*العلم: أسماء لمسردي*
حسمت المحكمة الدستورية إشكالاً دستورياً يرتبط بحدود تدخل السلطة التنفيذية في تدبير الشؤون الإدارية والمالية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بعدما قضت بعدم دستورية إدراج منصب «المحافظون القضائيون العامون» ضمن المناصب العليا التي يتم التداول بشأن التعيين فيها في مجلس الحكومة، مؤكدة أن تدبير المسؤوليات داخل المجلس لا يمكن أن يخضع للسلطة التنفيذية.
وجاء القرار على إثر إحالة القانون التنظيمي رقم 026.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، إلى المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقته للدستور. وبعد فحص المسار التشريعي، خلصت المحكمة إلى أن شكل تقديم القانون، وإجراءات تحضيره، والتداول فيه، والتصويت عليه جاءت مطابقة لأحكام الدستور.
غير أن الإشكال برز عند فحص مضمون التعديل المتعلق بإضافة «المحافظون القضائيون العامون» إلى قائمة المناصب العليا التي يتم التداول بشأن التعيين فيها في مجلس الحكومة. وهنا أقامت المحكمة تعليلها على مبدأ استقلال السلطة القضائية، الذي اعتبرته مبدأ دستورياً أساسياً يجسد الشكل الرئيسي للفصل بين السلط.
واستندت المحكمة إلى الفصول 107 و113 و116 من الدستور، مبرزة أن استقلال السلطة القضائية يستوجب، بالتبعية، استقلالاً عضوياً ومؤسساتياً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وسيادة كاملة في تدبير شؤونه الداخلية، بما في ذلك تعيين أطره، مع تحصين هياكله الإدارية والمالية من أي مظهر من مظاهر التبعية أو الإشراف العضوي من طرف أي سلطة أخرى، ولا سيما السلطة التنفيذية.
وبحسب المحكمة، فإن إدراج المحافظين القضائيين العامين ضمن المناصب التي يتم التعيين فيها بمرسوم في مجلس الحكومة يؤدي إلى إخضاع موظف يمارس مهامه حصرياً ضمن موظفي المجلس الأعلى للسلطة القضائية لولاية السلطة التنفيذية من حيث أداة التعيين، وهو ما يمس مباشرة بالاستقلال المؤسساتي والتنظيمي الذي خص به الدستور السلطة القضائية. وشددت على أن هذا الاستقلال «غير قابل للتجزئة»، وأن كل تعيين في منصب مسؤولية إدارية أو مالية داخل هياكل المجلس يجب أن يصدر عن السلطة القضائية نفسها، تحصيناً لمكانتها من أي تأثير أو توجيه، ولو بصورة غير مباشرة، من السلطة التنفيذية.
وأوضحت المحكمة أن وظيفة المحافظ القضائي العام، بغض النظر عن طبيعة مهامه، تندرج ضمن تدبير الشؤون ذات الصلة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ ولذلك فإن إخضاع تعيينه للسلطة التنفيذية يعد تدخلاً في التسيير الداخلي لسلطة مستقلة بحكم الدستور، ويفرغ الاستقلال المالي والإداري للمجلس من مضمونه.
وبناء على ذلك، لم تقض المحكمة بعدم دستورية القانون التنظيمي برمته، وإنما قررت أن إدراج «المحافظون القضائيون العامون» ضمن المناصب السامية التي يتم التعيين فيها بمرسوم في مجلس الحكومة مخالف للدستور، مع إمكانية فصله عن باقي أحكام القانون ونشره بعد حذف هذا المنصب من لائحة المناصب العليا المعنية. أما باقي أحكام القانون التنظيمي، فصرحت المحكمة بعدم مخالفتها للدستور.
رئيسية 








الرئيسية 






