الرباط: أنس الشعرة
تشهد العلاقات المغربية الإسبانية دينامية متسارعة في مجال البنيات التحتية الكبرى، مع عودة مشروع النفق البحري الرابط بين ضفتي مضيق جبل طارق إلى واجهة الاهتمام، في خطوة تعكس طموحا مشتركا لإرساء ربط قاري غير مسبوق بين إفريقيا وأوروبا.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية عديدة، فإن الحكومة الإسبانية صادقت في مارس 2026 على تمويل إضافي للدراسات التقنية المرتبطة بهذا المشروع، ما يؤشر على دخول المبادرة مرحلة أكثر تقدماً وجدية.
ويقوم هذا المشروع الطموح على إنشاء نفق بحري يربط شمال المغرب بجنوب إسبانيا، ضمن تصور هندسي متطور يعتمد على نفقين سككيين مستقلين مخصصين لحركة القطارات، إلى جانب ممر خاص بالصيانة والتدخلات الطارئة. ومن المرتقب أن يسمح هذا الإنجاز بتقليص زمن التنقل بين الضفتين إلى حوالي 30 دقيقة فقط، ما من شأنه إحداث تحول نوعي في حركة الأفراد والبضائع وتعزيز الترابط الاقتصادي بين القارتين.
ورغم التعقيدات التقنية المرتبطة بإنجاز نفق في عمق يصل إلى نحو 500 متر تحت سطح البحر، خاصة في منطقة «عتبة كامارينال» التي تفصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، تشير الدراسات المنجزة إلى أن المشروع يظل قابلاً للتنفيذ ضمن الإمكانات الهندسية الحالية، مع ضرورة تعبئة موارد مالية وتقنية كبيرة لمواجهة التحديات الجيولوجية واللوجستية.
ويبرز المغرب كفاعل محوري في هذا المشروع الاستراتيجي، حيث ستشكل مدينة طنجة نقطة الارتكاز الأساسية في الجانب الإفريقي، ما يعزز من موقع المملكة كمنصة لوجستية كبرى تربط أوروبا بعمقها الإفريقي. ويأتي ذلك في سياق التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب، خاصة في تطوير البنيات التحتية وتعزيز قدراته في مجالات النقل والربط الدولي كما يعكس انخراط المغرب في الدراسات المشتركة مع إسبانيا، خاصة تلك المتعلقة بالنشاط الزلزالي والجيوديناميكي لمضيق جبل طارق، التزامه بضمان شروط السلامة والاستدامة لهذا المشروع، وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على التكامل الإقليمي والتعاون الدولي.
ومن المنتظر أن تساهم هذه البنية التحتية حال إنجازها، في فتح آفاق اقتصادية واعدة، من خلال تسهيل تدفقات التجارة والاستثمار، وتعزيز جاذبية المنطقة كمحور للتبادل بين القارتين. كما ستدعم التنمية الاقتصادية في شمال المغرب، وتكرس دوره كمركز حيوي في سلاسل الإمداد العالمية.
ويمثل الاتفاق الأخير بين الرباط ومدريد، الذي ينص على إجراء دراسات علمية دقيقة خلال السنوات الثلاث المقبلة، خطوة حاسمة نحو الانتقال إلى المرحلة العملية، والتي قد تبدأ بحفر نفق استكشافي في أفق سنة 2027، في حال تأكيد الجدوى التقنية والجيولوجية للمشروع.
ولا يقتصر مشروع النفق البحري بين المغرب وإسبانيا على كونه إنجازاً هندسياً مرتقباً، بل يجسد رؤية استراتيجية طموحة تعزز مكانة المغرب كشريك أساسي في المبادرات الكبرى، وكجسر حيوي يربط بين إفريقيا وأوروبا في عالم يتجه نحو مزيد من الترابط والتكامل.
رئيسية 








الرئيسية 





