أنهت المحكمة الدستورية فصلاً طويلاً من السجال التشريعي والاحتقان المهني الذي رافق مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، بإصدارها قراراً حاسماً يقضي بعدم دستورية بعض مواد هذا النص المثيرة للجدل، وتثبيت مقتضيات أخرى، وذلك عقب المصادقة النهائية على المشروع بغرفتي البرلمان المغربي.
وجاء هذا المنعطف الحاسم إثر إحالة قضائية رفعتها فرق المعارضة البرلمانية (الاتحاد الاشتراكي، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية) في ماي 2026، بعد تنسيق واسع طعن في مقتضيات اعتبرها المهنيون مساساً بمكتسباتهم التاريخية وضمانات أمنهم المهني والتعاقدي. وكانت النسخة الحكومية من المشروع قد واجهت معارضة شرسة من طرف الهيئة الوطنية للعدول، التي خاضت سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات الوطنية، معتبرة أن بعض البنود تكرس “ميزاً تشريعياً” ولا تتماشى مع روح التحديث والمساواة الحرة التي نص عليها دستور المملكة.
وجاءت خطوة اللجوء إلى المحكمة الدستورية من طرف نواب المعارضة لتشكل “صمام أمان” قانونياً، حيث ركزت الدفوعات على حماية الوثيقة العدلية وتحصين النظام التأديبي والشروط الجديدة للولوج للمهنة (التي حددت السن في 21 سنة واعتماد شهادات جامعة القرويين والعالمية)، بالإضافة إلى إعادة تنظيم فترة التمرين لتصل إلى سنتين.
وبموجب هذا قرار الدستوري، يدخل القانون رقم 16.22 مرحلة التظهير والنشر في الجريدة الرسمية باتجاه خطة التحديث الرقمي والجاهزية المؤسساتية التي تراهن عليها وزارة العدل لتطوير مهن العدالة البديلة. ورغم تثبيت المحكمة لآليات التنظيم والتأديب والرقابة القضائية الرامية لعصرنة المهنة، فإن إسقاط المواد غير الدستورية يمثل انتصاراً جزئياً للمقاربة التشاركية التي طالما نادى بها ممارسو التوثيق العدلي بالمغرب.
في هذا السياق، قال طارق القاسيمي، مقرر النقابة الوطنية للعدول المنضوية تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، تعليقاً على مستجدات قرار المحكمة الدستورية الأخيرة، إن قرار المحكمة بشأن دستورية المادة 63 لم يغلق الباب أمام مطالبهم، بل اتخذ مسافة تقديرية تاركاً الأمر كخيار تشريعي بيد البرلمان لإيجاد الآلية الأنسب لحل هذا الموضوع مستقبلاً.
وأردف الكاتب العام السابق للمجلس الجهوي لعدول استئنافية سطات، في تصريح لـ”العلم”، أنه رغم احترام النقابة الشديد لهذه القراءة القانونية التي اعتبرت خلو المادة من (آلية الإيداع) لا يهدد حق الملكية لوجود ضمانات جنائية أخرى، إلا أن العدول يسجلون استياءهم المهني العميق من هذا الحرمان الذي يمس بتنافسيتهم الشريفة.
وأبرز عضو المؤسسة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية الأبعاد الاقتصادية والمهنية للأمر بقوله: “إن غياب حساب الودائع لدى العدول يحرمنا من توثيق المعاملات العقارية الكبرى والاستفادة من مشاريع الدولة الحيوية، مثل برامج السكن المدعم التي تمر أموالها حصراً عبر صندوق الإيداع والتدبير، مما يضطر المواطن للتوجه نحو الموثقين لإتمام عقود الوعد بالبيع. هذا الوضع يقصي فئتنا اقتصادياً ويحصر عملنا في العقارات منخفضة القيمة والمعاملات النقدية (الكاش)، في وقت رصدت فيه وزارة التعمير والإسكان رواج نحو 41 مليار درهم أمام الموثقين وحدهم بين سنتي 2024 و2026.”
واسترسل القاسيمي في تفكيك الوضع التنافسي للمهنة قائلاً: “إننا نجد أنفسنا اليوم محصورين في المعاملات التي تعتمد على الدفع النقدي الفوري أو الشيكات الآنية، بينما تستأثر جهة توثيقية أخرى برقم معاملات ضخم جداً بفضل توفرها على آلية الإيداع. هذا التفاوت غير المتكافئ يحرمنا مهنياً من مواكبة القطاع العقاري الحديث ويجعل مهنة العدول تبدو وكأنها محاصرة في سياقات معاملات تقليدية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على المردودية الاقتصادية والتمكين المالي لمنتسبي هذا القطاع.”
وسجل في الوقت نفسه، بكل إيجابية، ما أثارته المحكمة الدستورية تلقائياً بخصوص المادة 8 والمادة 120، وخاصة جميع مواد الباب 12 و13 من المادة 140 إلى 194، والتي اعتبرتها المحكمة الدستورية مخالفة للدستور في ما أغفلته من ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي.
وحول معالم المرحلة المقبلة للمهنة، أكد المتحدث أن “القضاء الدستوري حسم في بعض المطالب بناء على الخصوصية التاريخية، حيث تم رفض التلقي الفردي ورفع الخطاب، مما يعني استمرار نظام الثنائية (عدلان) بشكل دائم. وفي المقابل، نثمن المستجدات الإيجابية للمادة 67 التي دعت لإعادة النظر في نظام اللفيف وتسهيله لصالح المواطن عبر إشراك النساء وتقليص عدد الشهود الـ 12. وسيبقى رهاننا الاستراتيجي مستمراً للضغط نحو تعديل تشريعي يوحد الأتعاب والوسائل والآليات بيننا وبين الموثقين، استناداً إلى توصيات مجلس المنافسة السابقة (رقم 3 على 2019)، تحقيقاً للعدالة التنافسية وتكافؤ الفرص في السوق العقاري المغربي”.
رئيسية 








الرئيسية 




