Quantcast
2026 سبتمبر 13 - تم تعديله في [التاريخ]

الإعلام العمومي ليس منصة للدعاية الحزبية فقط.. من يدخل الحوار عليه أن يقبل المساءلة

السياسي يريد الحديث عن وعود الغد، لكن الكاتب "بوشعيب حمراوي" يعيده إلى حصيلة الأمس… من يدخل استوديو الإعلام العمومي لا يمتلك الكاميرا ولا يختار الأسئلة، فالبرنامج الحواري ليس ملصقًا انتخابيًا، والصحفي ليس منشطًا في مهرجان حزبي، والمواطن من حقه أن يعرف قبل أن يمنح صوته.


الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
للحزب حصته الرسمية ليعرض برنامجه ورسائله… أما البرنامج الحواري فهو فضاء الصحافة لطرح أسئلة الرأي العام عن التاريخ والمسار والحصيلة والصراعات والتعثرات والوعود

يبدو أن بعض الأحزاب السياسية وبعض قياداتها ما تزال تدخل استوديوهات الإعلام العمومي خلال الحملات الانتخابية وهي تحمل تصورًا ملتبسًا لوظيفة التلفزيون والإذاعة، وكأن استدعاء أمين عام أو قيادي إلى برنامج انتخابي يعني منحه منبرًا إضافيًا للدعاية، يختار موضوعه وأسئلته وحدود النقاش فيه، ويتحدث خلاله عن برنامجه ووعوده كما يشاء، ثم يغادر من دون أن يُسأل عن الماضي أو الحاضر، وعن النجاحات والإخفاقات، وعن الأزمات الداخلية أو التناقضات بين الخطاب والممارسة.

وهذا فهم يحتاج إلى التصحيح.

للأحزاب السياسية حق في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية خلال الحملة الانتخابية، وهناك حصص رسمية مضبوطة قانونيًا وتنظيميًا، توزع وفق قواعد محددة، وتمكّن الأحزاب من تقديم رسائلها الانتخابية وبرامجها ومواقفها إلى الناخبين.

لكن الحصة الانتخابية الرسمية شيء، والبرنامج الصحفي الحواري شيء آخر تمامًا.

حين تمنح الدولة والقانون حزبًا سياسيًا دقائق محددة لتقديم خطابه الانتخابي، فذلك حق من حقوقه في التواصل مع المواطنين. أما حين تنتج قناة عمومية برنامجًا حواريًا بمبادرة منها، وتستدعي إليه أمينًا عامًا أو قياديًا حزبيًا، فإننا لا نكون أمام شريط دعائي أو منصة تواصل حزبية، بل أمام عمل صحفي يخضع للاستقلالية التحريرية، ولحق الصحفي في السؤال، وحق المواطن في المعرفة.

وينسجم هذا التمييز مع القواعد المنظمة للفترة الانتخابية، التي تؤطر حق الأحزاب في الولوج إلى وسائل الإعلام السمعية البصرية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان التعددية ونزاهة النقاش العمومي وحياد وسائل الإعلام.

* الصحفي يسأل باسم المواطن

حين يدخل مسؤول حزبي إلى برنامج حواري انتخابي، فهو لا يأتي فقط لكي يخبر المغاربة بما سيقوم به حزبه بعد الانتخابات، بل يأتي أيضًا لكي يجيبهم عما فعله حزبه قبلها.

يحق للصحفي أن يسأله: من أنتم؟ من أين أتيتم؟ ماذا قدمتم؟ وما حصيلتكم؟ لماذا تراجعتم أو تقدمتم؟ ماذا حدث داخل حزبكم؟ لماذا غادره فلان والتحق به آخر؟ كيف أدرتم خلافاتكم الداخلية؟ كيف تمنحون التزكيات؟ وكيف تختارون المرشحين؟ ماذا أنجزتم عندما كنتم في الحكومة أو المعارضة أو الجماعات الترابية؟ ولماذا لم تنفذوا بعض ما سبق أن وعدتم به؟

ويحق له أيضًا أن ينبش في تاريخ الحزب، لا بحثًا عن الإثارة المجانية، بل لأن التاريخ السياسي جزء من البطاقة التعريفية لأي تنظيم يطلب اليوم أصوات المواطنين.

فالحزب السياسي ليس مولودًا في صباح الحملة الانتخابية.

له ذاكرة ومسار وقيادات ومواقف وتحالفات واختيارات وخصومات وانشقاقات ونجاحات وإخفاقات. ومن يطلب من المواطن أن يمنحه صوته للمستقبل، عليه أن يقبل بأن يسأله المواطن، عبر الصحفي، عما فعله في الماضي والحاضر.

فكيف يمكن تقييم برنامج حزب من دون تقييم تجربته؟ وكيف يستطيع المواطن الحكم على مصداقية وعد انتخابي من دون معرفة حصيلة الوعود السابقة؟

وهناك فرق كبير بين الصحفي الذي يدير حوارًا انتخابيًا ومنشط لقاء جماهيري لحزب سياسي.

قد تكون مهمة المنشط تقديم قادة الحزب، والإشادة ببرنامجه، وتنظيم تدخلاتهم، أما الصحفي فوظيفته مختلفة. هو موجود ليسأل ويدقق ويقارن، ويواجه الأرقام بالأرقام، والخطاب بالممارسة، والوعد بالحصيلة.

ولذلك، فإن السؤال الصعب ليس اعتداء على الضيف، والعودة إلى أزمة داخل الحزب ليست مؤامرة عليه، والتذكير بتراجع انتخابي ليس إساءة إليه، والسؤال عن صراع حول القيادة ليس خروجًا عن الموضوع.

بل قد يكون كل ذلك أكثر أهمية للمواطن من إعادة سماع الوعود نفسها التي يستطيع الحزب نشرها عبر موقعه وصفحاته ومنشوراته وتجمعاته وحصصه الرسمية.

وإذا كانت البرامج الحوارية ستكتفي بسؤال كل زعيم سياسي: «ماذا يوجد في برنامجكم الانتخابي؟»، ثم تترك له عشرات الدقائق ليسرد ما أعده مستشاروه، فلماذا نسميها برامج صحفية أصلًا؟

يمكن حينها، بكل بساطة، منح الأحزاب الكاميرا وتركها تسجل خطاباتها.

فالصحافة تبدأ تحديدًا عندما ينتهي الخطاب الجاهز ويبدأ السؤال.

ومن الطبيعي أن يعترض المسؤول الحزبي على معلومة يراها خاطئة، بل من حقه ومن واجبه أن يصححها. فإذا قدم الصحفي معطى عن تاريخ الحزب، وقال المسؤول إن ذلك غير صحيح، وقدم روايته أو وثائقه أو تفسيره، فهذه هي طبيعة الحوار، ويظل للمشاهد حق التقدير.

أما أن يعتبر المسؤول السياسي مجرد طرح ملف داخلي، أو استحضار واقعة تاريخية، أو مناقشة حصيلة انتخابية، نوعًا من الجهل بالسياسة أو الاستهداف، فهنا يصبح الإشكال في فهم طبيعة الحوار نفسه.

فالمسؤول السياسي ليس هو من يضع للصحفي قائمة الأسئلة المسموح بها، كما أن الصحفي ليس خصمًا انتخابيًا حتى يُطلب منه الالتزام برواية الحزب عن نفسه.

وعندما تستضيف القناة زعيم حزب، فهي لا تمنحه ملكية مؤقتة للاستوديو.

* الإعلام العمومي ملك للمواطن

من المهم أن تدرك الأحزاب أن وجودها في الإعلام العمومي خلال الانتخابات لا يعني تحوله إلى ملحق بالحملة الانتخابية؛ لأن الأولوية فيه تبقى لحق المواطن في المعلومة.

فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة أن حزبًا ما يعده بخلق عدد معين من فرص الشغل، أو رفع الأجور، أو إصلاح التعليم والصحة، بل يحتاج أيضًا إلى من يسأل الحزب: من أين ستأتون بالمال؟ لماذا لم تفعلوا ذلك عندما أتيحت لكم الفرصة؟ هل تتطابق الأرقام مع إمكانات الميزانية؟ من سينفذ؟ وفي أي أجل؟ وما الذي يضمن ألا تتحول الوعود إلى أرشيف انتخابي جديد؟

ويحتاج المواطن كذلك إلى معرفة الحالة الداخلية للحزب الذي سيصوت عليه؛ لأن الحزب الذي يعجز عن تدبير خلافاته الداخلية بطريقة ديمقراطية، من المشروع أن يُسأل عن الكيفية التي سيدبر بها خلافات المجتمع.

والحزب الذي يعرف نزاعات حول القيادة أو الترشيحات أو الشرعية التنظيمية، من حق المواطن أن يعرف حقيقتها. والحزب الذي غير تحالفاته ومواقفه من محطة إلى أخرى، عليه أن يشرح أسباب ذلك.

فهذه الملفات لا تبقى «أسرارًا داخلية» حين يصبح الحزب طالبًا للثقة العامة.

وهنا تأتي أهمية برامج من قبيل «صدى الانتخابات» وغيرها من البرامج الحوارية التي تبتكرها القنوات والإذاعات خلال الفترة الانتخابية.

هذه البرامج ينبغي ألا يخلطها أحد مع الحصص الرسمية المخصصة للأحزاب. فالحزب أخذ حصته الرسمية، وله فيها أن يقدم رؤيته ورسائله وفق القواعد المعمول بها. أما عندما ينتقل إلى برنامج حواري مستقل في خطه التحريري، فإنه ينتقل من مرحلة تقديم الرسالة إلى مرحلة مناقشتها ومساءلتها.

وهنا تتغير طبيعة العلاقة.

لم يعد السؤال فقط: ماذا تريد أن تقول للمغاربة؟ بل أصبح أيضًا: ماذا يريد المغاربة أن يعرفوا منك؟

وهذا الفرق جوهري؛ لأن الصحافة الجيدة لا تسأل فقط عن النقاط التي يرغب السياسي في الحديث عنها، وإنما تسأل كذلك عن القضايا التي قد لا يرغب في مناقشتها، لكنها تهم المواطن.

وربما تحتاج الأحزاب، خلال الانتخابات، إلى تغيير طريقة إعداد قياداتها للمرور التلفزيوني. فبدل أن يدخل الزعيم إلى الاستوديو محملًا فقط بأرقام البرنامج وشعارات الحملة، عليه أن يكون مستعدًا للإجابة عن سجل حزبه كاملًا: عن التأسيس والمسار، والنتائج الانتخابية السابقة، والتحالفات، والانشقاقات والصراعات، والمواقف التي تغيرت، والأخطاء قبل النجاحات، وحصيلة المنتخبين، والوعود القديمة قبل الجديدة.

وعليه أن يجيب عن سبب استحقاق الحزب فرصة أخرى إن كان قد جُرّب، أو سبب الوثوق به إن كان لم يُجرّب.

هذه هي الديمقراطية، وهذه هي وظيفة الإعلام في زمن الانتخابات: من يريد الدعاية فله منصاته، ومن يأتي إلى الصحافة فليقبل بالسؤال.

للأحزاب تجمعاتها ومنصاتها الرقمية وصفحاتها ومواقعها وبياناتها وحصصها الرسمية، وكلها فضاءات مشروعة لتسويق برامجها الانتخابية، أما البرامج الصحفية الحوارية في الإعلام العمومي فلا ينبغي اختزالها في وظيفة إضافية للدعاية.

فهي، قبل كل شيء، موعد بين السياسي والمواطن، والصحفي ليس سوى حامل لأسئلة هذا المواطن.

ومن هنا، ينبغي توجيه رسالة واضحة إلى جميع الأحزاب، كبيرها وصغيرها، في الأغلبية والمعارضة:

لا تدخلوا استوديوهات البرامج الحوارية وأنتم تنتظرون فقط أسئلة تريحكم.

لا تعتبروا العودة إلى تاريخكم تشويشًا على حملتكم، ولا تغضبوا لأن الصحفي ذكّركم بما قد تفضلون نسيانه، ولا تطلبوا من الإعلام أن يقدم لكم الصورة التي تريدونها عن أنفسكم.

قولوا أنتم ما تريدون قوله عن أحزابكم، لكن اتركوا للصحافة حق أن تسألكم عما يريد المواطن معرفته عنها.

فالإعلام العمومي ليس جدارًا لتعليق الملصقات الانتخابية، ولا مكبر صوت للأحزاب، ولا منصة مجانية لتسويق البرامج.

إنه فضاء للمعلومة والنقاش والمساءلة، والسياسي الذي يطلب أصوات المواطنين عليه أن يكون مستعدًا لأسئلتهم أيضًا.

لأن الديمقراطية لا تبدأ من صندوق الاقتراع وحده.

إنها تبدأ، قبل ذلك، من حق المواطن في أن يسأل… وواجب السياسي في أن يجيب.

بين الدعاية والصحافة المسؤولة
بين الدعاية والصحافة المسؤولة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار