*العلم الإلكترونية*
تحولت المقبرة الإسلامية في سبتة، يوم الجمعة 21 غشت الجاري، إلى المحطة الأخيرة لثمانية عشر إنسانًا انتهت رحلتهم نحو الضفة الأخرى داخل قبور لا تحمل أسماءهم، وإنما أرقامًا قد تقود يومًا ما أسرًا مكلومة إلى أبنائها الغائبين، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».
ودفنت السلطات المحلية في المدينة المحتلة جثامين 18 ضحية من ضحايا العبور الجماعي الذي شهدته الحدود نهاية يوليوز الماضي، بعدما تعذر التعرف إلى هوياتهم، في وقت لا تزال فيه أسر مغربية عديدة تبحث عن أبنائها وسط تضارب الأرقام وبطء إجراءات المطابقة الجينية.
وجرت مراسم الدفن داخل المقبرة الإسلامية، حيث أُنزلت الجثامين المغلفة في أكياس بيضاء إلى القبور، بحضور رجل دين تلا الأدعية، بينما وُضع على كل قبر رقم بدل الاسم، حتى يتسنى تحديد موضع الجثمان مستقبلًا إذا نجحت عملية التعرف إلى هويته أو تقدمت أسرته للمطالبة به.
ولا تمثل الأرقام الموضوعة فوق القبور مجرد إجراء إداري لحفظ مواقع الجثامين، بل تختصر مأساة إنسانية ثقيلة؛ إذ يرقد تحت كل رقم شخص له اسم وأسرة وذاكرة، غير أن هويته لا تزال معلقة في انتظار فحص بصمة أو عينة حمض نووي تعيده إلى أهله.
وتنتمي الجثامين المدفونة إلى ضحايا موجة العبور الجماعي نحو سبتة، التي أودت، بحسب المعطيات التي أوردتها السلطات الإسبانية، بحياة 82 شخصًا في الجانب الخاضع لإدارتها، في واحدة من أكثر وقائع الهجرة دموية على حدود المدينة.
ولم تتمكن إجراءات تحديد الهوية، حتى الآن، سوى من التعرف إلى عدد محدود من الضحايا. وأفادت وكالة «رويترز» بأن ستة فقط جرى التعرف إليهم، وجميعهم مغاربة بالغون، بالاعتماد على البصمات وتحاليل الحمض النووي ومقارنتها بعينات مأخوذة من أقاربهم.
وتواجه عملية التعرف إلى بقية الجثامين صعوبات متعددة، من بينها تعذر وصول بعض الأسر المغربية إلى سبتة لتقديم عينات الحمض النووي، إلى جانب الإجراءات الإدارية والقضائية التي تستغرق وقتًا طويلًا، فيما تستمر عائلات في نشر صور أبنائها المفقودين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أملًا في الحصول على معلومة تنهي أسابيع الانتظار القاسي.
وفي مواجهة بدء عمليات الدفن، طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتعليقها إلى حين استنفاد جميع الإمكانات المتاحة لتحديد هويات الضحايا، والعمل على إعادة جثامينهم إلى المغرب وتسليمها إلى عائلاتهم.
ودعت الجمعية وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج إلى التدخل لضمان تمكين الأسر من جثامين أبنائها ودفنهم بكرامة، معتبرة أن دفن الضحايا من دون التعرف إليهم يشكل مأساة إنسانية جديدة تضاف إلى كارثة العبور وملف المفقودين.
ولا تعترض المطالب الحقوقية على ضرورة الدفن في حد ذاتها، خصوصًا في ظل الاعتبارات الصحية والقضائية المرتبطة بحفظ الجثامين، وإنما تركز على ضمان ألا يؤدي الإسراع في مواراتها التراب إلى إغلاق ملف التعرف إلى أصحابها أو حرمان الأسر من حقها في معرفة مصير أبنائها واستعادة جثامينهم.
وفي المقابل، قالت سلطات سبتة إنها أعدت الإجراءات اللازمة لإعادة بعض الجثامين إلى المغرب، غير أن العملية لم تستكمل، بينما لم يصدر توضيح رسمي مغربي مفصل يبدد الغموض المحيط بمسار التنسيق الثنائي في هذا الملف.
ومن المرتقب أن تتواصل عمليات دفن بقية الجثامين على دفعات داخل المقبرة نفسها، مع الاحتفاظ بسجلات دقيقة وأرقام للقبور، بما يسمح بفتحها لاحقًا ونقل الرفات إذا جرى التعرف إلى أصحابها وطالبت أسرهم باستعادتها.
غير أن قابلية تحديد القبور مستقبلًا لا تلغي الألم الذي يرافق دفن أشخاص مجهولي الهوية، ولا تعفي السلطات المعنية على جانبي الحدود من مواصلة البحث وتبادل البصمات والمعطيات الجينية، وفتح مسارات واضحة أمام الأسر للإبلاغ عن المفقودين وتقديم العينات اللازمة.
وبينما تغلق القبور تباعًا في سبتة، يبقى ملف الضحايا مفتوحًا داخل بيوت مغربية كثيرة؛ أمهات ينتظرن مكالمة، وآباء يتنقلون بين الإدارات، وأشقاء يبحثون في الصور والتسجيلات عن ملامح يعرفونها.
ثمانية عشر قبرًا حُفرت، وثمانية عشر رقمًا وُضعت فوق التراب، لكن خلف كل رقم اسم لم يُعرف بعد، وأسرة تستحق جوابًا، وإنسان لا ينبغي أن تنتهي قصته مجهولًا بعيدًا عن أهله ووطنه.
رئيسية 








الرئيسية 





