العلم الإلكترونية-ريحانة السالمي (صحافية متدربة)
في قلب محطة "أولاد زيان" بالدار البيضاء، وبالضبط في الجهة المخصصة لسيارات الأجرة بصنفيها، حيث تتعالى صيحات السائقين وهدير المحركات ، يُفصح المشهد عن واقعٍ مثقل بالتحديات.. هناك خلف المقود، يبحث السائق عن لقمة عيش وسط زحام خانق، و يخوض معركة صعبة ضد غلاء المحروقات، وشبح "الكريمة"، وتطبيقات النقل التي سحبت البساط من تحت عجلاته.
خلف هذه الإشكاليات المتراكمة، تتحدث الأرقام بلغة لا تقبل التأويل، إذ كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن المملكة تحركها يوميا ترسانة ضخمة تتجاوز 75 ألف سيارة أجرة بصنفيها الصغير والكبير، يتولى قيادتها ما يناهز 180 ألف سائق مهني.
هذا العدد الكبير من شقاة الطرق الذي يربط أوصال الأحياء والمدن ببعضها، يجد نفسه اليوم محاصرا بكومة من الحسابات الصارمة، ومصطدما بنظام يعود لزمن غابر.
بين التحديات ومحاولات الإصلاح..سيارات الأجرة عند مفترق الطرق
تقف سيارات الأجرة في المغرب اليوم عند مفترق الطرق، بين ضغوط اقتصادية متزايدة ومحاولات رسمية لإصلاح القطاع. ففي ظل الارتفاعات المتتالية لأسعار المحروقات (12.50 درهما للتر الواحد للغازوال، وحوالي 13.55 درهما للتر الواحد للبنزين) نظرا لأسباب تتأرجح بين التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، و الفجوة الكبيرة في مجال الأمن الطاقي، باتت هوامش الربح لدى المهنيين أكثر ضيقا، ما دفع الوزارة الوصية إلى إقرار الدعم الاستثنائي لمحاولة كبح جماح الأزمة، إذ يستفيد سائقو سيارات الأجرة الكبيرة من دعم بقيمة 2200 درهم، و1600 درهم لسيارات الأجرة الصغيرة، بالموازاة مع إصدار دوريات وزارية صارمة تهدف إلى تنظيم العلاقة التعاقدية بين صاحب "الكريمة" والسائق المهني، عبر تفعيل العقد النموذجي لكراء واستغلال رخصة المأذونيات.
نظام المأذونيات : عبء يثقل كاهل قطاع التاكسي بالمغرب
"الكريمة"، هي العصاب الحركي والمشكلة الهيكلية الأكبر في آن واحد. فهي الرخصة التي تمنحها الدولة لأشخاص أو جهات، يؤجرونها للسائق مقابل مبلغ مالي دوري. هذا النظام الذي تأسس في الأصل كمنح اجتماعية، تحول مع مرور العقود إلى "ريع" اقتصادي يتحكم في لقمة عيش الشغيلة، حيث يجد السائق المهني نفسه مجبرا على دفع "الحلاوة" للمالك بمبالغ خيالية، ثم تليها "الجيبة أو الروسيطة"، وهي مبلغ مالي ثابت يلتزم سائق سيارة الأجرة بدفعه يوميا.
على عكس ذلك، أقر محمد بنيعقوب، رئيس "جمعية الإسماعيلية طاكسي – مكناس"، التي تضم أرباب المأذونيات، أن “اعتماد مثل هذه القيمة الكرائية يدفع أصحاب المأذونيات إلى تسوية وضعيتهم الجبائية والاجتماعية، إذ يصبحون ملزمين بأداء الضريبة على الدخل، وبأداء ما بذمتهم لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في إطار ورش الحماية الاجتماعية”.
تطبيقات النقل الذكية.."قرصنة علنية" ضد سائقي سيارات الأجرة
وتنضاف إلى هذه التحديات مجتمعة المنافسة الخارجية الشرسة، التي تتصدر مشهدها التطبيقات الذكية، التي برزت في ظل التحول الرقمي كمنافس قوي للتاكسي التقليدي، إذ تشكل بديلا يمنح عدد من الزبناء حرية التفاوض على السعر، وتجنب عناء الطوابير، ورفض السائقين لبعض الوجهات.
في المقابل، يرى أصحاب سيارات الأجرة في هذا الزحف التكنولوجي "قرصنة" ونقلا سريا غير قانوني يهدد قوتهم اليومي.
وفي تصريح خص به جريدة "العلم الإلكترونية"، عبر (س.س) وهو أحد سائقي (إن درايف) عن مفارقة هذه المهنة: فمن جهة، تمنحه المنصة مرونة عالية في تنظيم وقت عمله، وحرية اختيار الرحلات، وتعطيه ميزة تحديد السعر بالتراضي مع الزبون.
لكن في المقابل، يعترف السائق بمرارة العيش تحت طائلة المطاردة اليومية، وغياب أي غطاء قانوني أو حماية اجتماعية، ناهيك عن كابوس المواجهات والحجز الذي قد يطال سيارته في أي لحظة. هذا الصراع المحتدم، الذي تجاوز ردهات المحاكم لينتقل إلى مشادات واحتجاجات عنيفة أحيانا في الشوارع، يضع الجميع أمام حقيقة واحدة: المواجهة مستمرة إلى أن يتدخل المُشرِّع المغربي لتقنين هذا الوافد الرقمي الجديد.
نحو إصلاح قطاع سيارات الأجرة.. ما المطلوب؟
في نهاية المطاف، لا يمكن تحسين هذا القطاع الحيوي دون رد الاعتبار للإنسان فيه. إنقاذ المنظومة اليوم يستوجب حزمة قرارات شجاعة، تبدأ بإنصاف السائقين اجتماعيا وتخفيف عبء كلفة الوقود عن كاهلهم، والمرور نحو تنظيم جذري لسوق المأذونيات. وفي المقابل، يفرض العصر لغة جديدة، لغة الرقمنة والذكاء الاصطناعي التي يجب أن تؤطر التطبيقات الحديثة في قالب قانوني عادل ينهي صراع العشوائية. إنها حلقة مترابطة من الإصلاح، وحدها الكفيلة بتحديث القطاع عبر صون كرامة المهني، وتقديم خدمة تليق بتطلعات المواطن.
وارتباطا بالموضوع، اقترح أحمد آيت الحنة، الكاتب العام للمرصد الوطني للنقل الطرقي وحقوق السائق المهني، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “كثرة العقوبات الصادرة في حق مستغلي رخص سيارات الأجرة، وهزالة الدعم الذي يمنح لمهنيي القطاع، فضلا عن المنافسة غير الشريفة وغير القانونية التي باتوا يواجهونها من قبل أصحاب المركبات الخاصة الناقلين بواسطة التطبيقات، كلها دواعي مقنعة يجب أن تدفع المغرب نحو إحداث وكالة وطنية لتسيير قطاع سيارات الأجرة على شاكلة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، أو باقي الوكالات المعتمدة من طرف وزارة الداخلية”.
الوجه الآخر للأزمة..انتقادات تطال المهنيين
من جانب آخر، يرى الكثيرون أن المعاناة التي يتخبط فيها السائقون، لا تعفيهم من أصابع الاتهام التي يوجهها إليهم المواطن يوميا، فالقطاع يواجه موجة من الانتقادات بسبب سلوكيات البعض منهم التي تسيء لسمعة هذا المرفق الحيوي، من رفض نقل الركاب إلى وجهات وأحياء بعينها باعتبارها غير مربحة أو بعيدة، وصولا إلى التعامل الفظ والتلاعب بتسعيرة العداد.
هذا الواقع المرير جعل فئة عريضة من الزبناء تجد في التطبيقات الذكية ملاذا آمنا، مما يفرض على المهنيين مراجعة أوضاع القطاع وإصلاح اختلالاته قبل المطالبة بالحماية من المنافسة.
في الختام، يضعنا هذا الغوص في تفاصيل قطاع سيارات الأجرة بالمغرب أمام حقيقة ساطعة، أن هذا القطاع يمر بأزمة تتباين بشأنها وجهات النظر بين طرفين. ففي استطلاع للرأي أجرته جريدة "العلم"، عبرت فئة واسعة من المغاربة عن تعاطفها المبدئي مع السائق المهني الذي يصارع وحيدا ضد نظام "الكريمة" وباقي التحديات الأخرى، معتبرين إياه ضحية منظومة ريعية مهترئة تحتاج الدعم والإنصاف لضمان كرامته، في حين انحازت فئة أخرى، وبقوة، نحو تطبيقات النقل الذكية التي أصبحت تشكل حلاًّ يضمن الجودة والراحة والمعاملة اللائقة. وهو تباين جلي يضع القطاع برمته عند مفترق طرق حتمي، ليصبح المشرّع المغربي اليوم مطالبا أكثر من أي وقت مضى، بانتشال القطاع من الفوضى. إنها معركة إنقاذ حقيقية لأسر تقتات من عرق الجبين خلف المقود، ومُصالحَةٌ حتمية بين السائق وزبونه لطالما تاهت بين الحسابات والمصالح.
رئيسية 








الرئيسية 




