Quantcast
2026 يونيو 23 - تم تعديله في [التاريخ]

الكد والسعاية.. منطقة رمادية داخل قانون الأسرة المغربي

«بين الذاكرة الفقهية والفراغ التشريعي»..


الكد والسعاية.. منطقة رمادية داخل قانون الأسرة المغربي
*العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

يشكل مفهوم "الكد والسعاية" أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في النقاش القانوني المغربي المعاصر، ليس لحداثة موضوعه، بل لكونه يستمد وجوده من تقاطع معقد بين الفقه المالكي، والعرف الاجتماعي، والاجتهاد القضائي، في مقابل غياب أي تأطير تشريعي صريح داخل مدونة الأسرة. وهو ما يجعله مفهوما يتحرك داخل منطقة قانونية رمادية، تتجاذبها اعتبارات الإنصاف الاجتماعي من جهة، وحدود الصرامة التشريعية من جهة أخرى.

من الناحية التأصيلية، لا يقوم "الكد والسعاية" على قاعدة تشريعية مكتوبة في القانون المغربي، وإنما يجد جذوره في بنية فقهية مالكية تقليدية، راكمت تصورا يقوم على الاعتراف بالمساهمة غير المباشرة لأحد الزوجين في إنتاج أو تنمية الثروة الأسرية، سواء عبر عمل منزلي غير مأجور يساهم في إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسرة، أو عبر مساهمة فعلية في نشاط اقتصادي أو تجاري أو حرفي داخل الإطار الزوجي. غير أن هذا التأسيس، رغم امتداده التاريخي، لم يترجم إلى حق مالي مستقل ومقنن، بل ظل رهينا بمنطق الاجتهاد والتقدير القضائي.

وعلى مستوى مدونة الأسرة، لا نجد أثرا مباشرا لمصطلح "الكد والسعاية"، غير أن المشرع المغربي اختار تكريس مبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين، كما هو منصوص عليه في المادة 49، مع فتح إمكانية الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج. غير أن هذا الاختيار التشريعي، رغم وضوحه النظري، لا يجيب بشكل كاف عن الإشكالات العملية التي تطرحها المساهمات غير الموثقة داخل الحياة الزوجية، خاصة حين تنتهي العلاقة دون اتفاق مالي مسبق.

بيد أن غياب هذا الاتفاق لا يعني إقصاء تلقائيا لأي إمكانية للاعتراف بالمساهمة، بل يعيد النزاع إلى سلطة الإثبات والتقدير القضائي، حيث يجد القاضي نفسه أمام وقائع اجتماعية مركبة يصعب اختزالها في وثائق أو عقود، وهو ما يفتح الباب أمام تفاوت في التكييفات القضائية من محكمة إلى أخرى.

في هذا السياق، برز الاجتهاد القضائي المغربي كآلية لإعادة بناء هذا المفهوم داخل الواقع العملي، حيث اتجهت بعض الأحكام إلى الاعتداد بالمساهمة الفعلية في بناء الثروة الأسرية، متى ثبتت بأدلة أو قرائن قوية، سواء كانت مساهمة مهنية أو مالية أو تنظيمية داخل مشروع اقتصادي مشترك. غير أن هذا التوجه يظل غير مستقر، ويعكس في العمق غياب إطار قانوني واضح يحسم طبيعة هذه المساهمة ومآلها.

ومن هنا، فإن الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في غياب النص، بل في هشاشة التكييف القانوني ذاته: هل يتعلق الأمر بحق في الثروة المكتسبة؟ أم بتعويض عن عمل غير مأجور داخل الأسرة؟ أم بتقدير قضائي استثنائي يروم تصحيح اختلالات واقعية بعد انحلال العلاقة الزوجية؟ هذا التردد يجعل المفهوم مفتوحا على قراءات متباينة، ويضعف قابلية توحيد العمل القضائي.

غير أن الإشكال الحقيقي الذي يطرحه الكد والسعاية يتجاوز البنية القانونية الصرفة، ليمس جوهر العدالة الأسرية نفسها، خاصة في ما يتعلق بحماية المساهمة غير المأجورة داخل العلاقة الزوجية. وهي مساهمة تتجسد في الغالب في العمل المنزلي والدعم غير المباشر للاستقرار الاقتصادي للأسرة، بما يسمح للطرف الآخر، وغالبا أحد الزوجين وفي حالات كثيرة الزوجة، بالاندماج الكامل في النشاط المهني أو التجاري. ومن هذا المنظور، فإن استمرار غياب تأطير تشريعي واضح وملزم يطرح إشكالية حقيقية حول مدى قدرة المنظومة الحالية على ضمان إنصاف فعلي ومتوازن عند انتهاء العلاقة الزوجية، خصوصا في الحالات التي يصعب فيها إثبات المساهمة ماديا.

لذلك، فإن النقاش لا ينبغي أن يختزل في قبول أو رفض الكد والسعاية كامتداد فقهي، بقدر ما يجب أن يطرح كإشكال تشريعي مؤجل يتعلق بمدى قدرة القانون على مواكبة التحولات الاجتماعية التي أعادت توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسرة، دون أن يعترف بها دائما على المستوى القانوني.
وبين هذا وذاك، يظل "الكد والسعاية" مفهوما عالقا بين ذاكرة فقهية ممتدة، وفراغ تشريعي قائم، واجتهاد قضائي متحرك، دون أن يستقر بعد في شكل قاعدة قانونية مكتملة المعالم داخل المنظومة القانونية المغربية.

              



في نفس الركن
< >

الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 12:34 الهشاشة النفسية ونظرية المؤامرة…















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار