجتمع، وقدرة الدولة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

«وطني.. مستقبلي»… من جذور مشروع مجتمعي ممتد، إلى تعاقد متجدد يجعل من كرامة المواطن أساساً لقوة الوطن، ومن قوة الوطن ضمانةً لمستقبل أجياله.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار