العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي
حين نتحدث عن الجنة تحت أقدام الأمهات... لا ننسى من كان يحمل سقف البيت فوق كتفيه
حين نتحدث عن الجنة تحت أقدام الأمهات... لا ننسى من كان يحمل سقف البيت فوق كتفيه
في خضم الحديث المتكرر عن الأسرة وأدوارها ووظائفها ومكانتها في بناء المجتمعات، وفي زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية تخضع أحياناً لمعايير مادية سريعة ولحسابات ضيقة تختزل الإنسان في ما يملكه لا في ما يقدمه، يطل اليوم العالمي للأب ليمنحنا فرصة نادرة للتوقف أمام شخصية ظلت لقرون طويلة تؤدي أدواراً محورية في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات دون أن تنال دائماً ما تستحقه من إنصاف أو تقدير أو اعتراف، ليس لأن مكانتها أقل من غيرها، وإنما لأنها اعتادت أن تمنح أكثر مما تطلب، وأن تعطي أكثر مما تأخذ، وأن تتحمل أكثر مما تشتكي.
وحين نتحدث عن الأم التي جعل الله الجنة تحت قدميها، فإننا نتحدث عن حقيقة عظيمة لا جدال فيها، وعن تكريم مستحق لمن حملت وأنجبت وأرضعت وربت وسهرت وضحت، لكن هذا التكريم الرباني للأم لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهل للرجل الذي كان يقف إلى جانبها في رحلة الحياة الطويلة، يواجه قسوة الأيام وتقلبات الظروف وصعوبات العيش، حتى تستطيع هي أن تمنح أبناءها ذلك القدر من الحنان والدفء والاستقرار النفسي.
فالأم كانت تصنع الجنة داخل البيت، لكن الأب كان في كثير من الأحيان يحرس تلك الجنة من الخارج، ويحميها من الانهيار، ويوفر شروط استمرارها، ويخوض معارك الحياة اليومية من أجل أن تبقى قائمة ومفتوحة أمام الأبناء.
ولذلك فإن الحديث عن الأب ليس حديثاً عن شخص عادي داخل الأسرة، بل عن مؤسسة كاملة، وعن مدرسة مفتوحة، وعن تجربة إنسانية عميقة تختزل معاني الصبر والمسؤولية والتضحية والعطاء والوفاء، وعن ركن أساسي من أركان التوازن الاجتماعي الذي لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر أو يتطور أو يبني مستقبله في غيابه أو في ظل إضعاف دوره ومكانته.
الأب... الحارس الصامت الذي يستهلك عمره حتى لا تنكسر أسرته
من أكثر المفارقات غرابة أن الأب غالباً ما يكون أكثر أفراد الأسرة تحملاً للأعباء وأقلهم حديثاً عنها، فهو الشخص الذي يستيقظ وفي ذهنه عشرات الأسئلة المرتبطة بمصاريف البيت ومستقبل الأبناء ومتطلبات الحياة والتحديات القادمة، ثم يخرج لمواجهة عالم لا يرحم، مليء بالمنافسة والضغوط والمفاجآت غير السارة، قبل أن يعود في المساء حاملاً معه ما استطاع جمعه من أسباب الاستقرار لأسرته.
ولا يعرف كثير من الأبناء أن آباءهم كانوا يخوضون معارك يومية صامتة من أجلهم، وأن الابتسامة التي كانوا يرونها على وجوههم كانت تخفي أحياناً قلقاً عميقاً وخوفاً من المستقبل وإرهاقاً جسدياً ونفسياً هائلاً، وأن ذلك الرجل الذي بدا لهم قوياً وصلباً كان يخفي في داخله إنساناً يرهقه التفكير ويثقله الهم ويؤلمه العجز أحياناً، لكنه كان يرفض الاستسلام لأن وراءه أسرة كاملة تنتظر صموده.
إن الأب لا يستهلك وقته فقط من أجل أبنائه، بل يستهلك جزءاً من صحته وأحلامه ورغباته وعمره أيضاً، ولذلك فإن كثيراً من الآباء يصلون إلى مرحلة الشيخوخة وقد أنفقوا أجمل سنوات حياتهم في خدمة أسرهم دون أن يشعروا بذلك، لأن سعادتهم كانت مرتبطة برؤية أبنائهم يكبرون وينجحون ويحققون ما عجزوا هم عن تحقيقه.
الأب والأم... شراكة تصنع الإنسان قبل أن تصنع الأسرة
لقد أخطأ كثيرون عندما حاولوا تقديم الأم والأب وكأنهما طرفان متنافسان داخل الأسرة، لأن الحقيقة أن نجاح أحدهما لا يكتمل إلا بنجاح الآخر، وأن الأسرة السليمة هي تلك التي تتكامل فيها الأدوار وتتحد فيها الجهود وتذوب فيها الحسابات الفردية لصالح المشروع الأكبر الذي اسمه الأبناء.
فالأم التي تستحق كل التقدير والاحترام لم تكن في أغلب الحالات تخوض رحلتها وحدها، بل كان إلى جانبها رجل يشاركها مسؤولية التربية ويؤمن لها شروط الاستقرار ويقتسم معها هموم المستقبل ومخاوفه وآماله، ولذلك فإن أعظم الأسر ليست تلك التي ينتصر فيها طرف على طرف، وإنما تلك التي يتحول فيها الأب والأم إلى فريق واحد يجمع بين الحنان والحزم، وبين العاطفة والعقل، وبين الرعاية والتوجيه.
ومن هنا فإن الأب الحقيقي لا يقف في مواجهة الأم، بل يقف إلى جوارها، ولا ينافسها على حب الأبناء، بل يساهم معها في صناعة ذلك الحب، ولا يبحث عن الأضواء، بل يبحث عن نجاح الأسرة واستقرارها حتى وإن ظل هو بعيداً عن دائرة الاهتمام.
عندما تضعف الأم أو ترحل... يظهر الوجه الآخر لعظمة الأب
إذا كانت الأم تمثل القلب النابض للأسرة، فإن الأب في لحظات المرض أو الغياب أو الرحيل يتحول إلى القلب والعقل واليد معاً، ويجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات مضاعفة وتحديات لم يكن يتوقعها، لكنه رغم ذلك يحاول أن يواصل الطريق وأن يمنح أبناءه الإحساس بالأمان حتى وهو يفتقده في داخله.
فما أقسى أن يفقد الأب شريكة عمره، ثم يضطر في اليوم التالي إلى أن يبدو قوياً أمام أبنائه، وأن يخفي دموعه خلف كلمات الطمأنينة، وأن يتحمل وحده ما كان يتقاسمه معها طوال سنوات طويلة.
وفي مثل هذه اللحظات لا يصبح الأب مجرد أب، بل يتحول إلى قصة صبر استثنائية، وإلى نموذج نادر للتضحية، وإلى إنسان يدفن جزءاً كبيراً من ألمه الشخصي حتى لا يتحول ذلك الألم إلى عبء إضافي على أبنائه.
ولذلك فإن كثيراً من الآباء الذين فقدوا زوجاتهم عاشوا حياة مضاعفة الصعوبة، لأنهم لم يكونوا يحاربون فقط من أجل تأمين لقمة العيش أو توفير الاستقرار المادي، بل كانوا يحاولون أيضاً ملء فراغ عاطفي وتربوي ونفسي يعرفون جيداً أنه لا يمكن لأي شخص أن يعوضه بالكامل.
الأب العجوز... الامتحان الحقيقي للأبناء وللقيم التي تربوا عليها
يظل الأب قوياً في أعين أبنائه لسنوات طويلة، لكن الزمن الذي لا يرحم أحداً يبدأ شيئاً فشيئاً في ترك بصماته على جسده وصحته وذاكرته وحركته، فيتحول ذلك الرجل الذي كان يحمل الجميع إلى شخص يحتاج بدوره إلى من يحمله معنوياً ونفسياً وإنسانياً.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة لا تختبر الأب هذه المرة، بل تختبر الأبناء أنفسهم، وتختبر صدق مشاعرهم ووفاءهم وأخلاقهم والقيم التي تعلموها داخل الأسرة.
فالأب العجوز لا يحتاج إلى المال بقدر ما يحتاج إلى الاحترام، ولا يحتاج إلى الهدايا بقدر ما يحتاج إلى الاهتمام، ولا يحتاج إلى الكلمات المنمقة بقدر ما يحتاج إلى الشعور بأنه ما زال يحتل مكانته الطبيعية داخل قلوب أبنائه.
ومن أكثر المشاهد إيلاماً أن ترى أباً قضى عمره كله في خدمة أسرته ثم ينتهي به المطاف وحيداً أو مهملاً أو منسياً، وكأن سنوات التضحية والعطاء اختُزلت فجأة في حسابات المصلحة والمنفعة.
إن الأب العجوز ليس عبئاً على أحد، بل هو تاريخ الأسرة وذاكرتها ومرجعيتها الأخلاقية والإنسانية، ومن يكرم أباه في شيخوخته لا يقدم له معروفاً بقدر ما يرد جزءاً ضئيلاً من دين يستحيل سداده بالكامل.
الأب وبناء المجتمعات... لأن الأوطان القوية تبدأ من الآباء الأقوياء
لا يمكن الحديث عن التنمية أو التربية أو المواطنة أو الاستقرار الاجتماعي دون الحديث عن الأسرة، ولا يمكن الحديث عن الأسرة دون الاعتراف بالدور المحوري الذي يؤديه الأب في صناعة الأجيال وتوجيهها وترسيخ قيم المسؤولية والانضباط والعمل والاجتهاد داخلها.
فالأب ليس مجرد فرد داخل منزله، بل هو فاعل اجتماعي يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل ملامح المجتمع ومستقبله، لأن أبناء اليوم الذين يتعلمون منه الصدق والأمانة والانضباط والاحترام سيكونون غداً مواطنين ومسؤولين وصناع قرار وقادة رأي.
ولهذا فإن المجتمعات التي تضعف فيها الأسرة أو يتراجع فيها دور الأب والأم معاً تكون مجتمعات أكثر عرضة للتفكك والاضطراب وفقدان البوصلة الأخلاقية.
قبل أن يتحول الأب إلى صورة معلقة على الجدار
في نهاية المطاف، يبقى الأب واحداً من أعظم النعم التي قد لا يشعر الإنسان بقيمتها الحقيقية إلا عندما تبدأ سنوات العمر في أخذها منه تدريجياً، أو عندما يفقدها نهائياً، فيكتشف أن ذلك الرجل الذي كان يراه عادياً كان في الحقيقة سداً يحميه من كثير من المخاطر، ومصدراً للأمان لم يكن يدرك حجمه، وظهيراً قوياً كان يختصر عليه الكثير من الخوف والقلق والتردد.
إن الأب لا يتقاعد من الأبوة، ولا يتوقف عن التفكير في أبنائه، ولا ينتهي حبه لهم مهما تقدم به العمر، فهو يظل يحمل همومهم وهم أطفال، ويحملها وهم شباب، ويحملها وهم آباء وأمهات بدورهم، ولذلك فإن أعظم وفاء يمكن أن نقدمه لآبائنا هو أن نمنحهم الحب والاهتمام والاحترام وهم بيننا، لا بعد أن يصبحوا مجرد ذكريات جميلة نستحضرها بحسرة وحنين.
فلنقترب من آبائنا أكثر، ولننصت إلى حكاياتهم أكثر، ولنحتمل ضعفهم كما احتملوا ضعفنا، ولنرافق شيخوختهم كما رافقوا طفولتنا، لأن الأب ليس مجرد شخص في حياتنا، بل هو وطن كامل، وعندما يرحل الوطن لا تعوضه الأوطان.
رئيسية 








الرئيسية 




