العلم - محمد بشكار
امْتقع وجهُ التلميذ وهو ينظُر للنتيجة على الورقة، وصار في شُحوبه يُشبه لونها الأصفر وهو يقرأ: يُكرِّرْ.
امْتقع وجهُ التلميذ وهو ينظُر للنتيجة على الورقة، وصار في شُحوبه يُشبه لونها الأصفر وهو يقرأ: يُكرِّرْ.
لم يُصدِّق أن نتيجة حبِّه العظيم ستكون سقوطاً، وقد تتحوَّل إذا تكررتْ هذه الــ: يُكرِّر أكثر من سنةٍ، إلى طردٍ من جنة مدرسته الحِلوة إلى آخر النشيد...
انتقل بعينيه يتلصَّص على نتائج أقرانه التلاميذ والتلميذات عسى يجد في إحداها علامة (يُكرِّر) تُعزِّيه وتجعل همَّه مع الآخرين سواء، فالمصيبة إذا عمَّتْ هانتْ، ولكنه لم يكن يقرأ إلا: ينتقلْ !
شَعر كما لو كان ضحية مؤامرة اشترك في نصْب مكيدتها كل من حوله، ألَمْ يكونوا يلعبون كما يلعب، ويتخلَّفون في بعض الأيام عن الحضور إلى المدرسة إما مرضاً أو كسلاً كما يتخلَّف، ألَمْ يكونوا يَمُدُّون لمسطرة المعلم الحديدية أياديهم الصغيرة تُبرِّحُها ضرباً مثلما كان يمدُّها ومعها أحيانا أرجلهم تحميلا؟
فلماذا هم: ينتقلون وهو: يُكرِّر؟
كره التلميذ نفسه وكل من حوله، كره المدير والمعلمين والحارس العام والمُقْتصد وبَّا ميلود البوَّاب، شعر أن أقرانه قد ضحكوا عليه هو الذي كان يظن نفسه أذكى، كان يجاريهم في لعبهم ولو حلَّقوا في السماء بطويَّة سليمة، لم يكن يُضمر خُبث المجتهدين الذين يجمعون بين اللهو وكَرْدِ أو حفظ الدروس سراً، شعَر أنَّ الجميع اقترف في حقِّه خيانة عظمى، ولم يحافظوا على العهد الذي لا يفديه بدمه إلا كسولٌ شريفٌ مثله، وأدرك أن الجميع بكلمة (ينتقل) قد كبروا وهو بـ (يُكرِّر) قد صغُر أو على الأقل بقي مُعمِّرا في نفس السنة، لحُسن الحظ أن هيئته الطفولية ستُساعده على التَّمويه، تماماً كما يصنع الحبَّار حين يُحْدِق به الخطر في أعماق البحر، ولن يبدو مُسِنّاً وسط التلاميذ الجُدد، أولئك الذين انتقلوا إلى قسمه ناجحين، بينما هو بقي برأسه الصغير الأشبه بالمنجرة، راسباً كالطين في قعر البحيرة !
بأيِّ عينٍ سينظُر لوالديه اللذين يكدحان من أجله صغيرا، مُقابل أنْ يكدح لأجلهما حين يشيخان، يشيِّعانه وهو ماضٍ كل صباح إلى المدرسة كما لمثواه الأخير، يحمل على ظهره شكّارة الأدوات، بنفسٍ مطمئنة مؤمنة باجتهاده الذي لا يريان منه إلا القشور، يقلِّبُ أمامهما دفاتره مُدَّعيا أنه يراجع الدروس، بينما في الحقيقة لا يراجع في سريرته إلا كلمات سيقولها لمعشوقته ابنة الجيران حين تأتيه الشجاعة، فكَّر في تزوير ورقة النتائج بأن يمحو (يُكرِّر) و يكتب فوقها (ينتقل)، كاد يمُدُّ يده لممحاةٍ تساعده في استبدال سيِّئته بنقطة حسنة، ولكنه استبق الجريمة بالتفكير في عواقبها الوخيمة، فخبرُ سقوطه الذريع سيصبح بوقاً يجلجل بالتشفِّي من أبناء الجيران، وسيصل حتما لمسامع والديه، ثم إنه سيحتاج لمُقرَّرات مدرسية تناسب القسم الذي سيدَّعي زوراً أنه انتقل إليه، ما عليه إلا أن يُهيِّءَ ظهره لعصا لن تترك موضعا في جسمه إلا زرَّقته، و لأيام طويلة من سُموم التوبيخ التي ستقطُر في أذنيه وتزيد قلبه وجسمه سقَماً، وقع كل ما توقَّع وأكل العصا حتى شبعتْ العصا وتألَّمتْ فانكسرتْ على ظهره، ولكن والديه ما شبِعا من الانهيال ولا روى ظمأ غليلهما، دموعي المتناثرة كالنافورة التي وسط مدينتنا، ولا أشفقا لأنيني وأنا أصيح بكل ما أوتيتُ من حناجر: عتْقوا الروح!
تعقَّدَ التلميذ وانطوى على قوقعة نفسه كحلزون صام دهراً، ومازال والداه يضُخَّان في ضميره الذي مات من فرط أنانيته، عبارات التوبيخ والمقارنات التي تجعله مُحتقَرا بين أقرانه الناجحين، يضُخَّان في نفسه بعض الكبرياء، ولكنهما كمن ينفخ في قِربة مثقوبة، لتذهب كل أنفاسهما في شحْذ همَّته سُدى، كان لا يُعِير لكل عبارات التوبيخ و التقريع أذُناً، موثراً عذاب الحب في قبر قلبه الصغير، هناك حيث يدفنُ نفسه بجوار ابنة الجيران، وحيث لا توجد خارج هذا القبر من دونها حياة، وقد عرف الجميع مصدر عناد التلميذ المتمسك بهذا الحب الخطير، وذلك ما برز جليّاً حين مرَّ أبوه بالموسى على شَعْر رأسه الصغير جزّاً، من خلال صلعة ناتئة وأشد صلابة من حجارة التيمُّم الصماء، و بينما آلة التعذيب الأبوية تُفقده أعز وأخف ما يحمل رأسه من خصلات، يُلوِّيها ويُلمِّعُها بالجِيل لأجل أعين بنت الجيران، كان في ذات التعذيب يقول لنفسهِ ممعنا في العِناد:
لأجْلِها لا أُكرِّرُ فقط سنةٍ دراسية، بل أكرّر كل سنوات عمري!
رئيسية 








الرئيسية 




